منذ نحو أسبوعين تتصاعد الهجمات على المملكة العربيّة السعوديّة من الجزء اليمني الذي يسيطر عليه الحوثيون. وهي هجماتٌ لا مبرّر لها ولن يتوقّف خطرها إلّا بكسر السلاح الإجراميّ ووضع حدّ للمسلّحين الحوثيين. ومنذ أكثر من عشر سنوات تحتلّ الميليشيا الحوثيّة المتأيرنة أجزاء واسعة من اليمن، فيما تشنّ غاراتها على المملكة منذ العام 2009 لتتّخذ هذه الغارات منحى أكثر خطورة باستهدافها المطارات السعوديّة والبنى التحتيّة للطاقة.
في مواجهة هذا التصعيد، بادرت مصر إلى إعلان تضامنها ومؤازرتها، فيما أكّدت الإمارات استعدادها لدعم الحكومة اليمنيّة الشرعية. والمطلوب اليوم أن تبادر كلّ دولة عربيّة إلى تقديم ما تستطيع من دعم ومساندة، دفاعاً عن أمن المنطقة واستقرارها، ومنعاً لتحوّل الخصومة مع طهران إلى عداوة أبديّة.
باب المندب في حسابات طهران
استأذن الرئيس عبد الفتّاح السيسي البرلمان المصريّ في النهوض للتضامن مع المملكة في ردّ هجمات الحوثيّين أتباع إيران الذين يعملون عسكريّاً للاستيلاء على باب المندب وعلى تعز، بالتزامن مع العدوان المستمرّ على المطارات المدنيّة ومرافق الطاقة في السعودية وفي جنوب اليمن.
منذ العام 2014 هناك القرار الأُمميّ رقم 2216 بتأييد الحكومة الشرعيّة اليمنيّة وردع الحوثيّين وإنهاء انقلابهم. ومنذ ذلك الحين يقاوم التحالف العربيّ العدوان الحوثيّ والعدوان الإيرانيّ. وفي العام 2018 في استوكهولم تمّ الاتّفاق على تسليم ميناء الحديدة للجهات الدوليّة لإدارته، لكنّ الحوثيّين نقضوه.
ظلّت المملكة تسعى من خلال وساطة عُمان للهدنة في اليمن إلى أن استقرّ الأمر بعض الشيء عام 2022 مع استمرار تحشيد الحوثيّين وهجماتهم. فلمّا نشبت الحروب بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 وهاجمت أميركا وإسرائيل إيران، ردّت جمهوريّة ولاية الفقيه بالهجوم على سائر دول الخليج والأردن لعدّة أسابيع. ولمّا اشتدّ الحصار عليها أخيراً بعد إغلاق مضيق هرمز، أطلقت إيران الحوثيّين من جديد للاستيلاء على باب المندب والمخا وتشديد الحصار على تعز، وإرفاق ذلك بهجمات لا تنتهي على المملكة.
الحوثيّون وأذرع المشروع الإيرانيّ
يستولي الحوثيّون، وهم ميليشيا طائفيّة صنعها الإيرانيّون كما صنعوا “الحزب” في لبنان والميليشيات العراقيّة، على أجزاء كبيرة من اليمن، وهم يطمحون للاستيلاء على المزيد كما فعلوا عام 2014. وهم لا يهاجمون السعوديّة الآن لأنّ التحالف الذي ترأسه يساعد الحكومة الشرعيّة باليمن، بل إنّ عدوانهم على المملكة منذ العام 2009 إنّما كان وما يزال من أجل مساعي إيران من خلالهم ومن خلال الميليشيات المتأيرنة الأخرى لكسر كلمة العرب، والسعوديّة رمزٌ لقوّة العرب ومنعتهم والأمل في الحاضر والمستقبل.
لقد كان الأمل من خلال التحالف أن ينتهي الانقلاب الحوثيّ باليمن خلال عام على الأكثر. لكنّ انحياز رئيس اليمن السابق عليّ عبد الله صالح مع الجيش وأسلحته لمصلحة الحوثيّين، ثمّ خلاف اليمنيّين حول الوحدة والانفصال، وأخيراً تدخُّل الدوليّين لمصلحة الحوثيّين لأسباب إنسانيّة، كما زعموا، كلُّ هذه العوامل مع الإمداد الإيرانيّ للميليشيا الذي تعاظم بالخبراء والسلاح (ومنهم خبراء من “الحزب” ومن العراق ومن الحرس الثوريّ) حالت جميعاً دون القضاء على ميليشيا الإجرام والتمذهب، والقتل على الهويّة.
الضرر الهائل من الحوثيّين والإيرانيّين واقعٌ على كلّ دول الخليج، وعلى إمدادات الطاقة، والآن كما في السابق على باب المندب. ومن وراء باب المندب البحر الأحمر وقناة السويس. وقد صارت لهذه العصابات علاقات بـ”ميليشيا الشباب” الصوماليّة، وبتنظيم “القاعدة” في جزيرة العرب.
مصر في مرمى الحوثيّين
ما عاد بوسع العرب، كلّ العرب، غضّ النظر باعتبار أنّ مشكلة اليمن محليّة أو أنّه لا بدّ من قوّات بحريّة كبرى من أميركا وأوروبا لحلّها. وقد قال السعوديّون إنّهم عرضوا في شهر تمّوز الماضي على الحوثيّين التفاوض في عُمان لكنّهم رفضوا. ما عادت لدى إيران بالمنطقة ميليشيا جاهزة للاستخدام غير ميليشيا الحوثيّ. وتصوّروا أنّ الولايات المتّحدة التي تُظهر انزعاجها الشديد من هجماتهم، يخبرنا رئيسها دونالد ترامب أنّه لن يتحرّك قبل الانتخابات النصفيّة، ويطلب من إسرائيل وتركيا التصدّي للهجمات.
لهذه الأسباب كلّها، ينتفي كلّ أمل بالتفاوض مع الميليشيا الحوثيّة ليس لأنّها شرّيرة وحسب، بل لأنّها مثل “الحزب” تتبع إيران ويقودها ضبّاط بالحرس الثوريّ، وإيران محتاجة إليها الآن وسط الضيق الذي تعانيه.
الضرر واقعٌ على الجميع: السعوديّة وكلّ دول الخليج واليمن والممرّات البحريّة. والأشدّ إصابةً بالضرر بعد اليمن والمملكة هي مصر التي يسدُّ عليها الإيرانيّون من خلال الميليشيات الحوثيّة المنافذ البحريّة، ويوقعون بها كارثةً اقتصاديّة وأمنيّة.
وحدة العرب قبل فوات الأوان
لأنّ كلَّ العالم متضرّر من التعرّض للبنى التحتيّة للطاقة، وللممرّات البحريّة الدوليّة، لذلك فإنّ مبادرة مصر للتشارك مع المملكة هي مبادرةٌ محمودةٌ وضروريّةٌ لأمنها ومصالحها وأمن العرب ومصالحهم، بل ومصالح العالم.
لقد أعلنت مصر ذلك وباشرت به. وأعلنت دولة الإمارات إرادتها مساعدة الحكومة اليمنيّة الشرعيّة. والأمل أن يسارع العرب الآخرون، وكلٌ بحسب قدراته للانضمام إلى معركة المصير هذه اليوم قبل الغد.
ظلّت إيران تمارس العدوان بالواسطة ومباشرةً حتّى صارت لدى كلّ العرب عدوّاً أوّل إن لم ندفع أخطارها عنّا فتوشك أن تصبح عدوّاً تاريخيّاً مشكلاته طويلة وبعيدة المدى. وإن لم ينقمع التهديد الإيرانيّ اليوم فلن ينقمع غداً.
لقد ظلّت المذبحة بسوريا اثني عشر عاماً وأكثر. لكنّ نخبةً من الشعب السوريّ حسمتها. والأمل أن يتوحّد اليمنيّون في مواجهة البغي الحوثيّ وأن يساعدهم أشقاؤهم الخليجيّون والعرب في تحرير بلادهم من هذا التمساح المخيف.
