ما بين جولات المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وخيباتها المتتالية، تتلاقى التصريحات الإسرائيلية عن نية البقاء في جنوب لبنان، مع عمليات التفجير والجرف وبناء مواقع عسكرية جديدة تُؤسس لبقاء طويل الأمد، وربما ضم الأراضي اللبنانية مستقبلاً. لكن الحكومة والرئاسة اللبنانية تكتفي في موازاة ذلك بالبيانات والتزام جولات المفاوضات كأنها طقوس لا غنى عنها، وكأنها لا ترى التصريحات الإسرائيلية المتتالية والتواطؤ الأميركي معها، ولا تتفاعل سوى مع مواعيد الجلسات. كأنهم مرضى سلموا أمرهم لإدارة العيادة.
الواقع أن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يتحدث وبشكل تصاعدي منذ آذار (مارس) الماضي عن البقاء في المناطق الأمنية وباتجاه ضمها. وهذه التصريحات باتت تُمثل اعلان نوايا بشكل واضح، رغم أن الحكومة اللبنانية وممثليها لا يرونها ويُعيدون تكرار العبارات نفسها عن المفاوضات وهدفها بأشكال مختلفة.
يجب قراءة ما يقوله وزير الدفاع الاسرائيلي بتأن. منذ انشاء المنطقة الأمنية غداة الدخول المشؤوم الثاني لـ”حزب الله” في الحرب الإيرانية، بدأ كاتس بالتشديد على أن إسرائيل لن تُغادر المناطق الأمنية في جنوب لبنان وسوريا وقطاع غزة. والسياق هنا مهم بقدر التصريح نفسه. كاتس قال هذا الكلام في آذار الماضي في اتصال مع نظيره الأميركي بيت هيغسيث. إسرائيل تقود محاولات متتالية لإقناع الجانب الأميركي بأن هذه المناطق لن تعود للدول، أكان من خلال الإشارة لأهميتها الأمنية أو وضع شروط عامة وغير مُحددة لإعادتها، أو لناحية تحويلها منطقة اقتصادية تُشارك الدولة العبرية في السيادة عليها.
طبعاً، من المنطقي لإسرائيل الدبلوماسية الحديث عن عدم الانسحاب من هذه المنطقة قبل إزالة التهديدات. اللافت هنا أن بعض التصريحات يأتي على ذكر حزب الله كتهديد، وغيرها لا يُحدده أو يجمعه مع “أي تهديد آخر”، بما يترك الباب مفتوحاً للبقاء أو بحد أدنى لمنع السكان وأصحاب الأراضي من العودة اليها.
وكاتس أيضاً يتحدث بشكل غير مباشر عن الضم في تهديداته. في 14 و20 الشهر الجاري، هدد باحتلال مناطق أوسع في جنوب لبنان، وضمها بشكل دائم. بكلام آخر، الرد الإسرائيلي على أي اعتداء سيكون باحتلال مناطق جديدة من لبنان وضمها. إذا كانت الاستراتيجية الإسرائيلية مبنية على ردع الدول المجاورة باحتلال مناطق فيها وضمها في حال اعتداء بغض النظر عن حجم الهجوم وشكله، فكيف بالإمكان تأمين انسحاب إسرائيلي بالمفاوضات وحدها؟
كيف نتوقع من حكومة تتباهى بتدمير 23 ألف منزل في 60 قرية لبنانية وتهجير مئتي ألف لبناني، وتتعهد بالبقاء في المناطق واحتلال رقعة أوسع في حال استهدافها، أن تُراجع سياستها في مفاوضات مباشرة؟
طبعاً هذا السؤال هو برسم رئيسي الجمهورية اللبنانية جوزاف عون والحكومة نواف سلام، بصفتهما المسؤولين الأساسيين عن المقاربة الحالية المبنية على انتظار نتائج مفاوضات طقوسية فارغة المضمون، فيما تُنفذ إسرائيل تفجيرات يومية وتُؤسس لبقاء طويل الأمد على الأرض، وفي تفاهماتها مع الولايات المتحدة.
المطلوب اليوم مقاربة مختلفة تمزج بين المفاوضات، وبين تثبيت الحق اللبناني بالأرض والعودة، وبين دعم صمود السكان على خطوط التماس الجديدة لمنع تهجيرهم.
صحيح أن الالتزام بالخيار السلمي ضرورة، بما أن خيار المقاومة المسلحة الذي يُمثله “حزب الله”، يخدم المصالح الإيرانية ويُقحم لبنان في نزاعات لمصلحة طهران ومحورها. لكن هذا الالتزام لا يُعفي الدولة اللبنانية من الرد على التصريحات الإسرائيلية، وإدانة عمليات التفجير المستمرة، ومواجهتها من خلال حشد الدعم الدولي ضدها وللحقوق اللبنانية في الأرض والعودة. هذا يتطلب جهداً دبلوماسياً لا نراه اليوم على الإطلاق.
كثيرون في العالم اليوم يعتقدون بأن إسرائيل تستغل جولات المفاوضات المتتالية معنا ومع الفلسطينيين ستاراً لاستكمال مشاريعها لتطهير المناطق العازلة عرقياً ولتوسيع رقعتها والتأكد من عدم عودة الناس اليها. قد يكون ذلك صحيحاً، لكن خيار خوضها كذلك لا مناص منه نتيجة غياب أي طريق آخر مع انعدام التوازن.
السؤال هو كيف نخوضها وضمن أي سياق؟
بالتأكيد ليس بهذه الطريقة الحالية (رغم أن السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة تتباهى بقدرات لا نراها، وبنتائج لمجهودها أقل ما يُقال فيها إنها مهينة). المطلوب المزج بين الاستمرار بالمسار الأميركي، وبين جهد دبلوماسي مع الولايات المتحدة ودول صديقة للضغط على إسرائيل وتأكيد حقوق الناس بالمحافل الدولية، وكذلك الرد على التصريحات الإسرائيلية المتتالية عن البقاء بالاراضي اللبنانية وتدمير منازل اللبنانيين. أليس معيباً أن لا نرى رداً رسمياً لبنانياً على التباهي الإسرائيلي بتدمير 23 ألف منزل ومدارس ومستشفيات وطرقات وبنى تحتية؟ ألا يستأهل تصريح كاتس عن انجاز إسرائيلي بأن جنوده في القرى وسكانها اللبنانيين خارجها ولن يعودوا إليها؟
أليس علينا أن نسأل الوسيط الأميركي كم عدد المنازل اللبنانية التي يُفجرها الاحتلال الإسرائيلي بين جولات المفاوضات؟ أليست هذه من مسؤوليته التي لا يكترث بها، ووعوده التي ينكثها يومياً حليفه في إسرائيل؟
في نهاية المطاف، تتحول المفاوضات التي تُخاض بلا أوراق ضغط، وبلا موقف علني ولا رصد لما يجري على الأرض، من مسار لاستعادة الأرض إلى غطاء زمني لترسيخ الاحتلال والتهجير.