..سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
أنهيتُ رياضة المشي، ثم تمهلتُ بمحاذاة السور، و توقفت. فانحنت اغصان شجرة السرو قليلاً ثم مدّت اذرعاً نحوي، وتهيبت المشهد.
و بالرغم من أنني شعرت ان كل ما اجتهدت به هو إكراماً لي، ولتخلص من لساني المُسلّط.
حافظتُ على وضعيتي أمامها ولم اقترب منها أكثر، بل صرتُ باردة. حلفت لي بالشمس وبالسماء والغيوم أنها لم تجبر أي مخروط على السقوط. ولم يكن لها يد في تناثر أي عود صغير خلف الريح، لكنني لم أصدقها، و لن استطيع تصديقها ابداً، فمنذ صار الكذب على الأرض كمعجون، انعجن السوريون بالكذب، وصرنا كقطع المعجون، و صار أغلى ما نملكه وهو قلوبنا، عرضة للعجن أيضاً، و منذ تطاولت أذرع الفساد في سوريا كان عليها أن تقطع اذرعها المتطاولة والضعيفة و المقروفة، وكان على كل راعي أمين أن يفكر بعصا موسى، او يصبح حطاباً، ومنذ بدأت الطائفية بالتغلغل كان على جميع الحطابين أن يحملوا فؤوسهم ويقلعوا جميع الأشجار اليابسة من جذورها، ومنذ صارت سوريا مراعٍ للحرام، كان على كل كاتب شريف مهما كان فقيراً أو مهمشاً أو مستعبداً أن يقول لا في الوقت المناسب ابتعدتُ عن شجرة السرو، واكملت طريقي نحو المنزل فابتعدت / لاسي / عن جرائِها، ثم تَعَربَشَت غلى السور، وركضت نحوي، و هي تنبح بصوت جهورِيّ:
” اهلاً بكِ اهلاً اهلاً اهلاً ” قرفصتُ إلى جانبها، ثم حدّقت للحظاتٍ طويلة بشجرة السرو، و شَرَدّتُ بالداخل السوري المُكَبّل بالخذلان، والانقسام، و بالشعب الذي انقصف عُمرهُ ببواريد النفاق، ثم بمحاولة بعض الجهات الفاسدة، والمتعصّبة تبرير افعالها، لكسب تعاطف الشعب الذي لم يعُد ينطلي عليه الخداع بسهولة.
فإن كان لسوريا اليوم أيّ وعد جديد مع الحياة هل لديها ما يكفي من الشعب الذي فَضّل مسافة الأمان على الاندماج في منظومات بات يراها مشوهة؟!
هل لديها ما يكفي من الصادقين لاستئصال الفكر الطائفي من جذوره قبل أن يأكل الأخضر، واليابس؟! إن الخلاص السوري بعيدُ المنال، و محجوب وراء جدارٍ سميكٍ من التعقيدات، والأزمات التي يَصعُب اختراقها في الوقت الراهن، و لا شك بأن مراقبة ما تسفر عليه مناوشات أمريكا، وإيران، واسرائيل، والعرب الأشاوس كل يوم او كل أسبوع، لا يشبه إلا مراقبة خصوم الأمس أمام خصوم الغد، و لكن بما أنّ الشعب السوري تغلب على الانتظار، سيغدو هذا الوقت نافعاً لمعظم السوريين السياسيين والمعرفيين حتى يدركوا جميعاً بأن سوريا ستبقى على مفترق طرق، حتى يأتيها الإنقاذ من خلف السور، وعندها لن يُلام الشعب الذي كان يُؤخَذ بحيثيات الأمور سلفاً، بل سيُلام كُل من حمى العفن العمائمي الذي لف عنق سوريا بأوحال الطائفية