-
مسلم عبد طالاس… الجمهورية .نت
-
-
-
قدّمت الانتخابات الألمانية الأخيرة صورتين سياسيتين مختلفتين. ففي ساكسونيا-أنهالت حصل حزب «AfD» (اليميني المتطرّف) على 43.8 بالمئة من الأصوات في انتخابات أيلول (سبتمبر) 2026، بينما أصبح «Die Linke» (اليساري ‘المتطرف’) القوة الأولى في برلين بعد أسبوعين. لا تعني المقارنة أن الناخبين في الحالتين واجهوا الظروف نفسها أو صوَّتوا للأسباب نفسها، لكنها تطرح سؤالاً أوسَع: لماذا يُمكن للضغوط الاقتصادية والاجتماعية أن تتحوّل إلى مطالب سياسية متباينة؟
يُمكن تناول هذا الموضوع بِدءاً من الحماية. فكل مجتمع يُحدِّد، من خلال مؤسساته وقواعده، مقدار المخاطر والخسائر التي يتركها على الفرد وحده. المرض والشيخوخة والبطالة وضعف الدخل أمثلةٌ واضحةٌ. ولهذا توجد التأمينات الصحية والتقاعد والتأمين ضد البطالة والمساعدات الاجتماعية. لكنَّ الحماية لا تقتصر على الإنفاق والتحويلات؛ فالحدُّ الأدنى للأجور وقواعد العمل، مثلاً، يضعان حدوداً لبعض النتائج التي يُمكن أن تنشأ عن تفاوت القوة داخل سوق العمل. الحمايةُ بهذا المعنى وظيفة دائمة في تنظيم العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، وليست مجرد استجابة للأزمات. الذي يتغيّر هو حجم المخاطر وتوزيعها، والشروط الاقتصادية والديمغرافية التي تعمل في ظلِّها مؤسسات الحماية.
نجحت ألمانيا طوالَ عقودٍ في بناء ترتيبٍ جمعَ اقتصادَ السوق والصناعةَ التصديرية مع نظام واسع للحماية الاجتماعية. وَفَّرت الصناعةُ عاليةُ الإنتاجية والتشغيل، والأسواقُ الخارجية، دخولاً وأرباحاً، ومنها تكوَّنت أيضاً القاعدة التي تَحصلُ الدولة وأنظمة التأمين منها على الضرائب والاشتراكات. وفي المقابل، وَزَّعت التأميناتُ والخدماتُ العامة وقواعد العمل جزءاً من مخاطر السوق والحياة الاجتماعية. وذلك لم يُلغِ الصراعَ حول الأجور والضرائب والإنفاق، لكنه جعلَ اقتصاداً تنافسياً ومستوى مرتفعاً من الحماية قابلين للاجتماع. ومع استمراره لم يَعُد هذا الترتيب مجرد مجموعة سياسات، بل نشأت حوله مؤسسات وحقوق ومصالح وتوقعات. فقد بنى العامل قراراته على نظام معيّن للعمل والتقاعُد، والشركة استثمرت في ظلِّ قواعد محدّدة، والدولة رتَّبت التزاماتها على أساس بنية اقتصادية وسكانية معينة. وهكذا تحوّل نجاحٌ سابق إلى ترتيب مُؤسَّسي مستقر.
لكن هذا النجاح لم ينتج من المؤسسات الداخلية وحدها. فقد عمل الاقتصاد الألماني، وخصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة، في بيئة خارجية مواتية: طاقة روسية منخفضة الكُلفة نسبياً دعمت الصناعة، وأسواق عالمية متَّسعة فتحت مجالاً واسعاً للصادرات، وكانت الصين جزءاً مهماً منها، بينما تحمَّلت الولايات المتحدة قسماً كبيراً من العبء الأمني الغربي. كانت هذه مكاسب حقيقية، لكنها خفَّضت أيضاً كلفة الاستمرار بالنموذج القائم. وهذا ما أَسميته في موضع آخر «التحييد»: عندما تسمح الظروف الخارجية باستمرار الأداء المقبول، يضعف الضغط الذي يدفع المجتمع إلى تحويل معرفته بالمشكلات والبدائل إلى تغيير مؤسسي مبكر. المشكلة الألمانية الحالية تبدأ عندما تتغيّر هذه البيئة. وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات سببية، لأن وضعها جميعاً تحت عنوان «الأزمة الاقتصادية» يُخفي أكثر مما يفسر.
المستوى الأول هو تغيُّر البيئة الخارجية نفسها. فقد أضعفت صدمة الطاقة بعد 2022 شرطاً كان مُلائماً للصناعة الألمانية، واشتدَّت المنافسة الصينية في قطاعات تقع في صميم القوة الصناعية الألمانية. وتشير بيانات البنك المركزي الألماني إلى أن الصادرات الألمانية إلى الصين انخفضت بنحو الخُمس بين (2021 و2025)، بينما قاربَ انخفاضُ صادرات السيارات النصف. والأهم أن التقدُّمَ التنافسي الصيني تَركَّزَ في السيارات والهندسة الميكانيكية والصناعات الكهربائية، أيْ في قطاعات تتميز فيها ألمانيا تقليدياً. كما أضافت السياسات التجارية والصناعية الأميركية ضغوطاً جديدة على الصادرات وقرارات الاستثمار.
هذه صدمات خارجية. أمّا المستوى الثاني فهو قدرة الاقتصاد الألماني الداخلية على الاستجابة لها. هنا تظهر مشكلة مختلفة: ضعف الاستثمار، وبطء نمو الإنتاجية، والحاجة إلى استثماراتٍ كبيرة في التكنولوجيا والرقمنة والطاقة والبنية التحتية. ولذلك لا ينبغي القول إن الصين أو الطاقة سبَّبتا وحدهما الضعف الألماني. لقد جعل تغيُّر البيئة نقاطَ ضعفٍ داخليةً قائمةً أكثر كلفة وأكثر ظهوراً. ويُقدِّر البنك المركزي الألماني نموَّ القدرة الإنتاجية المحتملة بنحو 0.4 بالمئة سنوياً فقط في السنوات المقبلة، بعدما كان يزيد على 1 بالمئة سنوياً في الفترة 1999–2019.
وتُظهِر البيانات الراهنة نتيجةَ هذا التفاعل. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي 0.2 بالمئة فقط في 2025. وانخفض الاستثمار الثابت 0.5 بالمئة، واستثمارات الآلات والمعدات 2.3 بالمئة، كما انخفضت الصادرات 0.3 بالمئة للعام الثالث على التوالي. وتوقَّف تقريباً نموُّ عدد العاملين بعد مسار صاعد طويل.
أمّا المستوى الثالث فهو ديمغرافي، ولا يجوز خلطه بالمستويَين السابقين. فالشيخوخةُ لم تُسبب صدمة الطاقة ولا المنافسة الصينية ولا ضعف الاستثمار، لكنها تُضيف قيداً مستقلاً إلى النموذج. فهي تُقلِّص عدد السكان في سن العمل من جهة، وتزيد أهمية التقاعد والصحة والرعاية من جهة أخرى. ويتوقّع صندوق النقد الدولي انخفاض عدد السكان في سن العمل بنحو 0.7 بالمئة سنوياً بين 2025 و2030، وهو الأسرع بين اقتصادات مجموعة السبع، كما يُقدِّر أن يستقر النمو المحتمل في المدى المتوسط حول 0.7 بالمئة.
هذه العوامل لا تعمل بالطريقة نفسها، لكنها تلتقي في أثرها على الأساس الاقتصادي الذي قام عليه الترتيب الألماني. فتغيُّر شروط الطاقة والمنافسة يضغط على قطاعات صناعية مهمة، وضعف الاستثمار ونمو الإنتاجية يحدُّ من سرعة بناء قدرات إنتاجية جديدة، بينما تُقلِّصُ الشيخوخة نموَّ قوة العمل. والنتيجة ليست مجرد تباطؤ في الناتج، بل تباطؤ في نمو الدخول والتشغيل والقاعدة التي تحصل منها الدولة وأنظمة التأمين على الضرائب والاشتراكات. وهنا تظهر الصلة بالحماية. فنظام الحماية الألماني لم يقم بمعزلٍ عن الاقتصاد، بل استندَ إلى اقتصاد ذي إنتاجية مرتفعة ومستويات عالية من التشغيل والدخل. وبالمقابل، ساهمت مؤسسات الحماية في استقرار اقتصاد السوق اجتماعياً، من خلال توزيع جزء من مخاطر المرض والبطالة والشيخوخة، ووضع حدودٍ لبعض الخسائر التي يتحمَّلها الفرد وحده. كانت العلاقة، بهذا المعنى، متبادلة: القدرة الإنتاجية وفّرت القاعدة الاقتصادية للحماية، والحماية ساهمت في الاستقرار الاجتماعي الذي عمل الاقتصاد في ظلّه.
المشكلة أن الشروط التي سمحت باستمرار هذه العلاقة أصبحت أكثر صعوبة. فالاقتصادُ يحتاج إلى استثمارات كبيرة لتجديد الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، في الوقت الذي تزيد فيه الشيخوخة بعض الالتزامات المتعلقة بالتقاعد والصحة والرعاية. وعندما يكون نمو الإنتاج والدخل ضعيفاً وتتقلص قوة العمل، يصبح الجمع بين تجديد القاعدة الإنتاجية والمحافظة على التزامات الحماية أكثر صعوبة. ليس لأن الحماية تُعيق النمو بالضرورة، ولا لأن الاستثمار يُناقِض الحماية، بل لأن استمرار الاثنين يعتمد على قدرة الاقتصاد على توليد دخل كافٍ لتمويل الاستثمار والاستهلاك والالتزامات العامة والاجتماعية.
بهذا لا تبقى آثار الطاقة والمنافسة والاستثمار والشيخوخة محصورةً في أداء الاقتصاد، بل تصل إلى العلاقة التي قام عليها النموذج الألماني بين القدرة على الإنتاج والقدرة على الحماية. فعندما يتباطأُ نمو الدخل في الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد إلى استثمارات جديدة وتزداد بعض الالتزامات الاجتماعية، يُصبح الحفاظ على هذه العلاقة أكثر صعوبة. عندها تظهر أسئلة لم تكن بالحدِّة نفسها في مرحلة النمو الأقوى: كيف تُوزَّعُ تكاليفُ التحوُّل؟ ومَن يتحمل المخاطر التي تنتج عنه؟ وما الذي ينبغي أن تضمنه الدولة، ولمَن؟ هنا تصبح الحماية موضعَ نزاع سياسي، ليس لأن مبدأ الحماية اختفى، بل لأن شروط تمويلها وتوزيعها وحدودها أصبحت أكثر تَعرُّضاً للخلاف.
وتدخل الهجرة في هذه العلاقة من جهتين مختلفتين، لا بوصفها سبباً مستقلاً يُضاف إلى قائمة أسباب الضعف الاقتصادي. فمن جهة، تجعل الشيخوخةُ وتقلُّصُ عدد السكان في سن العمل زيادةَ قوة العمل مسألةً مهمة للإنتاج وللقاعدة التي تُموِّل الضرائب والاشتراكات، ويُمكن للمهاجرين الذين يدخلون سوق العمل أن يساهموا في ذلك. ومن جهة أخرى، يحتاج جزء من الوافدين، واللاجئين خصوصاً، في المرحلة الأولى إلى السكن واللغة والتعليم والتأهيل والخدمات قبل اكتمال اندماجهم في سوق العمل. ولذلك قد تسبق بعض تكاليف الاندماج بعض منافعه الاقتصادية، كما قد تتركز الأولى في البلديات والمدارس وأسواق السكن، بينما تظهر أجزاء من المنافع لاحقاً وعلى نطاق اقتصادي أوسع.
وهذا الاختلاف في الزمن والمكان مهم لفهم السياسة. فقد يحتاج الاقتصاد الوطني إلى مزيد من العمال، بينما تواجه بلدية معينة في الوقت نفسه ضغطاً على المدارس أو السكن أو الخدمات. ولا يوجد تناقض منطقي بين الأمرين، لأن الكلفة والمنفعة لا تظهران بالضرورة في المكان نفسه أو في الوقت نفسه. ومن هنا تصبح الهجرة جزءاً من النزاع على الحماية: فهي تدخل اقتصادياً من باب قوة العمل والإنتاج، وتدخل اجتماعياً من باب الوصول إلى الخدمات والمؤسسات والحقوق.
لكن وجود هذه الضغوط لا يُحدِّد وحده الاستجابة السياسية لها، وهنا ينبغي الفصل بين مستوى ثالث هو التفسير السياسي وبين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية السابقة. فالناس قد يتفقون على أن السكن أصبح أصعب، أو أن الخدمات تتعرض للضغط، أو أن الحفاظ على التقاعد والرعاية أصبح أكثر كلفة، ثم يختلفون في تحديد السبب والمسؤولية والحل. الاقتصاد يُحدِّد جزءاً من القيود التي تعمل السياسة داخلها، لكنه لا يحدد بنفسه كيف ستُفهَم هذه القيود سياسياً. ومن هنا تظهر شروح سياسية مختلفة للمشكلة نفسها، أو لجوانب مختلفة منها. يستطيع اليسار أن يضع توزيع الدخل والثروة والسكن والخدمات في مركز تفسيره، فيرى أن المشكلة تكمن في توزيع غير عادل للتكاليف وفي عدم كفاية الحماية لبعض الفئات. ويستطيع اليمين الاقتصادي أن يضع الاستثمار والإنتاجية والقدرة التنافسية في المركز، فيرى أن المحافظة على مستوى مرتفع من الحماية تتطلَّب أولاً اقتصاداً أكثرَ قدرة على الإنتاج والنمو. أما اليمين الشعبوي القومي فيُضيف بُعداً مختلفاً: حدود الحماية نفسها. فعندما يربط الضغط على السكن أو المدارس أو الخدمات أو المالية العامة بالهجرة، لا يعود السؤال فقط كم تستطيع الدولة أن تُقدِّم وكيف تُموِّل ما تقدِّمه، بل مَن ينبغي أن تشملهم الحماية ومَن يجب أن تكون له الأولوية. وهكذا ينتقل جزء من النزاع من مقدار الحماية وتوزيع تكلفتها، إلى حدود الجماعة التي تشملها.
وهنا يجب التمييز بين وجود الضغط وتفسير سببه. فنقص السكن، مثلاً، يمكن أن يتأثر بحجم البناء وأسعار الأراضي والتمويل والدخل والطلب السكاني والهجرة بدرجات مختلفة. وكذلك الضغط على المالية العامة أو الخدمات يمكن أن تكون له أسباب متعددة. لذلك، فإن نجاح تفسير سياسي في ربط مشكلة معينة بسبب محدد لا يُثبت بذاته أن ذلك السبب هو العامل الأكبر فيها. ما تفعله السياسة هو المنافسة على تحديد أيِّ الأسباب أهم، ومن يتحمل المسؤولية، وما الحل الذي ينبغي اختياره. عند هذه النقطة فقط يصبح الانتقال إلى التصويت منطقياً. فالناخبُ لا يُصوِّت لمعدل نمو الناتج الاقتصادي أو للشيخوخة أو لعدد المساكن في ذاتها؛ إنه يُصوِّت أيضاً على أساس تفسيره لما يحدث: ما المشكلة، ولماذا حدثت، ومَن يتحمل تكلفتها، ومَن يستطيع معالجتها؟ لذلك لا توجد علاقة آلية بين الضغط الاقتصادي واتجاهٍ سياسي واحد، فالضغطُ نفسه، أو ضغوط متشابهة، يمكن أن تَدخُلَ السياسة عبر تفسيرات مختلفة وتُنتِجَ استجابات انتخابية مختلفة.
ومن هنا تكتسب النتائج الانتخابية الأخيرة دلالتها. ففي برلين أصبح (Die Linke) القوة الأولى في انتخابات سبتمبر 2026، بينما حقّق (AfD) قبل ذلك بأسبوعين تقدماً كبيراَ في ساكسونيا-أنهالت. لا تُثبت المقارنة أن الناخبين في المكانين تعرّضوا للضغوط نفسها، لكنها تُظهِرُ لماذا لا يكفي الانتقال مباشرة من الاقتصاد إلى التصويت، إذ إن بينهما عملية سياسية تُحدِّدُ كيف تُسمَّى المشكلة، وإلى مَن تُنسَب أسبابها، وما الحلُّ الذي يُعرَض لها. وعندما ينجح تفسير معين انتخابياً، فإنه لا يبقى مجرد تفسير، بل يمنح أصحابه قدرة أكبر على تغيير الضرائب والإنفاق وقواعد العمل والهجرة والسكن وغيرها. وهكذا يمكن لتفسير سياسي للضغط أن يتحوّل إلى قوة، ثم إلى قواعد ومؤسسات جديدة.
تكشف هذه العملية لماذا لا يقود الضغط الاقتصادي والاجتماعي بالضرورة إلى اتجاه سياسي واحد. فما يتعرّض للاختبار في ألمانيا ليس وجود الحماية الاجتماعية في حد ذاته، بل الترتيب الذي أتاح الجمع بينها وبين اقتصاد قوي قادر على تمويلها. وعندما تصبح المحافظة على هذا الجمع أصعب، ينشأ الصراع حول تفسير السبب وتوزيع التكلفة وحدود الحماية: هل تكون الأولوية لتوسيع القدرة الإنتاجية؟ أم لإعادة توزيع الدخل والمخاطر؟ أم لإعادة تحديد مَن تشملهم الحماية؟ ومِن خلال المنافسة بين هذه التفسيرات يمكن فهم كيف تُنتِجَ الضغوط نفسها، أو المتشابهة، استجابات سياسية مختلفة.
-