من اليوم حتّى انتهاء ولاية الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في 20 كانون الثاني 2028، يفرض سؤال واحد نفسه على الأميركيّين وسائر شعوب العالم: إلى أين يقود ترامب مصير نحو 7 مليارات و700 مليون إنسان خلال الأيّام الـ450 الباقية من ولايته؟
منذ إعلان استقلال الولايات المتّحدة وبدء تطبيق النظام الرئاسيّ، وانتخاب أوّل رئيس أميركيّ في 30 نيسان 1789، لم يخالف أيّ رئيس الدستور الأميركيّ والأعراف السياسيّة المستقرّة مثلما فعل ترامب.
ارتباك في السياسات، فقدان لبوصلة واضحة للحكم، تضارب وتناقض في القرارات، وفريق ضعيف من المساعدين، أهمّ شروط وجودهم هو الولاء المطلق والطاعة العمياء لقراراته المتضاربة والمتناقضة… تلك هي سمات إدارة ترامب.
في الخارج، تحطيم كامل لقواعد النظام الدوليّ المستقرّة، وصدام مع الحلفاء قبل الأعداء، وفرض عقوبات على من يخالف الرئيس الأميركيّ، وفرض رسوم استثنائيّة على حلفائه، وتمزيق كلّ ما تمّ الالتزام به من تعهّدات مع الجيران (كندا والمكسيك) والخارج، واتّفاقات ومعاهدات تتعلّق بالبيئة واليونسكو ومنظّمة الأمم المتّحدة والأونروا، وتهديد العضويّة في الحلف الأطلسيّ.
رغم تعهّده بعدم التورّط في حروب خارج الولايات المتّحدة، قام ترامب بعمليّات في فنزويلا واليمن وإيران، ومناورات على سواحل البحر المتوسّط وجنوب بحر الصين وتايوان وكوريا الجنوبيّة.
هل ترامب متوازن نفسيّاً؟
كلّ ذلك دفع كثيرين من المفكّرين والكتّاب والسياسيّين إلى طرح سؤال عن مدى رجاحة عقل ترامب، ومدى توازنه النفسيّ، أو على الأقلّ مدى إلمامه بأبسط قواعد وأصول الحكم ومبادئ العرف السياسيّ المستقرّ لأيّ رئيس أميركيّ، التي يتعيّن عليه التقيّد بها بصرف النظر عن كونه ديمقراطيّاً أو جمهوريّاً.
الآن نحن تحت ضغط السقف الزمنيّ للمعركة الانتخابيّة لتجديد نصف مجلس النوّاب الأميركيّ وثلث مجلس الشيوخ، وانتخاب حكّام بعض الولايات، التي يجب أن تُحسم وتُعلن نتائجها في الثالث من الشهر المقبل.
في حال كان النصر لمصلحة فريق ترامب الجمهوريّ، فسوف يستمرّ استعراض القوّة المستفزّة غير المسبوقة للرئيس. وفي حال هُزم فريق ترامب لمصلحة الديمقراطيّين والمستقلّين، فسوف نواجه رئيساً مشلول القوى، غير قادر على ممارسة السلطة المطلقة كما كان قبل ذلك. وأيضاً قد يكون معرّضاً لتعطيل قراراته، السابقة والمقبلة، وقد يكون معرّضاً للأمر الأكبر الذي يخشاه، وهو التصويت على عزله بسبب مخالفاته الدستوريّة والشخصيّة واتّهامه بالفساد.
اتّهامات الفساد
يشمل اتّهام ترامب وعائلته بالفساد وسوء استغلال السلطة ومخالفة القانون والأعراف السياسيّة المستقرّة، الآتي:
1- إصدار عملة ذهبيّة تحمل اسمه وأخرى باسم زوجته.
2- إصدار عملة بيتكوين مشفّرة باسمه.
3- قيام ابنه من زوجته ميلانيا بالمضاربة، عبر شركة يملكها، على النفط بمبلغ نصف مليار دولار، قبيل ساعات فقط من ضرب إيران.
4- قيام زوج ابنته ومستشاره الخاصّ جاريد كوشنر باستخدام أموال صندوق خاصّ في شركة تقوم بتصدير ذخائر وأدوات عسكريّة إلى إسرائيل.
تُضاف إلى ذلك كلّه مجموعة تبدأ ولا تنتهي من القرارات الرئاسيّة المخالفة لنصّ وروح الدستور الأميركيّ في شؤون الأمن والاقتصاد والهجرة والعلاقات الثنائيّة مع الدول الأخرى.
إنجازات غير محقّقة
ثلاث قضايا تفاخر ترامب ليل نهار بأنّه حقّق نجاحات كبرى ونهائيّة في حسمها، وهي:
1- غزّة.
2- الحرب الروسيّة الأوكرانيّة.
3- إيران.
في ثلاثتها، أخفق الرجل في التوصّل إلى حلول نهائيّة، بل أدّى تدخّله إلى تدهور ملفّاتها تدهوراً شديداً.
ثلاث قضايا تفاخر ترامب ليل نهار بأنّه حقّق نجاحات كبرى ونهائيّة في حسمها
في غزّة، لم يوقف مجلس السلام القتل على الهويّة الذي تقوم به قوّات الاحتلال الإسرائيليّ، ولم يتمّ حتّى تاريخه إصلاح أو بناء جدار واحد في المدينة المدمّرة. المستجدّ الوحيد الذي سيتمّ بناؤه عبر شركة تابعة لجاريد كوشنر هو مبنى مجلس السلام. ولم نسمع كلمة واحدة رسميّة أو ضغطاً حقيقيّاً من الرئيس. على العكس سمح بيبي نتنياهو للمستوطنين بالاستمرار في الأعمال الإجراميّة ضدّ المدنيّين العزّل في الضفّة، تحت حماية جيش الاحتلال.
أمّا في إيران، فالبعض يعتبرها الخطأ الأكبر الذي وقع فيه ترامب بجهله بقواعد وأصول منطقة الشرق الأوسط. وقع ترامب ضحيّة تغرير سياسيّ قام به نتنياهو، فتورّط في حرب لم تحقّق أهدافها، وزادت من نفوذ وعربدة الحرس الثوريّ ووكلائه في المنطقة، وأدّت إلى:
1- رفع سعر الطاقة، ما أدّى إلى تباطؤ الاقتصاد العالميّ هذا العام بما لا يقلّ عن 1.05%، وتدهور مستوى الحياة، وارتفاع أسعار السلع الأساسيّة، وارتفاع التضخّم والبطالة في الولايات المتّحدة والعالم.
2- سيطرة إيران على مضيق هرمز، والحوثيّين على باب المندب.
3- قضم إسرائيل أراضٍ في سوريا ولبنان وغزّة والضفّة.
4- تعرّض دول الخليج العربيّ، لأوّل مرّة في تاريخها المعاصر، لهجوم وتهديد عسكريّ على مطاراتها ومنشآتها الاستراتيجيّة ومواطنيها المدنيّين.
في الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، تمّت التضحية بنظام فولوديمير زيلينسكي حينما أعلن ترامب رفع العقوبات على بيع روسيا الغاز والنفط في الأسواق العالميّة، بحجّة أنّ ذلك سوف يخفض أسعار الطاقة العالميّة.
يقول البروفيسور جون ميرشايمر، وهو أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة شيكاغو، في محاضرة قيّمة ألقاها في سويسرا منذ أيّام: “ما يقوم به ترامب هو هذيان وضياع سياسيّ، وأكبر خطأ استراتيجيّ ارتكبه رئيس أميركيّ في القرن الأخير”. أضاف: “أميركا خسرت حرباً كان مقدّراً لها أن تخسرها، وإيران الآن في مركز عجلة القيادة”.
ترامب يخطئ في واشنطن، ونحن ندفع الثمن في الشرق الأوسط!
