بادية فحص. كاتبة لبنانية… موقع درج
من النساء اللواتي يعانين من العنف الأسري والجنسي إلى المتظاهرين والسجناء السياسيين وأبناء الأقلّيات العرقية، تتّسع دائرة المحكومين بالموت في إيران.
يُظهر التقرير المعنون “المرأة وعقوبة الإعدام في إيران: نافذة على الأمراض الجندرية لعقوبة الإعدام”، الذي نشرته منظّمة حقوق الإنسان الإيرانية في كانون الثاني/ يناير 2025، أن التمييز القانوني الشديد والعوامل الاجتماعية مجتمعة، تحاصر النساء في نظام العدالة الجنائية القائم على العقاب والمختلط بالتمييز الجندري.
ويقول التقرير إنه في مثل هذه الظروف، تصبح النساء أكثر عرضة للخطر ويبرز تهميشهن حتى في الإدانات القضائية.
مرضية نيري إحدى ضحايا الإعدام، كانت في سنّ السابعة عشرة عندما أُجبرت على الزواج، وكان زوجها يُحضر شركاءه في العمل إلى منزله بانتظام للسهر وشرب الخمر، وكانوا يعتدون عليها جنسياً مراراً وتكراراً.
بعدما بلغت الثامنة عشرة من عمرها، حاول أحدهم الاعتداء عليها، في وجود زوجها، فسحبت سكّيناً من مطبخها وطعنت زوجها والمعتدي أيضاً.
أقسمت نيري في المحكمة أنها فعلت هذا دفاعاً عن النفس ولحماية شرفها، لكنّ المحكمة لم تأخذ بشهادتها، وحُكم عليها بالقصاص لقتلها زوجها عمداً، ثم أُعدمت في سجن قزوين المركزي في آب/ أغسطس الماضي، بعدما أمضت فيه نحو خمس سنوات.
قصّة مرضية ليست استثناءً في بلد تتقاطع فيه عقوبة الإعدام مع التمييز ضد النساء والأقلّيات والفئات المهمّشة، وتتصاعد العقوبة في ظلّ محاكمات تفتقر إلى ضمانات العدالة، وتُستخدَم كأداة للردع والترهيب والسيطرة على المجتمع، خصوصاً في أوقات الحروب والاضطرابات السياسية.
فمن النساء اللواتي يعانين من العنف الأسري والجنسي إلى المتظاهرين والسجناء السياسيين وأبناء الأقلّيات العرقية، تتّسع دائرة المحكومين بالموت في إيران.
فكيف تحوّلت عقوبة الإعدام إلى إحدى أبرز أدوات القمع في الجمهورية الإسلامية؟ ومن هم ضحاياها؟
ماذا تقول الأرقام؟
تشير منظّمة حقوق الإنسان الإيرانية إلى ارتفاع وتيرة أحكام الإعدام في إيران منذ مطلع العام الحالي (2026)، وتتحدّث في تقاريرها عن خضوع المحكومين لعمليّات استجواب مرهقة، وتعذيب جسدي ونفسي، وضغوط أمنية، وانتهاكات، واعترافات قسرية. وترى أن النظام الإيراني يستخدم عقوبة الإعدام لترهيب معارضيه وكأداة للقمع والانتقام من شعبه، وخلق مناخ من الرعب الاجتماعي في أعقاب الاحتجاجات التي شهدتها إيران في كانون الثاني/ يناير الماضي، وتزامناً مع الحرب.
حتى تاريخ 10 تشرين الأوّل/ أكتوبر من هذا العام، وثّقت المنظّمة إعدام 617 شخصاً على الأقلّ، بينهم 22 امرأة، 25 أجنبياً (23 أفغانياً وعراقيان)، 112 من الأقلّيات العرقية يتوزّعون على الشكل التالي: 54 بلوشياً، 42 كردياً، 14 عربياً، وفتيان كانا دون الثامنة عشرة وذكرت أن اثنين من المعتقلين أُعدما على الملأ (علناً)، أمّا الذين أُعدموا بتهم تتعلّق بالأمن القومي فكانوا: 33 متظاهراً، 13 سجيناً سياسياً ينتمون إلى جماعات معارضة محظورة، 16 متّهماً بالتجسس أو التعاون مع حكومات أجنبية، 9 مدانين بالسطو المسلّح، 4 متّهمين بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، بينما لم تتوفّر معلومات عن الباقين.وقت الاعتقال.
وبحسب جدول المنظّمة، أعدمت السلطات الإيرانية في آب/ أغسطس الماضي ما لا يقلّ عن 82 شخصاً، بينهم 6 نساء وقاصران.
في أيلول/ سبتمبر أُعدم ما لا يقلّ عن 70 شخصاً، 34 بتهمة القتل العمد، 31 بتهم تتعلّق بالمخدّرات، 4 بتهم أمنية متفرّقة، شخص واحد بتهمة الاغتصاب، وكان بينهم 4 نساء، 11 بلوشياً، 4 كرد، 4 عرب.
ولم تبلَّغ السلطات في شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر إلا عن 10 حالات إعدام فقط، بينما هناك 60 حالة استناداً إلى مصادر موثوقة.
بنظرة عامّة على المحكومين، يبدو أن نطاق الإعدامات لم يعد يقتصر على القضايا السياسية، فالفئات المهمّشة كالأقلّيات العرقية والنساء والأطفال، باتت أكثر عرضة لهذه العقوبة من غيرها.
وفق بيان مشترك صادر عن منظّمة “مدافعون عن حقوق الطفل في إيران” و”مركز العدالة للأطفال”، فإن أكثر من 100 قاصر في مختلف أنحاء إيران ينتظرون حكم الإعدام، وقد وُجّهت إليهم تهم من قبيل “الحرابة” و”الإفساد في الأرض”، وتعرّض عدد منهم للتعذيب وانتزاع اعترافات قسرية.
بينما شكّل إعدام مواطنين من الأقلّية القومية البلوشية (السنّية) نحو 16 في المئة من إجمالي الإعدامات في أيلول/ سبتمبر الماضي، على رغم أنها تشكّل أقلّ من 6 في المئة من السكّان.
من بين البلوش الذين أُعدموا محمّد يوسف عيسهي، وهو أب لخمسة أطفال يبلغ من العمر(40 عاماً)، اعتقل بتهمة تهريب المخدّرات، وهي التهمة الغالبة على سكّان إقليم بلوشستان الحدودي مع أفغانستان وباكستان، حيث يحتكر تنظيم “الحرس الثوري” مهنة تهريب الأفيون وغيرها، ونُقل إلى موقع الإعدام مرّتين قبل النطق بالحكم، ونفّذ الحكم شنقاً حتى الموت في سجن أصفهان المركزي (دستجرد)، وحُرمت أسرته من وداعه.
وفي شهر آب/ أغسطس الماضي، وثّقت منظّمة حقوق الإنسان الإيرانية إعدام ستّ نساء بتهمة القتل العمد، اتُّهمت أربعٌ منهن بقتل شركائهن، بينما ذكرت تقارير أن إحداهن كانت تدافع عن نفسها ضد اعتداء جنسي.
توثّق المنظّمة أن إيران تُسجّل أعلى معدّل إعدام للنساء في العالم، وخلال الأشهر الستّة منذ بداية هذا العام أعدمت المحكمة الثورية 18 امرأة، بينما سجّل العام 2025 إعدام 48 امرأة، وهو أعلى رقم منذ بدأت المنظّمة بتوثيق إعدام النساء قبل أكثر من 20 عاماً، كما ذكرت.
وقال مدير المنظّمة محمود أميري مقدّم: “إن النساء اللواتي يُعدمن في إيران لسن مجرّد ضحايا لعقوبة الإعدام فحسب، بل إن كثيرات منهن هن ضحايا التمييز الممنهج والعنف وانعدام الحماية القانونية لسنوات قبل وصولهن إلى حبل المشنقة”، محمّلاً النظام الإسلامي مسؤولية ترسيخ مفاهيم العنف والتمييز ضد النساء في المجتمع الإيراني.
حكاية علي رضا ومهشاد
في الرابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر الحالي، أعدمت السلطات الإيرانية الشابّ علي رضا سباهي (مواليد 1980)، وهو أحد المتّهمين في القضيّة المعروفة باسم “ساحة عليخاني” في أصفهان.
كانت الساحة قد جُهزت لإعدام ثلاثة متظاهرين، نُصبت المشنقة، واستُدعيت عائلاتهم، وكان هناك انتشار أمني كثيف حول الموقع، فهُرع الناس لمنع تنفيذ الإعدام، ودارت معركة شرسة بين الطرفين سقط فيها قتلى وجرحى بينهم أربعة من ضبّاط الأمن.
عند الفجر تمكّنت السلطات من إعدام اثنين من المتّهمين الثلاثة، ثم نفّذت حملة مداهمة واسعة في مدينة أصفهان اعتقلت خلالها مئات الشبّان والشابّات، من بينهم علي رضا سباهي وحبيبته مهشاد كاشاني (22 عاماً)، وبينما حُكم على كاشاني بخمس سنوات سجن، كان سباهي من بين 15 معتقلاً حُكموا بالإعدام.
قبل إعدامه، سمحت إدارة السجن لعلي رضا بالتواصل مع حبيبته مهشاد، فعقدا قرانهما عبر التلفون، هو في سجن دستجرد وهي في سجن دولت آباد، واتّفقا على مهر قدره “وردة حمراء وقطعة سكّر ونسخة من القرآن”.
أصيب سباهي ساعة نقله إلى موقع الإعدام بجلطة دماغية، ونُقل إلى المستشفى ثم أُعيد إلى السجن مجدّداً بعد تلقّيه العلاج اللازم، وذكر محاميه أنه كان لديه وصول محدود إليه، وأن المحكمة رفضت طلب الاستئناف، وتجاهلت بعض أدلّة الدفاع، ومارست على سباهي ضغوطاً جسدية ونفسية، منها ضرب والدته أمامه.
يتحدّث معارضون سياسيون في إيران وخارجها عن أن النظام الإيراني يحاول استغلال الصراع العسكري مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، ليحوّله إلى ذريعة لمضاعفة عمليّات الإعدام بتهم أمنية، ويرون أن الإعدام بات قضيّة اجتماعية ومشروعاً سياسياً للنظام الإيراني، ويستمرّ بفعل عاملين: العنف الذي تجلبه الثورات واعتماد الحكومة على قراءة تمييزية للفقه الجعفري.
ويميّز محمود أميري مقدّم، مدير منظّمة حقوق الإنسان الإيرانية، بين قراءة النظام الإيراني الرسمية لحقوق المرأة وما جاء في النصّ الديني، ويقول إن النصوص التراثية الشيعية لا توجد فيها عقوبة إعدام، ويلفت إلى أنه حتى داخل النظام الإيراني هناك اختلاف بين رجال الدين حول عقوبة الإعدام، مستنداً إلى اعتراض آية الله منتظري على أحكام الإعدام التي نفّذها الإمام الخميني في 1988 بحقّ المعارضين السياسيين.
في حين تعتقد الفنّانة التشكيلية المقيمة في ألمانيا برستو فروهر، ابنة المعارض الإيراني داريوش فروهر الذي قضى غيلة في منزله في طهران على يد اللجان الثورية، أن النظام الإيراني يستخدم الإعدام كوسيلة للانتقام من المجتمع، وتصف الإعدام بأنه “أداة للضبط الاجتماعي”، ووسيلة لاحتواء ما يعتبره النظام “غير مقبول” من الاحتجاجات السياسية إلى القضايا الاجتماعية، الذي يظهر بنتيجته “قتل المواطنين برعاية الدولة”.
وهكذا يقصف النظام الإيراني أعمار مواطنيه، من كل الأجيال والفئات والقوميات، لمجرّد أنهم لا يتوافقون مع الإطار العامّ السياسي والديني والاجتماعي الذي يفرضه في الحياة العامّة.