لا يمكن التعامل في سورية، حيث تتراكم أعباء الحرب فوق استحقاقات الانتقال السياسي، مع الثقة بوصفها ترفاً يُؤجَّل إلى ما بعد التعافي؛ فهي شرطٌ لازم لقيامه. لكن ماذا لو لم تكن البلاد تستعيد عافيتها حقاً، بل تتجه نحو اتساع الهوّة بين خطاب السلطة وحياة الناس؟ عندها، يتجاوز السؤال قدرة الدولة على ترميم مؤسّساتها إلى العقلية التي توجّه هذا الانتقال: أيّ مستقبل يُرتجى إذا طُلب من الناس تحمّل كلفة القرارات، من دون أن يملكوا حقّ مساءلة صانعيها؟
وتختلف أزمات سورية في جذورها الظاهرة والعميقة؛ فمنها ما خلّفته سنوات الصراع، ومنها ما تغذّيه الاختلالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، ومنها ما يرتبط بمخاوف الإقصاء وفقدان الأمان والتمثيل والسيادة. لكن تزامنها يضع المرحلة الانتقالية أمام تحدٍّ يتجاوز معالجة كلّ أزمة على حدة: بناء نهج في الحكم يعالج أسبابها المتشابكة، لا يكتفي باحتواء تداعياتها. فالإصلاح لا يُقاس بسرعة التحرّك فحسب، بل بأثر القرارات وفاعلية المساءلة عنها. وهكذا، يصبح التعافي اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من الاستجابات المتفرقة إلى سياسة عامة تحكمها رؤية واضحة ومؤسّسات مسؤولة، وتحوّل إرث الحرب الثقيل مساراً ملموساً نحو دولة أكثر استقراراً.
فعلياً، لا يُقاس التعافي بما تُعلنه السلطات من أهداف، بل بما تُحدثه سياساتها من تغييرٍ في حياة الناس، وبما تمنحهم إياه من أسباب للاعتقاد بأنّ أوضاعهم تتجه نحو الأفضل. وهذا ما شدّدت عليه لجنة ستيغليتز– سن– فيتوسي، حين دعت إلى تجاوز المؤشرات الاقتصادية الإجمالية نحو قياس الرفاه الفعلي وآثار السياسات في حياة الأفراد. وفي سورية، حيث تتشابك الضغوط المالية مع ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الإنتاج والتجارة، هبطت الليرة في 14 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري إلى أدنى مستوى لها منذ يونيو/ حزيران. ولا يفاقم هذا التراجع أعباء المعيشة فحسب، بل يبدّد اليقين أيضاً؛ فحين تتآكل القدرة الشرائية من دون أفق واضح للتحسن، يصبح الصبر عبئاً مفتوحاً لا رهاناً على التعافي. وقبل ذلك بيوم، أعلنت وزارة الطاقة أنّ خللاً في التعامل مع شحنة بنزين مخالفة للمواصفات تسبّب بأضرار لمركبات مواطنين، متعهدة بمحاسبة المسؤولين وتعويض المتضرّرين. وتكشف الواقعتان، على اختلافهما، أنّ الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بقدرة المؤسّسات على حماية الناس، ومعالجة الخلل بمكاشفةٍ صريحة، وضمان عدم التكرار.
الوحدة التي تفرض التماثل لا تؤسس لمواطنة مشتركة، بل تُبقي الانقسام كامناً تحت سلطة واحدة
ولا تنتهي علاقة الدولة بمواطنيها عند حدودها؛ فقد كشف جواز السفر السوري أنّ ثورة السوريين من أجل حياة كريمة لم تُنهِ معركتها بعد. ففي 13 أكتوبر الجاري، وضع تصنيف نشرته منصة “باسبورت ريبورتس” الجواز السوري في المرتبة الأخيرة عربياً وفق معيار حرية السفر. وبينما سبق لوزير الخارجية، أسعد الشيباني، أنْ وعدَ بأن يغدو الجواز السوري أقوى من جواز سنغافورة، ما زال السوريون يصطدمون بأبواب موصدة، لتغدو الوثيقة التي تحمل اسم وطنهم عبئاً يسبقهم عند الحدود بدلاً من أن تكون جسراً إلى فضاء أرحب.
على صعيد موازٍ، تتصل المصداقية أيضاً بكيفية صون الذاكرة الوطنية؛ فقد أثار نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من محيط قلعة دمشق جدلاً عاماً، فيما عزت المحافظة الخطوة إلى أعمال الترميم وإعادة التأهيل. وبصرف النظر عن مبرّرات النقل، ليست الرموز حجارة صامتة، بل جزء من ذاكرة الناس وهويتهم؛ لذا لا يكفي ترميم المكان، بل ينبغي إدارة ما يمسّ رمزيته بشفافية مطلقة، كي لا يشعر الناس بأنّ تاريخهم يُعاد ترتيبه من دونهم؛ فالمدينة لا تستعيد ثقتها بالحاكمين الجدد ما لم يشعر أهلها بأنّ ذاكرتهم الحبيبة تظلّل مستقبلهم المُشتَهى
وتتسع الهوّة بين الوعود والواقع، فيما تظلّ الثقة رهينة قدرة المؤسّسات على الوفاء بالتزاماتها وإثبات جدوى سياساتها. وفي الحسكة، تجلّى هذا التحدي في تظاهراتٍ طالبت بتفعيل أجهزة الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والإداري، بالتزامن مع استمرار الأسئلة المتعلقة بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد وموقع الهيئات المحلية في ترتيبات الاندماج. ولا يكمن التحدي في توحيد البنى المؤسساتية وحده، بل في بناء دولة تتسع للجميع؛ فالوحدة التي تفرض التماثل لا تؤسس لمواطنة مشتركة، بل تُبقي الانقسام كامناً تحت سلطة واحدة.
التعافي ليس أنْ تعود الدولة إلى حياة السوريين فحسب، بل أن يعود السوريون إلى الشعور بأنّ الدولة لهم
وفي الجنوب، تتجلّى انتهاكات السيادة في توغلاتٍ إسرائيلية متكررة في القنيطرة وريف درعا، تقيّد حركة المدنيين وتعرّض أمنهم للخطر، وفق ما وثّقته تقارير حقوقية وميدانية. قد تضيق خيارات دمشق بفعل اختلال ميزان القوة، لكن هذا لا يعفي المؤسسات من توثيق الانتهاكات وإطلاع السكان على المستجدّات بغرض حمايتهم. فبالنسبة إلى مزارع يُحرم من أرضه، ليست السيادة بياناً سياسياً استعراضياً، بل حقّ في الرزق وأمانٌ من خوف يتجدّد كلّ صباح.
وفي الساحل ووسط سورية، تبلغ هشاشة الثقة حدّها الأشد إيلاماً حين يخشى الإنسان أنْ تصبح هويته سبباً لاستهدافه، فالقتل بدوافع طائفية لا يزهق الأرواح فحسب، بل يقوّض ثقة المواطنين بعدالة الدولة وقدرتها على حمايتهم، بصرف النظر عن انتماءاتهم. ولا يبدّد الخوفَ مجرّد الإدانة، بل كشف الوقائع ومحاسبة كلّ من يثبت تورطه. لذلك، لا تكمن أهمية محاكمات أحداث الساحل، التي صدرت نتائجها في 15 أكتوبر الجاري في إدانة المتهمين وحدها، بل في إرساء عدالة تنصف الضحايا، وتحدّد المسؤولية بالدليل، ولا تورّث جماعةً ذنب أفرادها. عندها تصبح المحاسبة طريقاً إلى المصالحة، لا مدخلاً إلى استبداد جديد يعيد سورية مزرعةً يحكمها الأقوى، ويترك الآخرين رهائن الخوف والصمت.
ويضيء مسحٌ أجرته مؤسسة “إيتانا” في تشرين الثاني 2025، وشمل 1515 مشاركاً، جانباً من علاقة السوريين بمؤسسات المرحلة الانتقالية؛ إذ أظهر حينها ثقةً بقيادة المرحلة أعلى من الثقة بالحكومة والبرلمان وشفافية اتخاذ القرار. ولا يجوز إسقاط هذه النتائج على مزاج السوريين اليوم، لكنها تفتح باباً لفهم سؤال لم تفقده المرحلة الانتقالية راهنيّته: متى تتحول الثقة بشخص إلى اطمئنان إلى الدولة، ومتى تبقى الوعود أكبر من قدرة المؤسسات على إثباتها؟
لا تستطيع السلطة الجديدة محو آثار الحرب والانهيار في أشهر، لكن عليها أنْ تثبت أنّ ذهنية الحكم تتغير بالفعل
في ضوء ما تقدّم، لا تكمن المخاطرة في تعثّر الاقتصاد أو تأخر التسوية السياسية فقط، بل أيضاً في تراكم الإخفاقات حتّى يشعر المواطن بأنّ مصيره يُرسم بلا صوت له. وليس كلّ احتجاج دليلاً على فقدان الثقة، فقد يكون النقد علامة حيوية المجتمع وارتفاع توقعاته؛ لكن تجاهل الشكاوى، أو الاكتفاء بتفسيرات لا تتبعها نتائج، قد يحوّل الاستياء إلى اغتراب عن البلاد نفسها.
نافلة القول، لا تستطيع السلطة الجديدة محو آثار الحرب والانهيار في أشهر، لكن عليها أنْ تثبت أنّ ذهنية الحكم تتغير بالفعل. فالتعافي ليس أنْ تعود الدولة إلى حياة السوريين فحسب، بل أن يعود السوريون إلى الشعور بأنّ الدولة لهم. هنا يكمن الفرق بين سلطة تفرض حضورها ودولة تكسب ثقة مواطنيها، بين استقرار يؤجل الأسئلة وتعافٍ يعالج أسبابها، بين بلد يستعيد شكله وآخر يستعيد معناه. ولا يُبنى المستقبل بصبر مفتوح أو بحقوق مؤجّلة، بل حين تصبح الحماية حقاً، والمساءلة قاعدة، والمواطنة أقوى من الخوف والانتماءات الضيقة.
عندها يتجاوز التعافي الأرقام والوعود، ليبلغ جوهره: أنْ يطمئن السوري إلى أنّ دولته لن تنهار تباعاً تحت وطأة الأزمات، وأنه لن يُترك وحيداً تحت أنقاضها.