أظهر لبنان الرسميّ اهتماماً خاصّاً بالقرار الذي اتّخذه في 12 تشرين الأوّل وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ، وقضى بإرسال بعثة أوروبيّة منوط بها تدريب الأسلاك العسكريّة والأمنيّة اللبنانيّة وتقديم الخبرة والمشورة لها. فُسِّر إيفادها على أنّه تعويض معنويّ لعجز أوروبا عن إيجاد حلّ لملء الشغور الأمنيّ المتوقّع في الجنوب نهاية السنة، وفُسِّر كذلك على أنّه رسالة تطمين للبنان على أنّه شريك موثوق به في المراحل الصعبة التي يمرّ فيها.
ليست لمهمّة البعثة الأوروبيّة سابقة في لبنان الذي اعتاد أنماطاً مختلفة من التعاون الأمنيّ والعسكريّ مع المجتمع الدوليّ، تارةً بإرسال قوّات أميركيّة كما في عام 1958، وطوراً قوّات متعدّدة الجنسيّة كما في عام 1982، ومرّةً مراقبين فرنسيّين لمراقبة وقف النار عند خطوط التماسّ كما في عام 1984 لوقت لم يطُل قبل سحبهم. ذروة هذه الأنماط وأطولها عمراً هي القوّة الدوليّة عام 1978 وتعزيزها عام 2006، قبل الوصول أخيراً إلى إنهاء دورها وسحبها نهائيّاً من جنوب لبنان بدءاً من 31 كانون الأوّل المقبل.
القاسم المشترك للمهمّات تلك دعم الشرعيّة الدستوريّة اللبنانيّة ومساعدتها على بسط سيادتها عبر الجيش. أتى المراقبون الفرنسيّون بقبعات بيض عام 1984 كي يعوّضوا مغادرة القوّات المتعدّدة الجنسيّة، من غير أن يضطلعوا بمهمّاتها. السابقة تُستعاد الآن بطريقة مشابهة قليلاً. يتقاطع دور البعثة الأوروبيّة الجديدة مع توقيت بالغ الحساسيّة هو مغادرة رجال القبّعات الزرق جنوب لبنان، من غير أدنى ترابط بينهما خلافاً لما حدث عام 1984. لا استبدال ولا تعويض ولا انتقال الوظيفة من فريق إلى آخر.
تركيز أوروبيّ على إيران والمضائق
مع ذلك، لم يسَع السلطات الرسميّة سوى الترحيب بالاهتمام الأوروبيّ الجديد، وإن مع تحميله بعض المبالغة. على الأقلّ بالنسبة إلى معلومات مستقاة من سفارات أوروبيّة في بيروت:
1 ـ لم يعْدُ لبنان بنداً في اجتماع وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ. لم تحظَ مشكلته بمناقشاتهم ما خلا اكتفاءهم بما هو مدرج عنه في جدول الأعمال فقط: التصويت على إيفاد بعثة أوروبيّة إلى هذا البلد لتقديم المشورة والخبرة الأمنيّة.
2 ـ غلب على مناقشات اجتماع 12 تشرين الأوّل بندان رئيسان هما إيران والمضائق البحريّة، عبر تناول سلاسل الإمداد المعوَّل عليها لضمان انتقال مصادر الطاقة بين دول العالم والتجارة الدوليّة. بعد إغلاق هرمز ونشوء معضلة باب المندب والحرب الدائرة في محيطهما، ارتفعت أسعار الطاقة في أوروبا إلى معدّلات خطرة.
صعد سعر ليتر البنزين من 1.8 إلى 2.5 دولار، ما تسبّب بأزمة تضخّم بدأت دول الاتّحاد تعانيها وتترك تداعياتها على الوضع الداخليّ، وبينها سبع دول على الأقلّ، منها مؤثّرة كإيطاليا وبولندا واليونان، على أبواب انتخابات تشريعيّة السنة المقبلة. إحداها إسبانيا قرّرت أن تبكّر في إجرائها في 29 تشرين الثاني المقبل، ناهيك بانتخابات رئاسيّة فرنسيّة ربيع 2027. وتبعاً للاستطلاعات المجراة فيها استباقاً لذاك الاستحقاق، فإنّ مؤشّراته تتحدّث عن صعود اليمين المتطرّف الذي يحاول استغلال الانكماش الاقتصاديّ، ناهيك بدوافعه المعتادة المرتبطة بالهجرة غير الشرعيّة، للإمساك بالسلطة.
ـ يولي وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ اهتمامهم للقمّة التي كان يفترض أن تعقد في الرياض مع دول مجلس التعاون الخليجيّ في 24 تشرين الأوّل قبل أن يتمّ تأجيلها، حيث تتصدّر حرّية الملاحة البحريّة الهموم المشتركة أوروبيّاً ـ خليجيّاً، وإيجاد حلّ لمشكلة تتفاقم وتنذر، من خلال ما يحدث في هرمز وباب المندب، بفرض أمر واقع غير مسبوق يضع المياه الدوليّة، لا المياه الإقليميّة، تحت سيطرة الدولة المشاطئة لها، وإرغام حركة العبور على دفع رسوم ملزمة غير مشرَّعة في القوانين الدوليّة. ما يحدث في هرمز وباب المندب من شأنه تبرير ما قد يحدث في أحد أهمّ المضائق وأنشطها في شرق آسيا، وهو مضيق ملقا.
استقرار لبنان أولويّة
4 ـ ينظر الاتّحاد الأوروبيّ باهتمام إلى استقرار لبنان والمحافظة على دور فيه يمكّنه من التأثير من خلاله في دول الشرق الأوسط. ما يقرّ به الأوروبيّون أنّ الحرب مع إيران تجاوزت قدراتهم في التأثير فيها، والمشكلة الفلسطينيّة بلا حلّ. يقودهم ذلك إلى لبنان، البوّابة الوحيدة إلى الشرق الأوسط. الحجّة أنّ استقراره على صلة وثيقة باستقرار أوروبا بمقدار ما ينشئ أيّ اضطراب فيه أسباباً لوصول هذا الاضطراب إلى بلدانهم. من ذلك ما يتحدّث عنه الأوروبيّون أنفسهم عن النزوح غير الشرعيّ إلى شواطئهم، وأحد أدلّته اللجوء السوريّ قبل سنوات، أو تهريب أسلحة، بينما تكاد لا تفصل لبنان عن دول الاتّحاد مئة كيلومتر هي المسافة بينه وبين قبرص، مدخل القارّة.
مهمّة من شقّين
5 ـ المعلوم عن البعثة الأوروبيّة أنّ مهمّتها من شقّين: الأوّل أقرب ما يكون مدنيّاً، وهو مساعدة قوى الأمن الداخليّ على أداء مهمّاتها في الداخل بغية إعفاء الجيش منها بعد تدريبها وتقديم المشورة لها، والثاني عسكريّ، وهو تولّي الجيش مراقبة الحدود البحريّة لمنع تهريب السلاح إلى الداخل اللبنانيّ تبعاً للمهمّة التي ناطها القرار 1701 بقوّات ألمانيّة، ناهيك بمراقبة الحدود البرّيّة مع سوريا المنوطة بدورها بخبراء بريطانيّين.
المعلومات الأوروبيّة تتحدّث عن مئات من المدنيّين والعسكريّين سينخرطون في البعثة الأوروبيّة المقصورة على شمال نهر الليطاني، دونما أيّ انتقال إلى جنوبه. مهمّتهم سلميّة غير قتاليّة، لا تضعهم في مواجهة أيّ فريق محلّي على نحو ما خبرته القوّة الدوليّة في الجنوب، وعلاقتهم تقتصر على السلطات الرسميّة وأسلاكها العسكريّة والأمنيّة.
ما بعد “اليونيفيل”
6 ـ يقرّ الأوروبيّون، كما لبنان من قبلهم، بعجزهم عن إيجاد أيّ حلّ لمرحلة ما بعد مغادرة القوّة الدوليّة في الجنوب عبر الأمم المتّحدة في نهاية السنة. مغزى اعترافهم أن لا مرجعيّة لأمن الجنوب من الآن وصاعداً، وتحديداً منذ 26 حزيران المنصرم، سوى الولايات المتّحدة عبر رعايتها الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ.
ما إن تمّ تجاوز اتّفاق الهدنة والقرار 1701 حتّى ألغى للفور كلّ مفاعيل دور الأمم المتّحدة في لبنان على مرّ عقود طويلة، وأحال جنوب لبنان أمام مرجعيّة واحدة هي اتّفاق الإطار الذي يربط أمن الجنوب واستقراره به، ولا يملك حقّ تأويله وتفسيره سوى الولايات المتّحدة وإسرائيل: الأولى قطعت في مجلس الأمن الطريق على تجديد انتداب القوّة الدوليّة واستمرار تنفيذ القرار 1701 عبر التلويح بإصبع الفيتو، والثانية ترفض أيّ وجود عسكريّ أوروبيّ بديلاً من قوّات الأمم المتّحدة. على أنّ مؤدّى ذلك بقاء جنوب لبنان بدءاً من 31 كانون الأوّل في فراغ دائم، وفي الوقت نفسه تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيليّ.
