بسّام صرّاف.. المصدر النهار
ليس السؤال اليوم مَن يحبّ الشيعة ومَن يعاديهم.
السؤال الأصعب هو: إلى متى سيبقى شيعة لبنان يدفعون أثمان حروب تُخاض باسمهم، وقرارات تُتخذ باسمهم، وخيارات سياسية يُقال للبنان والعالم إنها تعبّر عنهم جميعاً؟
وإلى متى سيبقى الانتماء إلى الطائفة الشيعية وكأنه يعني، حكماً، الانتماء السياسي إلى حزب الله أو حركة أمل؟
هذه ليست إدانة للشيعة، ولا انتقاصاً من تضحيات أبناء الجنوب والبقاع والضاحية وعائلاتهم. على العكس. إنها دفاع عن حق المواطن الشيعي في أن يكون مواطناً حراً، وأن تُحترم تضحياته من دون أن يُصادر حقه في السؤال: مَن يقرر الحرب؟ ولماذا؟ وبأي كلفة؟ وإلى أين؟
عانى شيعة لبنان طويلاً من الحرمان والتهميش، خصوصاً في الجنوب والبقاع. وكانت حركة الإمام موسى الصدر محطة تاريخية في مواجهة هذا الواقع والمطالبة بإدخال أبناء هذه المناطق إلى قلب الدولة. وفي الوقت نفسه، ارتبطت تجربته بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية في مرحلة لم تكن فيها الدولة قادرة على توفير الحماية الكافية لحدودها وأهلها.
هذه الذاكرة لا يجوز تجاهلها.
فالمقاومة لم تولد من فراغ، ولا يمكن فهم التفاف جزء كبير من المجتمع الشيعي حول خيار السلاح من دون العودة إلى تاريخ الاحتلال والاعتداءات، وإلى شعور تراكم على مدى عقود بأن الدولة لم تكن قادرة دائماً على حماية الجنوب.
لكن ماذا بعد؟
هل يتحول الاستثناء الذي نشأ في زمن عجز الدولة إلى نظام دائم إلى جانبها؟ وهل يكون الوفاء لتضحيات الجنوب بتكريس غياب الدولة، أم ببناء دولة قوية تجعل الحاجة إلى أي قوة عسكرية خارج مؤسساتها تنتفي؟
فالحرمان ليس فقط أن تترك الدولة مواطنها بلا مدرسة أو مستشفى أو فرصة عمل. الحرمان أيضاً أن يُختصر صوته السياسي بخيارين، وأن يُفترض أن طائفته تتحدث بصوت واحد، وأن يتحول الاعتراض على حزب إلى اعتراض على الجماعة نفسها.
الشيعة ليسوا ملكاً لأحد. كما أن المسيحيين ليسوا ملكاً لحزب، والسنّة ليسوا ملكاً لزعيم، والدروز ليسوا ملكاً لبيت سياسي.
الطوائف ليست شركات مساهمة، والمواطنون ليسوا أسهماً مسجّلة بأسماء الزعماء.
وحين يصبح الحزب هو الطائفة والطائفة هي الحزب، يصبح نقد الحزب اعتداءً على الجماعة. وحين يقترن ذلك بسلاح وقرار عسكري خارج السلطة الحصرية للدولة، نصل إلى السؤال الذي لا مفر منه:
مَن يملك قرار الحرب والسلم؟
في أي دولة فعلية، الجواب بديهي: الدولة ومؤسساتها الدستورية وحدها.
لكن الكلام عن حصرية السلاح، وحده، لا يكفي.
فمن حق ابن الجنوب أن يسألني: إذا أصبحت الدولة وحدها مسؤولة عن السلاح، فمَن يحميني؟ مَن يحمي قريتي وأرضي وعائلتي إذا اعتدت إسرائيل؟
وهذا سؤال مشروع، ولا يجوز أن نجيبه بشعار.
أنا لا أطالب بجنوب منزوع القوة. أريد جنوباً تحميه قوة الدولة.
ولا أريد الانتقال من قوة موجودة إلى فراغ. المطلوب أن تنتقل عناصر القوة، تدريجياً وبالتوافق الوطني، إلى استراتيجية دفاعية وطنية يكون الجيش اللبناني عمادها، والمؤسسات الدستورية وحدها صاحبة القرار فيها. جيش حاضر، قادر ومجهز، يحمي الحدود والقرى الجنوبية، ودولة تملك وحدها قرار الدفاع والحرب والسلم.
بكلام أبسط: الانتقال من قوة الجماعة إلى قوة الجمهورية.
وهذا لا يعفي إسرائيل، بالطبع، من مسؤوليتها عن اعتداءاتها واحتلالها وانتهاكاتها. سيادة لبنان لا تتجزأ: لا سلاح خارج الدولة، ولا احتلال مقبول، ولا اعتداء مشروع على أرض لبنانية.
ومن الإنصاف أيضاً الاعتراف بأن لبنانيين كثيرين، وخصوصاً داخل البيئة الشيعية، يرون في سلاح حزب الله قوة ردع وحماية في مواجهة إسرائيل.
هذا واقع لا يمكن القفز فوقه.
لكن السؤال يبقى: هل يمكن أن تبقى حماية وطن بكامله، إلى ما لا نهاية، مرتبطة بقرار حزب واحد؟ أم أن الضمانة الأكثر ثباتاً هي دولة تمتلك جيشاً قادراً وتتحمل وحدها مسؤولية الدفاع والردع والتفاوض وحماية المواطنين والحدود؟
لقد دفع الجنوب والبقاع والضاحية أثماناً بشرية وعمرانية هائلة في الحروب والتصعيد. وهذه التضحيات لا يجوز تبخيسها، كما لا يجوز استخدامها مادةً في الخصومة السياسية.
لكن احترام التضحية لا يعني إلغاء السؤال.
بل ربما يكون مَن دفع الثمن أكثر من غيره هو الأحق بأن يسأل: هل حمت الخيارات المتخذة حياته وأرضه ومستقبل أولاده؟ وهل كانت الكلفة متناسبة مع النتائج؟
من هنا، لا يحتاج لبنان إلى استبدال حزب بحزب، ولا زعيم بزعيم، ولا محور بمحور.
يحتاج إلى خيار ثالث.
وأنا لا أقصد حزباً ثالثاً يبحث عن حصة، ولا خياراً شيعياً في مواجهة حزب الله وحركة أمل، ولا جبهة طائفية مضادة للشيعة.
أتحدث عن خط وطني عابر للطوائف، يجمع مَن يرفض أن يتحول مذهبه إلى بطاقة عضوية سياسية مفروضة عليه.
ولا أقصد بـ«الخيار الثالث» ذلك العنوان الذي استُخدم أحياناً في الحياة السياسية اللبنانية: استقلال في الكلام، فيما القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر، أو واجهة جديدة لأجندة قديمة.
الخيار الذي أتحدث عنه لا يُصنع في غرف الأحزاب ولا في السفارات، ولا يكون حصاناً سياسياً لأحد.
هو ليس موقعاً بين محورين، بل خروج من منطق المحاور أصلاً.
بوصلته الدستور. مصلحته الجمهورية. وقراره لبناني.
فاللبناني لا يحتاج إلى طائفة أقوى كي يكون أقوى. يحتاج إلى دولة أقوى كي لا يخاف من أحد.
وهذا الخط لن يولد في المقالات والصالونات وحدها. يجب أن يخرج من حياة الناس: من البلديات والنقابات والجامعات والمجتمع المدني، ومن الدفاع عن المزارع والعامل والمودع وصاحب المؤسسة الصغيرة، وعن حق أبناء الجنوب والبقاع والضاحية في الأمن والتنمية والعمل، بقدر حقهم في الكرامة والسيادة.
وفي قلب هذا المشروع يجب أن تكون هناك مساحة شيعية حرّة، يستطيع فيها المواطن أن يتمسك بهويته وذاكرة أرضه وتضحيات مجتمعه، وأن يقول في الوقت نفسه إن الدولة وحدها تحتكر السلاح الشرعي، وإن مؤسساتها الدستورية وحدها تملك قرار الحرب والسلم.
وهذه الفكرة ليست غريبة عن الفكر الشيعي اللبناني.
من تجربة الإمام موسى الصدر، التي جمعت بين الدفاع عن المحرومين ومواجهة الخطر الإسرائيلي، إلى وصايا الإمام محمد مهدي شمس الدين الداعية إلى اندماج الشيعة في أوطانهم ومجتمعاتهم وعدم إنشاء مشروع خاص بهم، وصولاً إلى السيد محمد حسين فضل الله ودعوته إلى دولة المواطنة وتأكيده أن الشيعة ليس لهم مشروع خاص خارج أوطانهم، نجد في هذا التراث ما يؤسس لشراكة كاملة في الدولة، لا لكيان موازٍ لها.
فالانتماء إلى الدولة ليس خروجاً من الهوية الشيعية. وحصرية القرار السيادي ليست دعوة إلى إضعاف الشيعة.
الدولة القوية هي التي تستطيع أن تحفظ قوتهم وحقوقهم وتضحياتهم، وتنقلها من ظرف استثنائي إلى شراكة وطنية دائمة.
لذلك، الخيار الثالث لا يقول للشيعة: تخلّوا عن قوتكم.
يقول لهم: انقلوا قوتكم إلى الدولة.
ولا يقول لهم: اخرجوا من بيئتكم.
بل: أدخلوا الدولة إلى بيئتكم، وبيئتكم إلى قلب الدولة.
أن يكون الجنوب قوياً بالدولة. وأن يعرف المواطن الشيعي أن اعتراضه السياسي لا ينزع عنه هويته، وأن رفضه لحرب لم يخترها لا يجعله خصماً لطائفته.
ولكي يستحق هذا الخيار اسمه، يجب أن يبقى حراً فعلاً. لا يأتمر من حزب أو زعيم أو طائفة، ولا يستبدل وصاية بوصاية.
مرجعيته الدستور، وسقفه الجمهورية، ومصدر شرعيته المواطن وصندوق الاقتراع.
لا زعيم فوق النقد، ولا حزب فوق المساءلة، ولا مسؤول فوق القانون.
القانون واحد. والدولة واحدة.
هذا هو الخط الثالث… خط الأحرار.
خط سيادي، ديموقراطي، وطني ومستقل. يؤمن بالانتخابات الحرّة والقضاء المستقل والإعلام الحر والمساواة أمام القانون. ولا يطلب من اللبناني أن يتخلى عن هويته، بل أن يرفض تحويلها إلى قيد سياسي عليه.
وهذا لا يعني إلغاء حزب الله أو حركة أمل من الحياة السياسية.
فليخوضا الانتخابات، وليفوزا حيث يختارهما الناخبون، وليدافعا عن خياراتهما سياسياً.
لكن بين أن يمثل حزب ناخبين وبين أن تُختزل طائفة كاملة به، مسافة اسمها الديموقراطية.
وبين أن يمتلك الحزب موقفاً سياسياً وبين أن يمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً، مسافة اسمها الدولة.
فالبديل عن حزب أقوى من الدولة ليس فراغاً، ولا حزباً مضاداً، ولا ميليشيا مقابلة.
البديل دولة أقوى من الجميع.
وماذا لو قال المواطن الشيعي:
أنا لا أريد أن يحارب أحد باسمي من دون أن يكون لدولتي القرار. أريد أرضي وبيتي ومستقبل أولادي، وأريد جيشي ودولتي قويين بما يكفي لحماية كل ذلك.
لا أريد أن أبقى عالقاً بين خطر الاعتداء الإسرائيلي وقرار عسكري لا تملكه دولتي. أريد خياراً ثالثاً اسمه الجمهورية اللبنانية.
هل يصبح بذلك خارج طائفته؟
أم يصبح مواطناً كاملاً؟
والحقيقة أن هذا السؤال لا يخص الشيعة وحدهم. إنه سؤال كل لبناني لا يزال يبحث عن ضمانته في طائفته أو زعيمه أو حزبه بدل أن يجدها في دولته.
لقد طالت الجلجلة اللبنانية، ودفع الشيعة، كما سائر اللبنانيين، ثمنها من الدم والبيوت والهجرة والخوف.
لذلك لم يعد السؤال: مَن يحمي طائفتي؟
السؤال هو: كيف نبني دولة تحمينا جميعاً؟
لا نريد شيعة ضعفاء أمام دولة قوية.
نريد شيعة أقوياء داخل دولة قوية. وسنّة ومسيحيين ودروزاً أقوياء بدولتهم أيضاً.
وعندما يستطيع اللبناني أن يقول: أنا شيعي، أو سنّي، أو مسيحي، أو درزي، لكن قراري السياسي حرّ ودولتي فوق زعامتي، تكون القيامة قد بدأت.
لا قيامة طائفة على طائفة، ولا انتصار جماعة على أخرى.
بل قيامة المواطن على الخوف، والدولة على الدويلات.
دولة واحدة. جيش واحد. استراتيجية دفاعية واحدة. سلاح شرعي تحت سلطة واحدة. وقرار حرب وسلم واحد.
هذا هو الخط الثالث…
خط الأحرار وخط الدولة.
وعندها لا ينتصر فريق على فريق…
ينتصر لبنان.