◾️ سمير الصميدعي… جريدة المدى
وصلني مقال رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عادل عبد المهدي بعنوان “دولة متذبذبة في فضاءات واعدة”، يستعرض فيه وضع العراق الحالي وخلفياته والخيارات المطروحة لمستقبله.
ولقد ترددت في التعليق على هذا المقال لأني لم أجده جديراً بالاهتمام من الناحية الفكرية، ولكن كونه طُرح في إطار عام واسع ينظّر لبقاء نظام الحكم الحالي، ما يعني بقاء العراق مشلولاً رهينةً لإرادة خارجية بأدوات داخلية، رأيت من المفيد – إن لم يكن من الضروري – التصدي له وبيان الأسس المختلة لهذا التنظير المضلل. ولا أريد في هذا الرد الموجز على المقال التعرض لتاريخ كاتبه والتجاوزات والجرائم التي كان مسؤولاً عنها أثناء تسلمه السلطة، فحساب ذلك يكون في موضع ووقت آخر.
المقال طويل وفيه الكثير من الحشو، فهو يبدأ بحذلقة واستعراض لأسماء مفكرين غربيين لهم دور كبير في التأسيس للفكر السياسي، وكأنه يقول: اسمعوا لي فأنا الخبير العليم في النظريات السياسية، ثم ينتقل إلى تعريف الدولة الحديثة ويقسّم الدول إلى منظومتين: الدول المهيمنة والدول المهيمن عليها، وبعد ذلك يتحدث عن الدولة العراقية بعد 2003 كونها وليدة الهيمنة الغربية، ويراجع التطورات التي جرت في العراق.
ومع اعترافه بأن قيادات العراق السياسية (متحاشياً أن يذكر أنه كان في مقدمتها) انشغلت بمصالحها عن بناء الدولة، يتحدث عن الإنجازات في التخلص التدريجي من الاحتلال والهيمنة الغربية وموضعة العراق في الصراع بين الغرب الاستعماري وقوى التحرر والمقاومة التي نفترض أنها ترتبط بالجمهورية الإسلامية في إيران، ويؤكد قيام “سلطات عديدة” في العراق وتكوين “نوع من اللانظام”، و”بالرغم من استشراء الفساد والكثير من الفوضى” يقول إن العراق “يتقدم بالزخم العام الذي ولدته عملية تحرر إرادة شعبه بعد 2003”. ومن بعد ذلك ينتقل إلى الخيارات الثلاث المطروحة أمام العراق، فيقول إن الخيار الأسوأ هو تبني السياسات الاستعمارية والصهيونية، والذي يتضمن العداء لإيران وقوى المقاومة “المدافعة عن الدولة والنظام السياسي” (هكذا)، ثم يأتي إلى الخيار الثاني الذي يعتبره الخيار الأفضل، وهو كسر التبعية، وهذا يتطلب “تضحيات عظيمة وقيادة وصيغة وطنية تتمتع بالحد المطلوب من الوحدة الوطنية وتأييداً اجتماعياً وشعبياً وازناً”، ويعترف أن كل هذا غير متوفر.
ومن ثم يأتي إلى الخيار الثالث، وهو باختصار الوضع الراهن مع العمل على تحسينه تدريجياً والاتجاه نحو الخيار الأفضل. ويبشرنا أن الفرج قريب بسبب “شيخوخة نظام الهيمنة وتفكك الكثير من مرتكزاته وانهياره” كما انهارت الإمبراطوريات السالفة.
هذا الاستعراض وهذه الرؤية جاءا مليئين بالمغالطات وتزييف الحقائق والانتقائية في المعلومات والثغرات المنطقية، فضلاً عن خلط الأوراق والخوض في قضايا جانبية تبعد النظر عن القضية المحورية. كل ذلك سُخّر للتوصل إلى نتائج مقررة مسبقاً تؤدي إلى الالتزام بالتبعية إلى إيران واستبعاد التحرر منها.
لنبدأ بتفكيك ما جاء في هذا المقال وبيان زيف “الحجج” الواردة فيه. ولن أتعرض لكل ما أتى في المقال لأن ذلك سوف يطول، بل سأكتفي بما يفي لبيان التدليس الذي يغلب عليه.
في مقدمة المقال يخلط عمداً بين تعريف الدولة الحديثة والدولة الديمقراطية المبنية على مفاهيم يقول إنها وليدة الاستعمار، مثل الديمقراطية وحقوق المواطنة، ليمهد لشرعنة دولة من نمط آخر ملتبسة كالدولة العراقية بوضعها الحالي.
نقول إن مفهوم الدولة كما هو معترف به في هذا العصر لا يتضمن طبيعة الحكم، فالدولة الحديثة مبنية على القواعد القانونية التي نتجت من اتفاقيات ويستفاليا في 1648 التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا، وهي باختصار:
- السيادة على الأرض. لكل دولة حدود، والدولة هي السلطة العليا داخل هذه الحدود، ولا تملك أي سلطة خارجية (مثل البابا أو الإمبراطور) حق التدخل فيها.
- المساواة القانونية بين الدول الكبيرة مثل فرنسا والدول الصغيرة كالإمارة المسماة هيس كاسل، فلكل من هذه الدول نفس الحقوق القانونية في النظام الدولي الأوروبي.
- عدم التدخل. ما تفعله أي دولة داخل حدودها لا يعني أي جهة خارجها.
هذه هي القواعد القانونية التي بُنيت عليها لاحقاً عصبة الأمم في 1919، ومن بعد ذلك الأمم المتحدة في 1945، ولكي تكون أي دولة عضواً في الأمم المتحدة عليها أن تقبل بها، وهي كمبادئ مكرسة في ميثاق الأمم المتحدة.
والآن – كما نعلم – توجد دول ديمقراطية (بمراحل مختلفة من تطور ديمقراطيتها) ودول استبدادية مثل كوريا الشمالية وغيرها، كلها معترف بها كدول. الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان وفكرة العقد الاجتماعي أتت لاحقاً بعد الثورة الفرنسية، وهذه المبادئ ليست مقصورة على الدول الاستعمارية كما يدعي المقال، بل هي نتيجة تطور طبيعي للمجتمع، ولذلك تبنتها (بدرجات متفاوتة) العديد من الدول التي كانت نفسها ضحية للاستعمار، مثل الهند وماليزيا ونيجيريا. فكما نستخدم نتائج التكنولوجيا من الهاتف الذكي إلى التلفزيون، نستعين باستخدام أحدث أنظمة الحكم لأنها تؤدي إلى تقريب المجتمعات من الاستقرار والسلم الداخلي والعدالة والرفاه الاقتصادي.
صحيح أن الديمقراطية تطورت تطوراً عضوياً في أوروبا عبر قرون من الزمن، لكن رفضها باعتبارها مستوردة ومفروضة علينا من الاستعمار والصهيونية كما يوحي المقال غير معقول وغير مسؤول، لأن دولاً كثيرة بدأت باستخدامها والتمرن عليها والتقدم في إطارها، مثل كوريا الجنوبية والمكسيك والبرازيل التي لم تكن ديمقراطية من عهد بعيد. وهي، أي الديمقراطية، لا يمكن تبنيها كاملة بين عشية وضحاها، ولكن يحصل القبول بها كمبادئ وأهداف ينبغي تحقيقها، وهذا هو الموقف الصحيح والغرض منه خدمة الشعوب وليس خدمة الاستعمار.
المقال يقول إن سمات الديمقراطية “غالباً ما تُقيَّم بالمعايير الغربية فقط حسب تطورها التاريخي للجنس الأبيض”، فكأنه يريد أن يقول إننا لسنا من الجنس الأبيض فلا تنطبق علينا هذه المعايير وعلينا أن نعتمد على الأنماط الموروثة للحكم، وهي كما نعلم قائمة على الاستبداد. هذا الادعاء باطل لأن هذه المعايير تطبق في كل أنحاء العالم، والأمثلة كثيرة ومنها جنوب أفريقيا واليابان والفلبين، وشعوب هذه البلدان ليست من الجنس الأبيض.
ويدعي المقال أن مفاهيم “التنويرية” و”غلبة التجربة والآلة والعقل كأدوات” هي استكمال لأدلجة منظومة هيمنة الدول الغربية ومنها “تدمير أدوات عمل بقية الحضارات”، ولا يوضح لنا ما هي بالضبط أدوات عمل بقية الحضارات. هل هي مثلاً نظام ولاية الفقيه أم أنها تتجسد في مقولة أن “السلطان هو ظل الله في الأرض” أم ماذا؟
حتى في اليابان، حيث كان الإمبراطور بمثابة إله، انتقل نظام الحكم إلى آليات الديمقراطية الحديثة مع الإبقاء على دور الإمبراطور كرمز ثقافي تاريخي لا يتدخل في السياسة أو إدارة الشأن العام، وكذلك الأمر في بلدان عديدة أخرى.
وعندما يأتي المقال إلى الخيارات يعتبر أن خيار حصر السلاح بيد الدولة هو الخيار الأسوأ، فهو يعني تبني السياسات الاستعمارية والصهيونية، وهو مطلب يريده الأمريكي والإسرائيلي “لإثارة فتنة داخلية أو العداء للجيران خصوصاً إيران أو محاصرة الحشد الشعبي وقوى المقاومة المدافعة عن الدولة ونظامها السياسي”.
ولا ندري من أين نبدأ في تفنيد هذا الكلام. إن وجود قوة مسلحة خارجة عن سلطة الدولة ينفي عن الدولة شرعيتها. فمن شروط الاعتراف بأي دولة سيطرتها على أرضها بلا منازع. ثم ما الذي تقاومه قوى المقاومة هذه بأدواتها؟ فإن كانت قد وُجدت لمقاومة الإرهاب الداعشي فقد اضمحل هذا الإرهاب والقوى الأمنية للدولة قادرة على التعاطي معه، وإن كانت الآن تريد مقاومة أمريكا وإسرائيل فكيف بالضبط ستفعل ذلك وعلى ماذا تستند في شرعيتها في إعلان هذه الحرب؟ لأن أي عمل مسلح تقوم به تعود انعكاساته على الدولة والشعب عموماً. ثم كيف تدافع هي عن النظام السياسي كما يدعي المقال وهي بمحض وجودها انتهاك صارخ للنظام السياسي والدستور الذي بُني عليه؟
كل هذا لا يوضحه لنا كاتب المقال، بل يريدنا أن “نبلع” ما يقوله جملة وتفصيلاً، ونحن ندري أنه ليس في مصلحة العراق في شيء، وندري أيضاً أنه، وبوضوح لا يقبل الشك، في مصلحة النظام الحالي في إيران.
ثم إنه يحاول، للتغطية على هذه المغالطة، الاستعانة بمثال بائس، وهو حق حمل السلاح وتكوين الميليشيات الذي يضمنه الدستور الأمريكي للمواطنين، ويقول إن تأييد هذا الحق في أمريكا ومعارضته في العراق يمثل ازدواجية المعايير و”النفاق السياسي للقوى الاستعمارية والصهيونية”. هذا الكلام محض تزوير للحقائق، فإن ما يكفله الدستور الأمريكي هو حق الأفراد وحتى الجماعات في حمل السلاح الشخصي، لا الدبابات والصواريخ والمسيّرات واحتلال مناطق وامتلاك وإدارة سجون ومخازن وربما مصانع لتجميع الأسلحة. هذا الحق في أمريكا منظم بقوانين، ولكل ولاية قانونها الذي ينظمه، ولا يعني هذا الحق الذي كفله الدستور أن هذه الميليشيات تستطيع إطلاق صواريخها ومسيّراتها على المكسيك مثلاً لمساعدة دولة أخرى مثل كندا. فالولايات المتحدة كدولة تبسط سيطرتها الكاملة على أراضيها بقواتها الأمنية والعسكرية وقوانينها. تفعل ذلك بلا منازع أو منافس. محاولة إعطاء صورة أخرى مغايرة استناداً إلى ورود كلمة “ميليشيات” بمعنى مختلف هو افتراء وتدليس مشين. حامل السلاح الأمريكي ليس له الحق بإطلاق رصاصة واحدة حتى على غزال مثلاً خارج موسم الصيد، وإلا تعرض للمساءلة القانونية والعقوبة.
ونأتي أخيراً إلى الحلم المرتجى. هنا لا بد لأي عاقل أن تتملكه الحيرة فلا يدري أيضحك أم يبكي أم يغضب، أو تعتمل فيه هذه الحالات جميعاً.
الشعب يعاني يومياً أشد المعاناة، ويشهد استشراء النهب المنظم وشبه العلني لموارد الدولة، والكوارث البيئية، واستبداد الفصائل المسلحة وتسييس القضاء وتدهور الخدمات الصحية وانهيار التعليم والتعليم العالي والانكفاء إلى الوراء بكل المعايير وتهريب العملة إلى الجارة إيران والمحاصصة والطائفية، والقائمة تطول. ثم يطل عليه كاتب المقال فيقول له إن أفضل الخيارات أمامه أن يصبر وأن يقدم تضحيات كبيرة ليصل إلى الهدف المطلوب في دحر الاستعمار والصهيونية. وسيكون ذلك قريباً. وإن غداً لناظره قريب. وطبيعي فإن قادته أثناء ذلك معفيون من وزر أي معاناة، بل هم في هناء ونعيم.
ماذا نقول غير أن هذا الغثاء السخيف غير المسؤول مكانه المناسب سوف يقرره الشعب الضحية في يومٍ تسودّ وجوهٌ وتبيضّ وجوهٌ.
نقول: فعلاً، إن غداً لناظره قريب، ولكنه لن يكون بالشكل الذي حاول أن يرسمه لنا الدكتور عادل عبد المهدي بحذلقته الفاشلة.