ملخص
تواجه الصين تراجعاً ديموغرافياً متسارعاً وشيخوخة سكانية تهددان نموها الاقتصادي واستقرارها الاجتماعي، في وقت يضيق فيه نظام شي جينبينغ المجال أمام الإصلاح والتكيف. وبينما تستحضر هذه التحولات تجارب سلالات صينية سابقة واجهت أزمات مشابهة، يبرز خطر اتساع السخط الشعبي وتآكل شرعية الحزب الشيوعي. وفيما تبدو بكين عالقة في مسار يصعب تغييره، لا تزال واشنطن، التي تعاني المشكلات المماثلة، تملك هامشاً أوسع لتجنب الوقوع في المأزق ذاته.
خلال أعوام الازدهار إبان عصر الإصلاح، من عام 1978 حتى مطلع العقد الأول من القرن الـ21، كانت الصين بلداً للعمال المنتجين. وقد ارتفع عدد السكان الذين في سن العمل (الذين تراوحت أعمارهم ما بين 15 و64 سنة) من 57 في المئة من إجمال عدد السكان عام 1978 إلى ذروة بلغت نحو 75 في المئة عام 2010. وقد بنى هؤلاء الطرق والمصانع والمجمعات السكنية والشركات التي حفزت ثلاثة عقود من النمو السنوي البالغ نحو 10 في المئة، مما أفضى إلى توسع الاقتصاد 20 ضعفاً.
لكن هذا الزخم بدأ يتبدد خلال العقد الماضي. فقد أفضت سياسة الطفل الواحد، إلى جانب العوامل الاجتماعية نفسها التي دفعت معدلات الإنجاب في شرق آسيا إلى مستويات متدنية تاريخياً، إلى بقاء معدل المواليد في الصين دون مستوى الإحلال السكاني طوال ثلاثة عقود. وهكذا أخذ الوقود الديموغرافي الذي غذى صعود الصين ينفد تدريجاً.
بلغ عدد سكان الصين ذروته عند 1.4 مليار نسمة عام 2021، ومنذ ذلك الحين بدأ بالتراجع بمعدل يراوح ما بين 3 و4 ملايين شخص سنوياً، أي ما يعادل اختفاء مدينة بحجم لوس أنجليس كل عام. وإذا واصلت الصين السير في الاتجاه نفسه الذي سلكته دول شرق آسيا نحو معدلات الإنجاب المتدنية جداً، فإنها ستفقد خلال أربعينيات هذا القرن نحو واحد في المئة من سكانها كل عام، أي ما يقارب 10 ملايين نسمة سنوياً، وهو عدد يتجاوز سكان مدينة نيويورك.
وفي الوقت نفسه ستتسارع وتيرة الشيخوخة السكانية. فمن المتوقع أن ترتفع نسبة من تجاوزوا الـ65 من العمر من نحو 15 في المئة حالياً إلى قرابة 30 في المئة خلال أربعينيات هذا القرن، قبل أن تتجاوز 40 في المئة بحلول أواخر القرن الـ21. وعلى النقيض من ذلك، تشير التقديرات إلى أن هذه الفئة العمرية في الولايات المتحدة ستزداد بوتيرة أبطأ بكثير، من نحو 19 في المئة من السكان اليوم إلى ما يزيد قليلاً على 23 في المئة بحلول عام 2060.
ففي منتصف القرن الـ20، أدى تحسن الرعاية الصحية وانخفاض وفيات الأطفال إلى تضخم أعداد الشباب، وهو ما استثمره ماو تسي تونغ في إحداث تحولات اجتماعية ثورية قلبت الهرميات الراسخة وأعادت تشكيل المجتمع من القاعدة إلى القمة. ثم بحلول عام 1978، كانت الصين تمتلك كتلة ضخمة من السكان في سن العمل، واستطاع دنغ شياو بينغ، من خلال سياسات “الإصلاح والانفتاح” البراغماتية، أن يدمج هذه القوة البشرية في الاقتصاد العالمي، لتتحول البلاد إلى مصنع العالم.
اليوم، وبموازاة تسارع شيخوخة الشعب الصيني، يتجه النظام السياسي في البلاد إلى مزيد من الرجعية والتشدد. إذ مع عودة الحزب الشيوعي الصيني إلى حكم الفرد، فإن مؤسسات الحكم التكنوقراطي المزعومة المعتمدة من قبل هذا الحزب لم تعد كما كانت في السابق. وبدل مواجهة التحديات الناشئة بطرق إبداعية، ينتهج الحزب الشيوعي الصيني القمع، منفذاً التفويضات المركزية من دون تردد، مهما كانت الأخطار. ومن الناحية الاقتصادية، مثلاً، يواصل صناع السياسات اتباع السياسة الصناعية المفضلة لدى الزعيم الصيني شي جينبينغ، والقائمة على التصدير على رغم الحاجة الجلية لتعزيز الاستهلاك المحلي وتدعيم شبكة الأمان الاجتماعي للفقراء.
لذا فإن قصة الصين في القرن الـ21 ليست فقط قصة تراجع ديموغرافي، بل هي أيضاً قصة شلل سياسي، وهي من ثم تجسد ما يحدث حين يتقاطع هذان الأمران. وهذا المزيج من التراجع الديموغرافي والشلل السياسي، هو ما يجعل مستقبل الصين قاتماً على نحو خاص. إذ مع تزايد شيخوخة الصين فإن الضغوط الاجتماعية التي تثقل على نظامها السياسي، لن تتسم سوى بمزيد من الشدة.
وقد ينتهي الأمر بالبلاد في منتصف القرن الـ21 إلى أن تبدو مشابهة لأحوالها إبان حكم سلالة مينغ في القرن الـ16، حين راح النظام السياسي المتصلب لتلك السلالة الحاكمة آنذاك يزداد هشاشة تحت وطأة الانقسامات الاجتماعية والجندرية والجيلية.
ومع ذلك، ينبغي للمراقبين في واشنطن ألا يتعاملوا مع هذا المشهد بشيء من الشماتة، فالمسار الذي تسلكه الصين لا يمثل استثناءً تاريخياً بقدر ما يشكل تحذيراً عاماً: إذ يمكن للتراجع الديموغرافي وتآكل الحيوية السياسية أن يستنزفا قوة أي دولة كبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
سياسة الشلل
كما لاحظ الصحافي لي يوان، تنتشر في الولايات المتحدة ظاهرة يمكن وصفها بـ”الانبهار بالصين”، فالمستثمرون في قطاع التكنولوجيا يبدون إعجاباً بأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، فيما يذهل متخصصو الطاقة من هيمنة الصين الصناعية في مجالي البطاريات والطاقة الشمسية. وكثيراً ما يعود الصحافيون والمحللون من زياراتهم إلى الصين وهم يشيدون بشبكات النقل الحديثة فيها وقدراتها الهندسية المتقدمة. وفي الوقت نفسه يربط سياسيون ومعلقون بين تنامي القوة البحرية الصينية وتجاربها الصاروخية وخطابات شي جينبينغ حول “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، ليصوغوا صورة واحدة عن البلاد: دولة قوية تنفذ بنجاح استراتيجية كبرى لصعودها في القرن الـ21.
وبالمقارنة مع ما يبدو أحياناً من فوضى سياسية في واشنطن ومظاهر التراجع التي يشعر بها كثير من الأميركيين، تقود هذه المؤشرات الظاهرة على ثروة الصين وقوتها إلى استنتاجات واسعة في شأن المسار النسبي للقوتين، لكن عند التمعن في المشهد، يتضح أن بكين تعاني هي الأخرى تآكلاً سياسياً عميقاً، وإن بدا مختلفاً عن ذلك الذي تشهده الولايات المتحدة. وبسبب الطبيعة المحكمة للنظام الصيني، فإن الانزلاق نحو حكم الفرد لا يظهر في سجالات تلفزيونية صاخبة أو منشورات مرتجلة على وسائل التواصل الاجتماعي يصدرها القائد الأعلى للبلاد، بل إن هذا التحول يجري بهدوء، لكنه لا يقل أهمية أو تأثيراً.
فعلى مدى العقدين الماضيين، تمحور الحزب الشيوعي الصيني بصورة متزايدة حول شخص واحد، عام 2018 نجح شي في إلغاء القيود الدستورية على مدة بقائه في منصب رئيس الدولة، ثم أعاد تشكيل القيادة العليا للحزب في مؤتمره الـ20 عام 2022، فملأها بحلفائه والمقربين منه. كذلك شهد الجيش الصيني عمليات تطهير متكررة في صفوف قياداته العليا، بلغت ذروتها عام 2026 بإبعاد تشانغ يوشيا، وهو أعلى الجنرالات رتبة وأحد أبرز المقربين الذين اختارهم شي بنفسه، مما عزز قبضة الرئيس الشخصية على القوات المسلحة.
ومن المقرر أن يبدأ شي ولاية رابعة مدتها خمسة أعوام أميناً عاماً للحزب عام 2027، من دون أن يعطي أي إشارة إلى الشخصية التي قد تخلفه عام 2032 عندما يبلغ الـ79 من عمره. ومثلما هي الحال في الولايات المتحدة، فإن وجود زعيم متقدم في السن ومعزول عن دوائر النقد والمراجعة يزيد احتمال وقوع أخطاء في صنع القرار. غير أن انتقال الصين من دولة تكنوقراطية فعالة إلى نظام يتركز حول حاكم واحد يمسك بالسلطة إلى أجل غير مسمى يسلط الضوء على فارق جوهري بين البلدين: فالولايات المتحدة ما زالت قادرة على تغيير مسارها عبر الانتخابات النصفية في العام الحالي، وفي انتخابات عام 2028، وما يليها من استحقاقات انتخابية كل بضعة أعوام، بينما تبدو السياسة الصينية أكثر جموداً بكثير.
والأهم من ذلك أن المناخ السياسي الخانق الذي أرساه شي جينبينغ يستنزف قدرة بكين على الاستجابة للمشكلات المستجدة كما فعلت أجيال سابقة من القادة. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تمكنت القيادة الصينية بقيادة دنغ شياو بينغ من إطلاق مرحلة النمو السريع عبر إصلاحات ريفية أعادت صياغة الأسس التقليدية للاقتصاد الماوي. وكما لاحظ تشاو شوكاي، أحد المسؤولين الحزبيين الذين شاركوا في تصميم تلك الإصلاحات، فإن قدرة بكين على القيام بذلك اعتمدت على قدر من “الانفتاح في البنية السياسية، سواء على مستوى توزيع السلطة في القمة أو في المجال الفكري والأيديولوجي”.
وشهدت تلك المرحلة أيضاً تمكين مسؤولين أكفاء وفاعلين من التصدي لتحديات اقتصادية معقدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تكليف الأمين العام للحزب جيانغ تسه مين رئيس الوزراء تشو رونغجي عام 1994 بإصلاح النظام الضريبي ووضع المالية العامة للدولة على أسس أكثر استدامة.
لكن مع ازدياد جمود الحياة السياسية الصينية، تراجعت هذه المقاربة المرنة في معالجة المشكلات، لتحل محلها سياسة تقليدية أكثر تشدداً. فكوادر الحزب تجد نفسها اليوم مطالبة بتطبيق سياسات شي المفضلة بصورة شبه عقائدية، بغض النظر عن النتائج.
فعلى سبيل المثال، تخلت سلطات شنغهاي عام 2022، بقيادة أمين الحزب آنذاك لي تشيانغ، عن محاولاتها الأولى لاعتماد نهج أكثر مرونة واستهدافاً في التعامل مع انتشار متحور “أوميكرون” من فيروس كورونا، بعدما اتضح أن هذا النهج سيتعارض مع سياسة “صفر كوفيد” التي ربط شي جينبينغ بها جزءاً من شرعيته السياسية. وكانت النتيجة إغلاقاً قاسياً استمر شهرين، حرم كثيرين من الحصول المنتظم على الغذاء والدواء، قبل أن يتحول إلى نموذج احتذته مناطق صينية أخرى لاحقاً في العام نفسه.
ومع ذلك، لم يتعرض لي للمحاسبة على هذه الكارثة، بل رقاه شي جينبينغ إلى أعلى مراتب اللجنة الدائمة للمكتب السياسي عام 2022، ثم عين رئيساً للوزراء في العام التالي. واليوم يقود لي، بوفاء واضح لتوجهات شي جينبينغ، جهود المسؤولين الصينيين لدفع التصنيع والنمو القائم على التصدير، على رغم التحذيرات الاقتصادية من الانكماش وتفاقم فائض الطاقة الإنتاجية وضعف الاستهلاك المحلي.
ولا يتحمل شي جينبينغ وحده مسؤولية حال الجمود المتزايدة التي تسري في الدولة والمجتمع الصينيين. فمنذ “الثورات الملونة” في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق مطلع الألفية، ثم اندلاع ثورات “الربيع العربي” عام 2011، باتت النخب الحزبية أكثر خشية من الاضطرابات الاجتماعية. وشددت السلطات قبضتها على وسائل الإعلام والمهن القانونية ومنظمات المجتمع المدني، مما ضيق المجال أمام المواطنين لمناقشة المشكلات الاجتماعية المتفاقمة، وأخمد الدعوات إلى إصلاحات سياسية أعمق.
وانعكس هذا التضييق أيضاً داخل الحزب الشيوعي نفسه، إذ بات قليلون مستعدين للدفاع عن إصلاحات قد تمس بصورة جدية مصالح الفئات النافذة والمستفيدة من الوضع القائم. وعلى النقيض من ذلك، دفع تشو رونغجي خلال تسعينيات القرن الماضي نحو إعادة هيكلة مؤلمة للشركات المملوكة للدولة لتأمين انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، على رغم ما ترتب على ذلك من فقدان عشرات الملايين وظائفهم واندلاع احتجاجات عمالية واسعة. وكان تقبل هذا الثمن القصير الأمد في سبيل مكاسب استراتيجية طويلة المدى يعد يوماً إحدى أبرز نقاط قوة الصين، لكن بكين اليوم لا تبدي استعداداً مماثلاً لاتخاذ قرارات من هذا النوع.
ولنتأمل، على سبيل المثال، تردد الحزب في التعامل مع التداعيات المالية للانكماش الديموغرافي. فعقوداً طويلة، كان سن التقاعد في الصين من بين الأدنى عالمياً: 60 سنة للرجال، و55 سنة للنساء العاملات في الوظائف المكتبية، و50 سنة للعاملات في المهن اليدوية. وليس مستغرباً أن يتوقع باحثون صينيون نفاد موارد صندوق التقاعد الحضري الرئيس، الذي يغطي نحو 500 مليون عامل ومتقاعد وموظف حكومي، بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن.
ولذلك ظل رفع سن التقاعد مدرجاً على قائمة الإصلاحات المؤجلة في بكين لأكثر من عقد. ومع ذلك، تعاملت السلطات مع الملف ببطء شديد وحذر مبالغ فيه. وحتى بعد إعلان رفع تدريجي لسن التقاعد عام 2024، لن يكتمل تطبيقه قبل عام 2040، فيما ستظل أعمار التقاعد في الصين من بين الأدنى عالمياً: 63 سنة للرجال، و58 سنة للنساء في الوظائف غير اليدوية، و55 سنة للعاملات في المهن اليدوية.
وبالمثل، أرجأ الحزب الشيوعي معالجة التفاوت الحاد في المزايا والاستحقاقات بين سكان المدن وسكان الأرياف. فحملة “الرخاء المشترك” التي روج لها شي جينبينغ بكثافة لم تفعل كثيراً لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كذلك لم تعالج التفاوت الكبير في أنظمة التقاعد والرعاية الصحية. فعام 2022، حصل نحو 138 مليون متقاعد في المدن على معاش سنوي متوسطه 6080 دولاراً، أي ما يعادل نحو 18 ضعفاً لما حصل عليه 175 مليون متقاعد من سكان الأرياف والعمال المهاجرين، الذين لم يتجاوز متوسط معاشهم 345 دولاراً سنوياً.
ويطالب أكاديميون ومسؤولون صينيون باستمرار بتحسين المزايا المقدمة لسكان الريف باعتبارها وسيلة لتنشيط الطلب المحلي، لكن السبب الحقيقي وراء غياب سياسات جادة لإعادة توزيع الدخل والثروة واضح: فالمسؤولون الحزبيون يخشون إثارة استياء المستفيدين من النظام القائم في المدن، من موظفي الدولة وأبناء الطبقة الوسطى المرتبطين بالحزب، أكثر بكثير من خشيتهم تهميش الفئات الريفية والمهاجرة التي تفتقر إلى أدوات الضغط والتعبئة السياسية.
وقد أسهم هذان الاتجاهان معاً، أي شيخوخة النظام اللينيني وانزلاقه نحو حكم الفرد من جهة، وتنامي الجمود السياسي أمام أي خطوة قد تثير اضطرابات اجتماعية من جهة أخرى في إضعاف قدرة الدولة على الحكم. وبينما تقترب الصين من منعطف ديموغرافي حاد، تبدو بكين عاجزة عن الاستعداد للتحديات الاجتماعية التي ستواجهها خلال العقود المقبلة. فالصين قادرة على بناء خطوط جديدة للقطارات الفائقة السرعة، أو إطلاق حاملات طائرات متطورة، لكنها تبدو أقل قدرة على إنشاء شبكة أمان اجتماعي مستدامة لأريافها التي تتقدم في العمر بوتيرة متسارعة.
الحض على الإنجاب
لكن الشلل السياسي ليس سوى جزء من القصة. فبكين لا تكتفي بالعجز عن معالجة أزماتها الديموغرافية، بل تدفع البلاد أيضاً نحو نسخة أكثر محافظة من ذاتها، قد تؤدي إلى تفاقم تلك الأزمات بدلاً من التخفيف منها.
فمن خلال تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من “التسلل الثقافي الأجنبي”، ودعوته المسؤولين إلى استلهام “الثقافة التقليدية الصينية المتميزة” عند المواءمة بين الماركسية والقيم الكونفوشيوسية، وإشادته بما يسميه “الدور الخاص للمرأة” بصفتها “زوجة صالحة وأماً فاضلة”، تعمل بكين على تغذية نزعة قومية محافظة ذات طابع تقليدي، وتعيد ترسيخ الأدوار الجندرية التقليدية في المجتمع.
وفي هذا السياق، تبدو الرؤية التي تتبناها القيادة الصينية اليوم أقرب إلى تلك التي سادت في عهد أسرة مينغ (1368-1644). فبعد قرن من الحكم المغولي، استهلت أسرة مينغ عهدها بمرحلة وجيزة من الانفتاح على العالم الخارجي عبر أساطيلها البحرية الشهيرة مطلع القرن الـ15، لكنها سرعان ما انكفأت إلى رؤية انعزالية ومحافظة للصين. فقد ترك الحكم المغولي وراءه شعوراً عميقاً بالإذلال، مما دفع حكام مينغ إلى الارتياب من النفوذ الأجنبي والسعي إلى إحياء ما اعتبروه جوهر الحضارة الصينية الأصيلة.
وليست أوجه الشبه مع الحاضر بعيدة. ففي عهد مينغ تعرضت معتقدات أجنبية، مثل المانوية، تلك الديانة الفارسية التي ازدهرت في ظل الحكم المغولي، للقمع والتضييق. وبالمثل، دأبت بكين منذ عام 2010 على الابتعاد تدريجاً من السياسات الأكثر انفتاحاً التي ميزت مرحلة الإصلاح، واتجهت إلى إضفاء طابع صيني على أديان مثل المسيحية والإسلام. وتعرضت الأقليات الإثنية في عهد مينغ لضغوط تدفعها إلى الاندماج والزواج المختلط، على غرار ما يكرسه “قانون تعزيز الوحدة والتقدم الإثني” لعام 2026 من سياسات تستهدف الدمج القسري للأقليات الإثنية.
وشهد عهد مينغ أيضاً عودة قوية إلى الكونفوشيوسية الجديدة وما تطرحه من أدوار مقيدة للمرأة داخل الأسرة، وهي رؤية تتقاطع مع الرسائل التي تعممها السلطات المركزية الصينية اليوم على اتحاد عموم النساء الصيني. ومن بين تلك الرسائل دعوة المرأة إلى “حسن الاضطلاع بالعمل الأسري” وإبراز دورها في “ترسيخ الفضائل العائلية والعادات الأسرية الحميدة”، باعتبار ذلك من المهمات التي أوكلتها اللجنة المركزية للحزب إلى الاتحاد النسائي في “العصر الجديد”.
ومن شأن هذا الإحياء المعاصر لبعض سمات عهد مينغ أن يزيد مشكلات الصين الديموغرافية تعقيداً. فالتراجع الحاد في معدلات الزواج والإنجاب في مختلف أنحاء شرق آسيا يعكس توتراً عميقاً بين تطلعات النساء من جهة، والأدوار الجندرية التقليدية الراسخة في المجتمع من جهة أخرى. وبين عامي 2013 و2024، انخفض عدد عقود الزواج الجديدة في الصين بنحو 55 في المئة، مع تراجع رغبة الرجال والنساء على السواء في الزواج وتأسيس الأسر.
ومع ذلك، يبدو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، الذي لا يضم أي امرأة بين أعضائه، مقتنعاً بأن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب أكثر من توفير الحوافز المناسبة لدفع المواطنين إلى الزواج والإنجاب. ولهذا أطلقت السلطات عام 2021 حزمة جديدة من السياسات المشجعة على الإنجاب، شملت منحاً مالية عند إنجاب الأطفال وإجازات أبوة وأمومة، إلى جانب فرض قيود أكبر على الطلاق والإجهاض وعمليات التعقيم الطوعي للرجال.
كذلك أعادت الدولة تصميم الطوابع البريدية وبعض المناهج الدراسية والأعمال الفنية العامة لتقديم الأسرة كثيرة الأطفال باعتبارها النموذج المثالي. غير أن الطابع المحافظ والمنفصل عن الواقع الذي يطبع هذه السياسات وخطاباتها لم ينجح في تغيير السلوك المجتمعي، بل أسهم، في نظر كثيرين، في زيادة التوتر بين الجنسين.
وإذا عجزت بكين عن إقناع مواطنيها بإنجاب مزيد من الأطفال، فقد تلجأ إلى أداة اعتمدتها دول أخرى هرمة ديموغرافياً لمواجهة تحديات الشيخوخة المتسارعة، وهي الهجرة. ففي مختلف أنحاء العالم، استعانت البلدان التي تعاني تقلصاً في قوة العمل وتزايداً في أعداد المسنين بالعمالة الأجنبية لسد النقص في الوظائف وتلبية الطلب المتنامي على خدمات الرعاية. وحتى كوريا الجنوبية، التي عرفت طويلاً بطابعها المنغلق نسبياً، بدأت تستقبل أعداداً متزايدة من العمال المهاجرين لتعويض انخفاض معدلات المواليد. واليوم يشكل الأجانب نحو خمسة في المئة من سكانها، بعدما كانت نسبتهم تكاد لا تذكر في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
غير أن تبني الحزب الشيوعي الصيني خطاباً قومياً متشدداً يجعل هذا الخيار أكثر صعوبة. فقد أظهرت نتائج تعدادي عامي 2010 و2020 أن المقيمين الأجانب لا يمثلون سوى 0.1 في المئة من إجمال سكان الصين، وهي نسبة تقارب ما كانت عليه الحال في كوريا الجنوبية وتايوان قبل عقود، لكن بينما اتجه هذان المجتمعان إلى مزيد من الانفتاح، تمضي الصين في مسار أكثر تمحوراً حول الهوية الإثنية والقومية.
وخلال العقد الماضي، شددت السلطات الصينية القيود على المنتجات الثقافية الأجنبية، من الأفلام إلى المحتوى الإعلامي، كذلك خصصت منذ عام 2016 الـ15 من أبريل (نيسان) يوماً للأمن القومي، ترفع خلاله اللافتات الدعائية وتنظم الأنشطة المدرسية وتبث البرامج التي تحذر المواطنين من خطر “الجواسيس الأجانب”. ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على صعوبة استقطاب العمال الأجانب الذين ستحتاج إليهم الصين مستقبلاً، وخصوصاً في قطاع رعاية المسنين، بل يهيئ الرأي العام الصيني أيضاً للنظر إليهم بريبة ورفض.
وتجلى ذلك بوضوح في أغسطس (آب) 2025 عندما أعلنت السلطات استحداث تأشيرة جديدة تستهدف استقطاب المواهب الشابة العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وقد انسجم هذا التوجه مع طموحات شي جينبينغ المعلنة لتحويل الصين إلى قوة عالمية رائدة في الصناعة والتكنولوجيا ومنافسة الدول المتقدمة على استقطاب الكفاءات، لكن رد الفعل الشعبي جاء سريعاً وغاضباً.
ففي الشهر نفسه، بلغت بطالة الشباب في الصين 18.9 في المئة، مما دفع كثيرين إلى التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن غضبهم مما اعتبروه تجاهلاً لمصالحهم. وحصدت المنشورات المنتقدة للقرار ملايين المشاهدات خلال أيام قليلة، فيما وصم بعض المدافعين عن السياسة الحكومية بأنهم “خونة للعرق”. وذهب آخرون إلى التحذير من تدفق مهندسين وعاملين هنود إلى الصين لمنافسة المواطنين على الوظائف وحتى على فرص الزواج. وبعد أكثر من عام على الإعلان عن هذه التأشيرة، لم تظهر مؤشرات واضحة إلى تطبيقها على نطاق يذكر.
ويكشف هذا الاستياء من “الغرباء” عن خط صدع اجتماعي جديد يضاف إلى الانقسامات المتزايدة في الصين المعاصرة، فالمشكلة لا تقتصر على شيخوخة السكان، بل تمتد إلى اتساع فجوات اجتماعية عميقة بين الرجال والنساء، وبين الصينيين والأجانب، وبين سكان المدن وسكان الأرياف. وهي انقسامات تفاقمت بفعل عقود من الجمود السياسي وتمسك الدولة بقيم اجتماعية محافظة ومتصلبة.
وبحلول منتصف القرن الـ21، قد تجد بكين نفسها في مواجهة نقص مزمن في العمالة التي يحتاج إليها الاقتصاد، تزامناً مع تصاعد نوع جديد من السخط الشعبوي يغذيه الشعور بالتهميش والمنافسة على الموارد والفرص.
القنبلة الموقوتة
في نظر بعض صناع القرار والمحللين الأميركيين، يتمثل أكبر خطر يترتب على هذه الاتجاهات في احتمال اندلاع حرب. ففي كتابهما الصادر عام 2022 بعنوان “منطقة الخطر: الصراع المقبل مع الصين”، يحذر هال براندز ومايكل بيكلي من أن التراجع الديموغرافي قد يدفع “الصين التي بلغت ذروة قوتها” إلى المجازفة بمحاولة السيطرة على تايوان قبل أن تبدأ الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في تقويض قدرتها على المناورة.
وليس هذا التخوف بلا أساس، لكن الإطار الأكثر واقعية لفهم الأخطار المحتملة لا يتمثل في حسابات استراتيجية باردة ومدروسة، بقدر ما يكمن في احتمال وقوع خطأ جسيم في التقدير من جانب زعيم مسن ومعزول. وكما حدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل غزو أوكرانيا عام 2022، أو مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الحرب مع إيران عام 2026، قد يجد شي جينبينغ نفسه، وقد طعن في السن، محاطاً بمساعدين لا يجرؤون على معارضته، ومعزولاً عن الحقائق التي تتكشف خارج دائرته الضيقة، فيتخذ قرارات تفضي إلى نتائج كارثية.
لكن الخطر الأعمق بالنسبة إلى الصين يظل داخلياً، فإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة طويلة من الركود السياسي. ومن غير المرجح أن تقدم القيادة على خطوات جادة لمعالجة أزمات الأرياف أو تقليص الامتيازات التي تتمتع بها الفئات المحظية. وفي الوقت نفسه سيواجه جيل كامل من الشباب نمواً اقتصادياً أبطأ وفرصاً مهنية أقل مما عرفه آباؤهم، ضمن مناخ سياسي راكد يزداد عداءً للنساء على نحو خاص. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من العزوف عن الزواج وتكوين الأسر.
ومع تقدم المجتمع الصيني في العمر، ستزداد مشاعر الاستياء والإحباط. وعندها قد تلجأ الدولة بصورة أكبر إلى المراقبة الشاملة وأنظمة “الرقابة الشبكية”، وهي تقنيات طورت أساساً لمراقبة الأقليات الإثنية في شينجيانغ والسكان على مستوى محلي دقيق ورصد أصحاب الشكاوى والاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد.
وفي الواقع، بدأت السلطات الصينية بالفعل إعادة تشكيل أدواتها الأمنية لمواجهة هذا الواقع. فعام 2023 أنشأت بكين “الإدارة المركزية للعمل الاجتماعي”، وكلفتها متابعة الأشخاص الذين يعانون ما يسمى “النواقص الأربع”: غياب الزوج أو الأبناء، وغياب العمل أو الدخل المستقر، وضعف العلاقات الاجتماعية، وافتقاد الأصول المالية الأساسية مثل المنزل أو السيارة. كذلك تراقب من يعانون “الخسائر الخمس”، وتشمل الفشل الاستثماري أو المهني، والأزمات العاطفية، والاضطرابات النفسية، أو انهيار العلاقات الشخصية.
وتنظر السلطات إلى هذه الفئات بوصفها مصدراً محتملاً للأخطار الأمنية، خشية انتظام بعض أفرادها في أعمال عنف جماعي، مثل الحادثة التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حين صدم رجل في الـ62 من عمره حشداً بسيارته بعد خلاف متعلق بتسوية ممتلكات عقب طلاقه، مما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا.
وخلال العقود المقبلة، يرجح أن تتعامل بكين مع مزيد من التداعيات الاجتماعية للشيخوخة السكانية بوصفها قضايا أمنية في المقام الأول. وقد ينظر كبار قادة الحزب في ثلاثينيات القرن الحالي من داخل مجمع تشونغنانهاي المحصن إلى مشهد يبدو مستقراً ظاهرياً، فيما يقنع أثرياء قطاع التكنولوجيا أنفسهم بأنهم بمنأى عن سخط عامة الناس، لكن القمع المتزايد والتوسع في المراقبة لا يوفران حلاً دائماً.
وبذلك قد تجد النخب السياسية والاقتصادية نفسها جالسة فوق قنبلة موقوتة صنعتها بنفسها، على غرار ما واجهته النخب الحاكمة في الأعوام الأخيرة من عهد أسرة مينغ.
بحلول أواخر القرن الـ16 كانت أسرة مينغ، التي كانت يوماً واحدة من أقوى الدول في العالم، تدخل مرحلة تراجع متسارع. فقد أرهقت عقود من الإنفاق المفرط الخزانة الإمبراطورية، بما في ذلك كلفة الصراع الطويل مع اليابان في شبه الجزيرة الكورية.
وسعى مسؤولون إصلاحيون، وفي مقدمتهم تشانغ جوتشنغ، إلى معالجة الأزمة عبر توسيع القاعدة الضريبية وإلزام كبار ملاك الأراضي والنخب المحلية بتحمل جزء أكبر من الأعباء المالية، لكن هذه الفئات قاومت الإصلاحات بشدة. وبعد وفاة تشانغ عام 1582 نجحت في إلغاء معظمها، بل وعملت على تشويه سمعته بعد وفاته لردع أي محاولة مستقبلية للمساس بامتيازاتها. وهكذا ألقي العبء المالي المتزايد للدولة على كاهل عامة الفلاحين.
وبالتوازي مع ذلك، انزلق بلاط أسرة مينغ نحو الشلل السياسي. وقد أمضى إمبراطور وانلي (1572 – 1620) عقدين من حكمه في مواجهة مطولة مع جهازه البيروقراطي حول مسألة خلافته. والنتيجة كانت فراغاً سياسياً في قمة السلطة. ومع انفصال العرش عن مسائل الحوكمة، راحت الالتماسات والتقارير التي يرفعها المسؤولون تتراكم من دون أن تقرأ، كذلك شغرت المناصب الحكومية الحيوية، وانقسمت الأجهزة البيروقراطية الإمبراطورية في خضم صراعات داخلية مريرة بين الأطراف المتنافسة.
تخاطر الصين، إذا واصلت مسارها الحالي، بتكرار هذا السيناريو. إذ من المرجح أن تعاني الصين فترة جمود سياسي مديدة في عهد شي جينبينغ، وذلك بالتوازي مع عملية تآكل القدرات البيروقراطية، ومن ثم، في ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الراهن، تواجه أزمة خلافة.
ومع تحول أعوام ازدهار البلاد إلى ذكرى أصبحت وراءها، تكثر في الحقيقة الدلائل على أن الصين تواجه صعوبات مالية أيضاً. فالحكومات المحلية تعاني عجزاً متنامياً، ويواجه كثير منها صعوبات في دفع رواتب المعلمين والموظفين الحكوميين في مواعيدها. ومرة أخرى يقع العبء الأكبر على الفئات الأضعف. فعلى مدى العقدين الماضيين ارتفعت أقساط التأمين الصحي المفروضة على سكان الأرياف والعمال المهاجرين بمعدل يقارب 20 في المئة سنوياً، مما دفع نحو 83 مليون شخص إلى التخلي عن تغطيتهم الصحية بسبب عدم قدرتهم على تحمل الكلفة.
ولا يعني أي من هذه التطورات، منفرداً، أن الصين تتجه حتماً إلى أزمة كبرى، لكن اجتماعها معاً يرسم صورة لبلد ستكون خطوط التصدع الاجتماعية فيه أكثر عمقاً واتساعاً بحلول منتصف القرن. وعندئذ قد تتفاعل الانقسامات الاجتماعية الكامنة مع الاضطراب في القيادة وضعف الدولة، كما رأينا في مرحلة تداعي أسرة مينغ، لتنتج أزمة وجودية حقيقية.
ففي عشرينيات القرن الـ17 دفعت إجراءات التقشف في عهد مينغ موظف بريد سابقاً يدعى لي زيتشنغ إلى حياة التمرد وقطاع الطرق، قبل أن يتحول لاحقاً إلى قائد الثورة التي أطاحت السلالة الحاكمة عام 1644. واليوم قد تؤدي عمليات تقليص رواتب التقاعد والمزايا التي يحصل عليها موظفو الدولة في الصين بالأعوام المقبلة، إلى تكرار هذا السيناريو في عصرنا الحديث.
في ثلاثينيات القرن الـ17، كان ازدياد أعداد الفلاحين الواقعين تحت نير الجفاف والمجاعة أدى إلى تعاظم قوات لي غير النظامية لمواجهة العرش الإمبراطوري. لذا فإن شح المياه في جميع أنحاء شمال الصين بثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ21 – وهي الأزمة المتفاقمة بفعل تغير المناخ – أو ترك سكان الأرياف والمهاجرين لمصيرهم من دون تأمين رعاية صحية لهم ولأهاليهم، قد توفر الوقود نفسه الذي وفره فلاحو شنشي الجائعون قبل أربعة قرون.
وربما يصعب تصور هذا السيناريو في الصين الحالية بما تمتلكه من بنية تحتية متطورة ومدن حديثة، لكن الأزمات التي تطيح القوى الكبرى نادراً ما تبدو خطرة قبل لحظة انفجارها. وقبل عقدين فقط من وصول بلدانهم إلى نقاط التحول الحاسمة، لم يكن أحد يتوقع أن يصبح رسام نمسوي مغمور، أو ضابط متواضع في جهاز “كي جي بي”، أو مطور عقاري أميركي مثير للجدل، شخصيات محورية في التاريخ العالمي.
خيار أميركا
ما زال يتعين على واشنطن أن تتعامل بجدية مع التحديات التي تفرضها سياسات الصين، سواء تمثل ذلك في تصاعد الضغوط العسكرية على تايوان أو في فائضها الصناعي المدعوم من الدولة الذي يغرق الأسواق العالمية، لكن بعض صناع القرار الأميركيين قد يميلون إلى تصوير هذه المواجهة بوصفها صراعاً وجودياً شاملاً، أو “تحدياً جيلياً” هدفه الحيلولة دون قيام “قرن صيني”. وسيكون من الخطأ أن تمنح واشنطن بكين هذه الهدية.
فالواقع أن الخيارات التي اتخذتها القيادة الصينية بنفسها هي التي تقوض مستقبل البلاد. ومع تنامي السخط داخل الصين، سيزداد ميل قادتها إلى تحميل الخارج مسؤولية المشكلات الداخلية، عبر تصويرها على أنها نتيجة رفض الولايات المتحدة، حضارياً وثقافياً، صعود الصين. وتبني هذا المنطق في واشنطن لن يفعل سوى خدمة الرواية التي تسعى بكين إلى ترسيخها.
وفوق ذلك، يغذي هذا الخطاب ردود الفعل المبالغ فيها داخل الولايات المتحدة نفسها، على نحو يقوض تماسكها الاجتماعي. فقد سبق لمثل هذه السرديات أن غذت موجات الهلع السياسي، كما حدث خلال “الذعر الأحمر الثاني” في خمسينيات القرن الماضي، حين دفعت العالم اللامع تشيان شيويه سن إلى مغادرة الولايات المتحدة والعودة إلى الصين، إذ أصبح لاحقاً الأب المؤسس لبرنامجها الصاروخي. واليوم تتكرر دينامية مشابهة. فمناخ الشك المتنامي في الولايات المتحدة، الذي يتجسد في تشديد سياسات التأشيرات وسن عشرات القوانين المحلية التي تمنع المواطنين الصينيين من تملك الأراضي، يدفع علماء من أصول صينية إلى مغادرة المختبرات الأميركية، كما يسهم في تراجع حاد في أعداد الطلاب الدوليين، التي انخفضت بنسبة 17 في المئة عام 2025.
وكثيراً ما نظر الأميركيون إلى بلدهم باعتباره مجتمعاً شاباً وحيوياً، تتجدد طاقته باستمرار عبر موجات الهجرة المتعاقبة، مما وضعه على مسار ديموغرافي مختلف تماماً عن أوروبا واليابان، والآن الصين أيضاً، لكن الولايات المتحدة تواجه بدورها تحدياتها الخاصة. فقد هبط معدل الخصوبة فيها إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني عام 2008، وواصل تراجعه منذ ذلك الحين. وفي الوقت ذاته، تتنامى معارضة الهجرة، على رغم أنها كانت المحرك الرئيس للنمو السكاني الأميركي خلال الأعوام الأخيرة. وإذا استمرت الحملة الحالية على الهجرة بالوتيرة نفسها، فقد تكشف البيانات المنتظر صدورها عام 2027 عن تراجع عدد سكان الولايات المتحدة للمرة الأولى في تاريخها.
ولهذا ينبغي على واشنطن أن تتجنب تعميق مشكلاتها الديموغرافية عبر اتباع السياسات نفسها التي تزيد متاعب الصين تفاقماً. صحيح أن الولايات المتحدة ما زالت تختلف جذرياً عن الصين من الناحية السياسية، لكنها هي الأخرى تظهر مؤشرات واضحة إلى التصلب والجمود السياسي، فالكونغرس، الذي يعد أعضاؤه من بين الأكبر سناً في تاريخ البلاد، لم ينجح في إقرار تمويل الحكومة الفيدرالية في موعده منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. كما أصبحت حالات الإغلاق الحكومي جزءاً مألوفاً من المشهد السياسي الأميركي.
كذلك تعاني الولايات المتحدة مستويات من التفاوت في الثروة والدخل تقارب ما تشهده الصين، وهو ما يجعل تنفيذ إصلاحات تمس مصالح النخب الراسخة أكثر صعوبة. فعلى سبيل المثال، تحافظ قوانين تقسيم المناطق على قيم العقارات التي يملكها السكان الأكبر سناً، فيما تصعب على الأجيال الشابة شراء المنازل وبناء مسارات مهنية مستقرة وتأسيس أسر جديدة.
كل ذلك يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها قريباً أمام أسئلة شبيهة بتلك التي تواجهها الصين اليوم، لكن الأزمة الديموغرافية ليست قدراً محتوماً، بل حصيلة خيارات سياسية واجتماعية متراكمة: هل تدعم الدولة الأسر أم تملي عليها كيف تعيش؟ هل تستقبل المهاجرين أم تغلق أبوابها في وجوههم؟ هل تفسح المجال أمام الأجيال الصاعدة أم تكرس امتيازات الفئات المتمتعة بالنفوذ؟
في ظل حكم شي جينبينغ، تبدو الصين وقد فقدت إلى حد كبير حرية الاختيار، إذ تمضي نحو نسخة أكثر انغلاقاً وتصلباً من نفسها، وهو مسار لن يؤدي إلا إلى تسريع تراجعها الديموغرافي. أما الولايات المتحدة، فما زال أمامها متسع لتسلك طريقاً مختلفاً.
كارل مينزنر باحث بارز في شؤون الصين لدى مجلس العلاقات الخارجية، وأستاذ في كلية الحقوق بجامعة فوردهام. وهذه المقالة مقتبسة من كتابه المرتقب “مع تقدم الصين في العمر: سياسات التراجع الديموغرافي في عصر ما بعد الإصلاح”(As China Ages: The Politics of Demographic Decline in the Counter-Reform Era).
مترجم عن “فورين أفيرز”، 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026
