شهاب من زخة الجباريات عند الفجر – 20 تشرين الأول 2025 (ويكي ميديا)
تشهد سماء سوريا، مساء الأربعاء 21 تشرين الأول، ذروة النشاط السنوي لزخة شهب “الجباريات”، التي ترتبط بمذنب “هالي”، وتتيح للراصدين في المناطق المفتوحة والبعيدة عن أضواء المدن فرصة مشاهدة ما بين 15 و20 شهابًا في الساعة بالعين المجردة، وفق ما أفادت به الجمعية الفلكية السورية.
وقال عضو اللجنة الاستشارية في الجمعية الفلكية السورية، نبيل البيش، إن الزخة الشهابية تمثل ظاهرة فلكية خريفية متكررة، تحدث عندما تعبر الأرض مسارًا من الغبار الكوني الذي خلّفه مذنب “هالي” خلال رحلته حول الشمس.
وأوضح البيش أن المذنب، الذي لن يعود للظهور في سماء الأرض قبل عام 2061، يترك وراءه مواد غبارية تواصل الأرض المرور عبرها بصورة دورية، ما يؤدي إلى تشكّل زخات شهابية في أوقات محددة من العام.
وأشار إلى أن الأرض تعبر هذا المسار الغباري مرتين سنويًا، إذ تنتج عن العبور الأول زخة “إيتا الدلويات” في شهر أيار، فيما تظهر زخة “الجباريات” في تشرين الأول، وتُعدّان من الظواهر المرتبطة مباشرة بمذنب هالي.
كيف تتشكّل الشهب؟
تبدو الشهب للراصدين على الأرض خطوطًا ضوئية سريعة تعبر السماء، لكنها في الواقع تنتج عن دخول حبيبات صغيرة من الغبار الفضائي إلى الغلاف الجوي بسرعات عالية.
وبحسب البيش، لا يتجاوز حجم الحبيبة الواحدة حجم حبة الرمل، فيما يبلغ وزنها أجزاء من الغرام، لكنها تدخل الغلاف الجوي العلوي بسرعة تقارب 66 كيلومترًا في الثانية، نتيجة حركة الأرض في اتجاه معاكس لمسار الغبار المذنبي.
وتؤدي هذه السرعة إلى تسخين الهواء المحيط بالحبيبات وتبخرها بالكامل، ما ينتج الوميض الضوئي الذي يُعرف بالشهاب، وفق المصدر نفسه.
وأوضح أن هذه العملية تحدث على ارتفاعات تتراوح بين 95 و105 كيلومترات فوق سطح الأرض، ما يجعل الظاهرة آمنة ولا تشكّل خطرًا على السكان، إذ تتلاشى الحبيبات قبل وصولها إلى سطح الأرض.
وتتميّز شهب “الجباريات”، بحسب البيش، بألوانها التي تتدرج بين الأصفر والأخضر المزرق، نتيجة احتواء الحبيبات على عناصر مثل المغنيسيوم والحديد، التي تسهم في تشكيل الألوان المرئية أثناء احتراقها في الغلاف الجوي.
وأضاف أن نحو نصف هذه الشهب يترك وراءه ما يُعرف علميًا بالذيول المتأينة المتبقية، وهي خيوط من الغاز المتوهج يمكن أن تظل مرئية لعدة ثوانٍ بعد اختفاء الشهاب، ما يمنح الظاهرة مظهرًا بصريًا مميزًا.
متى يمكن مشاهدة الشهب؟
تتأثر فرص مشاهدة زخة “الجباريات” هذا العام بوجود القمر في طور الأحدب المتزايد، مع نسبة إضاءة تقارب 84%، الأمر الذي يحدّ من إمكانية رؤية الشهب الخافتة، ولا سيما خلال ساعات المساء الأولى.
وأشار البيش إلى أن ظروف الرصد تتحسن تدريجيًا بعد منتصف الليل، وتصبح أكثر ملاءمة عقب غروب القمر خلف الأفق الغربي عند الساعة 02:40 فجرًا، لتستمر فرصة المشاهدة حتى شروق الشمس.
ووفقًا للجمعية الفلكية السورية، يستطيع الراصدون في الأرياف والمناطق المفتوحة، بعيدًا عن مصادر الإضاءة الاصطناعية، مشاهدة ما بين 15 و20 شهابًا في الساعة بالعين المجردة، من دون الحاجة إلى استخدام التلسكوبات أو غيرها من المعدات البصرية.
وتساعد الأماكن المظلمة على تمييز الشهب الخافتة، في حين تقلل أضواء المدن من وضوحها، ما يجعل الابتعاد عن الإنارة المباشرة عاملًا مهمًا لتحسين تجربة الرصد.
وتُعدّ مراقبة الشهب بالعين المجردة خيارًا مناسبًا لمتابعة هذه الظاهرة، إذ لا يحتاج الراصد إلى توجيه معدات نحو نقطة محددة في السماء، بل يمكنه مراقبة مساحة واسعة منها، مع إتاحة الوقت للعين للتكيف مع الظلام.
ارتباط تاريخي بمذنب هالي
تستمد زخة “الجباريات” اسمها من كوكبة الجبار، المعروفة عالميًا باسم “أورايون”، وهي من أشهر المجموعات النجمية التي تظهر في سماء الشتاء، وعرفها العرب القدماء باسم “الجوزاء”.
وتبدو الشهب من منظور الراصد على الأرض وكأنها تنطلق من نقطة تقع شمال نجم “منكب الجوزاء”، وهو نجم عملاق برتقالي اللون ضمن الكوكبة، إلا أن هذا المظهر لا يعني أن الشهب تنشأ فعليًا من ذلك الموضع، بل ينتج عن المنظور البصري لحركة الحبيبات في الغلاف الجوي.
ويمتد النشاط السنوي لزخة “الجباريات” من 2 تشرين الأول حتى 7 تشرين الثاني، وتُصنّف ضمن الزخات الشهابية الرئيسية بسبب انتظام ظهورها وارتباطها بمذنب هالي الدوري.
ويكمل مذنب هالي دورة حول الشمس كل 76 عامًا تقريبًا، وخلال رحلته يخلّف مواد غبارية في مساره، تبقى في الفضاء وتوفر مصدرًا متجددًا للحبيبات التي تنتج الشهب عند عبور الأرض عبرها.
وبذلك، لا يتطلب ظهور شهب “الجباريات” عودة المذنب نفسه إلى السماء، إذ يكفي مرور الأرض عبر المسار الذي خلّفه، لتتكرر الظاهرة سنويًا وتتيح للراصدين فرصة متابعة أحد العروض الفلكية المرتبطة بتاريخ رصد المذنبات في المجموعة الشمسية.