أكثرُ ما يُؤلم في بعض الكتاباتِ العربية عن اليمن ليس اختلافَ الرأي معها بشأن ما يجري فيه، بل اختزال بلدٍ عريق وشعبٍ كامل في ميليشيا مسلحة فرضت نفسَها بالقوة. فكيف يُقدَّم الحوثي، الذي استولى على صنعاءَ ومؤسسات الدولة بالسلاح، كأنَّه اليمن واليمنيون؟! وكيف تتحوَّل ميليشيا لم تصل إلى الحكمِ بانتخابٍ ولا بتوافقٍ وطنيّ إلى ممثّلٍ لشعبٍ لم يتوقف عن مقاومتِها في كلّ محافظة ومدينة وقرية؟!
الحوثي ليس اليمن. اليمنُ شعبٌ واسعٌ ومتعدد؛ فيه القبائلُ والأحزاب، واليمينُ واليسار، والوطنيونَ والقوميونَ، والمدنيونَ والعسكريون، والشماليونَ والجنوبيون، والزيديونَ والشافعيونَ والإسماعيليون، وسائرُ مكوناتِه الاجتماعية والسياسية. وهو شعب دفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن دولته وجمهوريته وحقّه في أن يكون المواطنون فيه متساوين أمام القانون.
من المفارقات أن يتحدَّث البعض عن «حصار الحوثي» وكأنَّه حصارٌ لليمن، ويتجاهل ما فعله الحوثي باليمنيين في مدنهم في الداخل. تعز وحدها عاشت حصارين؛ أولهما منذ عام 2015؛ إذ أُغلقت طرقها، وعُرقلت عنها الأدوية والأكسجين ومستلزمات المستشفيات والغذاء والماء والوقود والكهرباء، وقُصفت أحياؤها وسكانها. واليوم تتعرَّض المدينةُ للاعتداء والحصار مرةً أخرى، كأنَّ الحوثي لم يتعلَّم أن تعز لا تستسلم، وأنَّ أهلَها لا يقبلون أن تتحوَّل مدينتُهم إلى رهينة لمشروعه.
ودفع المدنيون في مأربَ وتعز والحديدة ولحج وعدن والبيضاء وشبوة والجوف وغيرها ثمنَ الصواريخ والقذائف والألغام، من نساء وأطفال ونازحين ومدنيين لا علاقة لهم بأي معركة. ولا يمكن أن تصبحَ بضعة صواريخ تطلق خارجَ اليمن نحو العدوّ الصهيوني صكَّ براءةٍ من الجرائم التي ارتُكبت في اليمن. القضيةُ الفلسطينيةُ قضيةُ العرب جميعاً، ولا يملك الحوثي ولا غيره حقَّ احتكارها أو استخدامها ستاراً لمشروعه. وأي موقف ضد إسرائيلَ لا يمنح ميليشيا حقَّ قصف المدن اليمنية، أو تجنيد الأطفال، أو زرع الألغام، أو مصادرة الدولة، أو إخضاع الناس بالقوة. ولا يجعل من قتل اليمنيين أو حصارهم عملاً وطنياً أو مقاومة. فالمقاومة لا تكون بقهر الشعب، ولا بتحويل معاناة اليمنيين إلى ورقة دعائية، ولا باستخدام أساليب الاحتلال ذاتها ضد الشعب اليمني.
في المناطق التي يسيطر عليها الحوثي، لا توجد دولة حقوق وقانون، بل سلطة سلاح بلا دستور ولا انتخابات ولا مؤسسات مستقلة. تُصادر الحريات، ويُعتقل السياسيون والصحافيون والناشطون، ويُحرم الموظفون من رواتبهم، وتُفرض الجباياتُ على الناس في لقمة عيشهم. هُدمت بيوتٌ، واعتُدي على مساجدَ وممتلكات، وشُرِّد ملايينُ اليمنيين في الداخل والخارج نتيجةَ الحرب التي أشعلها والانتهاكات التي مارسها.
إنَّه مشروعٌ يصنع الفقرَ والجهل والتخلف، ويقف ضدَّ كلّ ما يصنع الحياة: التعليم، والاقتصاد، والحرية، والمدينة، والدولة. لم يبنِ مصنعاً ولا مؤسسة وطنية ولا اقتصاداً يحمي الناس، لكنَّه يدّعي تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة. والحقيقة أنَّ ما يملكه من أسلحة متقدمة يرتبط بتقنياتٍ وخبرات خارجية، وفي مقدّمتها الخبراتُ والتقنياتُ الإيرانية، تُستخدم لخدمةِ مشروع إيران، وتهديدِ الشعب اليمني ودول الخليج، وتعريض سلامة الملاحة الدولية للخطر.
واحتلالُ الحوثي للساحل الغربي و«باب المندب» لم يكن من أجل اليمن ولا دفاعاً عن سيادته، بل كانَ خدمةً مباشرة للمشروع الإيراني في تحويل الممرات المائية العربية إلى أوراق ضغط وابتزاز. «باب المندب» ليس ملكاً لجماعة ولا ساحة للمغامرات؛ إنَّه شريان للتجارة الدولية وأمن المنطقة، وأمنُه مصلحةٌ يمنيةٌ وعربيةٌ ودولية.
الحوثي، في جوهر مشروعِه، لا يرى السياسةَ تنافساً بين مواطنين متساوين، ولا يرى الدولةَ عقداً وطنياً يحكمه الدستور والانتخابات. وليسَ مشروعاً سياسياً يمكن الاتفاق معه، بل هو مشروع عسكري عقائدي يقوم على السلاح، ويستند إلى فكرة تفضيل السّلالة على المواطنة. وحين تُستبدل المواطنة بدرجات النسب، ويُفرَّق بين الناس في بعض أدبيات هذا المشروع بأوصاف مثل «القناديل» و«الزنابيل»، فنحن لسنا أمام خلاف سياسي عادي، بل أمام منطق عنصري يناقض الجمهورية ومعنى اليمن الحديث.
وهذه اللغةُ تكشف جوهرَ الفكرة التي يستخدمها الحوثي لتبرير امتيازه واحتكاره للسلطة. فعبد الملك الحوثي لا يقبل أن يكونَ مواطناً ينافس غيرَه، بل يتحدَّثُ ويتصرَّفُ بوصفه صاحبَ حقٍّ إلهيّ مزعومٍ في الحكم، وهو ما يرفضُه اليمنيون بكلّ فئاتِهم وطوائفهم وأحزابِهم وقبائلهم.
السعوديةُ تقف اليومَ مع الجمهوريةِ اليمنية والشرعية المعترفِ بها دولياً، وتدعم استعادةَ الدولةِ التي انقلب عليها الحوثي. ومساندةُ مصر أو أي دولةٍ عربيةٍ للسعودية في مواجهة الحوثي ليست مساندةً ضد اليمنيين، كما يزعمُ البعض؛ لأنَّ اليمنيين، بحكومتهم الشرعيةِ وأحزابهم وقواهم الوطنية، هم الذين يدعمونَ التحالفَ العربيَّ بقيادة المملكة العربية السعودية في مواجهة الانقلاب واستعادةِ الدولة.
إنَّ السعوديةَ تتعرَّض لاعتداءات الحوثي؛ لأنَّها تقف إلى جانب الشعب اليمني وشرعيته، لا لأنَّها تعادي اليمن. ومن العجيب أن يُنظر إلى الاعتداء على مدن المملكة ومطاراتها ومنشآتها المدنية وكأنَّه تفصيلٌ يمكن تجاوزه؛ فقط لأنَّ بعض الناس ينظرون إلى دول الخليج بعين مسبقة، لا تراها دولاً عربية لها شعوبها وسيادتها وحقها في الأمن.
ويستحق موقفُ مصرَ، بقيادةِ الرئيس عبد الفتاح السيسي، كلَّ التقدير. فقرارُها دعم السعودية يؤكد أنَّ أمنَ المملكة من أمن مصرَ والأمن القومي العربي، وأنَّ القاهرةَ والرياض، حين تتوحدان في مواجهة التهديدات، تحميان اليمنَ والمنطقة ومصالح الأمة العربية.
وفي المقابل، فإنَّ التعاطفَ مع خطاب إيران المعادي لإسرائيلَ لا يبرر الصمتَ عن مشروعها الإقليمي القائم على بناء الميليشيات خارج الدولة، وتمزيق الدولِ الوطنية، وإضعاف الجيوش والمؤسسات. لقد دفع السوريون واللبنانيون والعراقيون واليمنيون أثماناً فادحةً حين قُدمت الميليشيات بوصفها «مقاومة»، ثم تحوَّلت إلى سلطاتٍ فوق أوطانها وشعوبها.
من يريد أن ينصفَ اليمنَ، عليه أولاً ألا يخلط بين اليمن والحوثي. اليمنيون ليسوا تابعينَ لمشروعٍ إيراني، ولا وقوداً لصراع إقليمي، ولا جماعة يمكن تجاوز إرادتهم باسم فلسطين أو «الممانعة» أو أي شعار آخر. إنَّهم شعبٌ ثار على «الإمامة»، ويقاوم عودتها، ويريد دولة واحدة، وجيشاً واحداً، وسلاحاً واحداً، ودستوراً واحداً. والوقوفُ مع اليمن الحقيقي يبدأ من هذه الحقيقة البسيطة: لا مقاومة حقيقية من دون حرية، ولا فلسطين تتحرَّر بقهر اليمنيين، ولا عروبة تُصان عبر هدم الدول العربية وتسليمها للميليشيات.
