ملخص
بحسب وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات سابقاً روبيرت غيتس، فإنه “لم يحدث من قبل أن واجهت أميركا 4 قوى متحالفة معادية لها”، لكن ترمب يوحي أن التعامل معها أسهل من التعامل مع الأصدقاء والحلفاء.
لا شيء كالعادة في الحرب والتفاوض بين أميركا وإیران. حتى مضيق هرمز يبدو كأنه لغز، لا أحد يعرف إن كان مغلقاً كما يقول الحرس الثوري أو مفتوحاً كما يعلن “البنتاغون”. لا نظام يشبه ولاية الفقيه. ولا رجل يجلس في المكتب البيضاوي الذي يوصف بأنه أقوى مكتب في العالم يكون طموحه مثل الرئيس دونالد ترمب أن يحكم أميرکا ومعها العالم كما يحكم الرئيس فلاديمير بوتين روسيا، والرئيس شي جينبينغ الصين، والمرشد الأعلى لإيران، وكيم جونغ أون كوريا الشمالية، والرئيس رجب طيب أردوغان تركيا. وهو يتصرف كأنه استعاد من الرؤساء الديمقراطيين الرخوين ما سماها المؤرخ آرثر شليزنجر “الرئاسة الإمبراطورية”، لكن مشكلة ترمب في أميركا أن النظام قائم على “الضبط والتوازن” كما صاغ دستوره الآباء المؤسسون الذين رفعوا شعار “لا ملك في أمیرکا” على طريقة بريطانيا في الماضي. ومشكلته خارج النظام أنه يدير حرب أوكرانيا بطريقة لم يمارسها أي رئيس أميركي أو غیر أميركي: کل شيء ليلاً نهاراً وراء الميكروفونات وأمام الكاميرات، وكل ساعة تصريح مختلف.
بوتين مثلاً بدأ مهاجمة أوكرانيا في فبراير (شباط) عام 2022 ولا يزال، مع اقتراب الحرب من عامها الخامس، عاجزاً عن تحقيق كل أهدافه ومصراً على الاستمرار فيها. يتحدث عن مفاوضات وتسوية ويرسل أحياناً وفد تفاوض إلى تركيا ويصل إلى تفاهمات مع ترمب، لكنه لا يوقف القتال. كل شيء تحت النار. وأميركا في حرب كوريا وحرب فيتنام وحرب أفغانستان، كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية بمشاركة الإمبراطوريات الأوروبية القديمة، لم تتوقف عن القتال حتى التوصل إلى النهاية: النصر أو الهزيمة. أما حرب ترمب، فإنها بالسلاح والبورصة. ساعة قتال وساعة هدنة. عين على مجريات المعارك وعين على أسعار النفط والغاز. مراوحة بين وقف الهجمات والتهديد بـ”أم القنابل”. واستعداد لدمج الاقتصاد الإيراني في الاقتصاد العالمي ثم حصار خانق وتلويح بإزالة إيران من على الخريطة. “مذكرة تفاهم” مع طهران بوساطة باكستان، لا للتفاهم والتنفيذ، بل لما سمته واشنطن “تخفيف الأعباء والالتزامات الأمنية وخفض أسعار الطاقة”. وتنقل بين التفاوض المباشر وغير المباشر، وسط أخطار استنزاف باهظ في مرحلة لا حرب ولا سلم.
وما ظهر في الحرب كانت مقدماته قبلها.
سوزان مالوني نائبة رئيس “بروكنفز” رأت أن “التردد في المشاركة الأميركية أعطى فرصة للاعب شرق أوسطي هو إيران التي أعطاها المستنقع الإقليمي فرصة لاختراق إستراتيجي أضعف خصومها”. والبروفيسور مارك لينش الذي لاحظ أن كل رئيس منذ كلينتون أعلن الرغبة في خفض التورط الأميركي في الشرق الأوسط وجد نفسه يعود ثانية إلى السياسات ذاتها والحروب ذاتها، ذهب إلى حد القول إنه “إذا كانت حرب غزة تركت مستقبل قيادة أميركا الإقليمية في الشك، فإن حرب إیران أكدت نهاية الشرق الأوسط الأميركي”. وهذا بالطبع عكس ما يراه ترمب، وهو نهاية النفوذ الإيراني وصعود شرق أوسط أميركي في سلام “إبراهيمي” مع إسرائيل.
والسؤال هو: لماذا بدأ ترمب بمشاركة نتنياهو حرب إيران إذا لم يكن قراره الذهاب فيها إلى النهاية؟ هل عمل ضمن خطة لضمان استسلام طهران وتوقيع صفقة أم كان الارتجال هو السيد والخضوع للضغوط الداخلية في “وول ستريت” هو المؤثر؟ الواضح أن ترمب خالف أساس قوة أمیرکا منذ الحرب العالمية الثانية وهو التحالفات والشراكات، فذهب إلى حرب بلا شركاء على عكس الرئيس جورج بوش الأب في حرب “عاصفة الصحراء”، ثم بدأ يلوم الشركاء ويقول إنه ليس في حاجة إلى الحلفاء الأوروبيين، مع أن لأميرکا 30 قاعدة عسكرية في أوروبا. وحين تخوف من خسارة الانتخابات النصفية للكونغرس بسبب ارتفاع أسعار الديزل، عقد صفقة مع بوتين لتزويد أميركا وأوروبا بملايين الأطنان من الديزل، بحيث نسف العقوبات المفروضة على موسكو وبينها امتناع أوروبا عن شراء النفط والغاز الروسيين ورمي زيلينسكي وأوكرانيا تحت الطريق. والمفارقة أن روسيا هي المحرض الأساس لقيام ما يسمى في واشنطن “محور الاضطراب” المشكل من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. وبحسب وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات سابقاً روبيرت غيتس، فإنه “لم يحدث من قبل أن واجهت أميركا أربع قوى متحالفة معادية لها”، لكن ترمب يوحي أن التعامل معها أسهل من التعامل مع الأصدقاء والحلفاء.
وليس أمراً قليل الدلالات أن يفيد استطلاع “بيو” للرأي في 24 بلداً أوروبياً أن “الأكثرية لا تثق في أن يفعل ترمب الشيء الصحيح تجاه قضايا العالم”. والمثير للدهشة، وسط الدعم المعلن لنتنياهو في الانتخابات والتلويح باستكمال الحرب على إيران، هو اشتراط نائب الرئيس على طهران تقديم التزامات واضحة بالتخلي عن المشروع النووي مقابل الصفقة المقبولة أميركياً. فلا من أجل الملف النووي وحده كانت الحرب. ولا طهران كانت عاجزة عن تطوير البرنامج النووي سراً وسط الالتزامات المعلنة. ولا شيء اسمه نهاية النفوذ الإيراني من دون تقييد البرنامج الصاروخي وإنهاء والأذرع المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري، على افتراض أن تغيير النظام صار خارج الأهداف.
وحسب القائد العام للجيش الإيراني أمير حاتمي، فإن “إيران اليوم أقوى وأميركا أضعف مما كانتا عليه قبل الحرب”. وليس أكبر من مبالغات ترمب سوى مبالغات المسؤولين في إيران. والبعض يتخوف: وسط ألعاب ترمب العسكرية والمالية من خسارة الرئيس للانتخابات والحرب والحلفاء وهيبة أميركا.
