شُحنت العائلة، كمئات الآلاف من الشيشان والإنغوش وأبناء الشعوب الأصغر في شمال القوقاز، في عربة ماشية متجهة إلى كازاخستان، بأمر من الكرملين. روى داداييف في مقابلة أجراها عام 2011 مع منظمة ميموريال الروسية لحقوق الإنسان أن الرحلة استغرقت 18 يومًا بلياليها. أسبوعان ونصف الأسبوع داخل عربة مظلمة ضيقة، يتكدّس فيها نحو أربعين شخصًا من رجال ونساء وأطفال. قال: “كان هناك دلو لقضاء الحاجة، لكن من يستحي كان يموت”. وتذكّر فتاة في الخامسة عشرة انفجرت مثانتها فلم تنجُ. لم يُسمح لأحد بدفن موتاه، فالعربة لا يُغادرها أحد، و”كانت الجثث تُلقى في الماء وتُدفن في الثلج”. حين وصلت عائلة داداييف أخيرًا إلى قرية مايسكوي في إقليم تالدي كورغان الذي كان يتبع شرق كازاخستان، وجدت نفسها أمام فراغ تام. لم ينتظرها أحد هناك، ولم يبقَ لها غير الحياة.
ما حدث في شباط/ فبراير وآذار/ مارس 1944 في شمال القوقاز تحت الاسم الرمزي “عملية العدس” يُعدّ من أكبر جرائم النظام الستاليني. رُحّل أكثر من نصف مليون إنسان قسرًا، ومات الآلاف في أثناء الترحيل. الرواية الرسمية تحدثت عن أن الشيشان والإنغوش يهددون النظام في مؤخرة الجيش الأحمر، واستخدم ستالين ذلك ذريعة لتنفيذ العملية.
يُرجَّح أن خطة الترحيل وُضعت في كانون الأول/ ديسمبر 1943، ولم تكن السلطة تفتقر إلى الخبرة، فقد رحّلت قبل ذلك ألمان الفولغا إلى آسيا الوسطى خشية تعاونهم مع الجيش الألماني. وفي أواخر كانون الثاني/ يناير 1944 وافق بيريا على “توجيهات تنفيذ ترحيل الشيشان والإنغوش”. كانت التحضيرات الضخمة قد بدأت أصلًا: أُمرت مفوضية السكك الحديدية بتوفير ما بين 350 و400 عربة يوميًا، من 23 كانون الثاني/ يناير إلى 13 آذار/ مارس، ورُصد لتنفيذ العملية قرابة 120 ألف جندي من جهاز الاستخبارات.
| طقس صوفي خلال مظاهرة مؤيدة لجوهر دوداييف في غروزني عام 1994: شعب جبلي متمرد |
في يوم 23 شباط/ فبراير، وكان يومًا شتويًا صافيًا، استُدرج كثيرون إلى خارج بيوتهم بوعود كاذبة. دُعي رجال في بعض القرى إلى عروض فروسية مزعومة، وطُلب من سكان غروزني التجمع في وسط المدينة للاحتفال بالذكرى السادسة والعشرين لتأسيس الجيش الأحمر. وبدل الخطب، أعلن نائب قائد الفوج للحاضرين أن الشيشان والإنغوش جميعًا سيُرحَّلون بتهمة مساعدة الجيش الألماني، وأن المقاومة عبث، فالساحة محاصرة بالجنود المسلحين. بعد البداية أبرق بيريا إلى ستالين في موسكو: “كل شيء يسير بشكل طبيعي”. وبعد أسبوعين أفاد أحد قادة الاستخبارات بترحيل 521247 من الشيشان والإنغوش والبلكار في 194 قطارًا خاصًا استُخدمت فيها 12525 عربة.
وما إن خلت الأرض من أهلها حتى حُلّت جمهورية الشيشان-إنغوش السوفياتية ذات الحكم الذاتي، وغُيّرت أسماء الأماكن والشوارع، وهُدمت النصب، وأُتلفت الأرشيفات، وسُحبت الكتب من المكتبات، وسُوّيت القبور بالأرض. حتى المواد التي تتناول هذه الشعوب حُذفت من “الموسوعة السوفياتية الكبرى”، فلا شيء يجب أن يذكّر بالمرحَّلين وثقافتهم. وسكنت البيوت الخالية عائلات من مناطق مجاورة ومن أنحاء أخرى من روسيا وأوكرانيا. لهذا طُلب من آل داداييف مفتاحهم.
حالفهم الحظ في مايسكوي، فاستقبلهم صاحب بيت. قال داداييف لميموريال: “ساعدنا الكازاخ، أعطونا فنجانًا وكوبًا وعيدان ثقاب وحطبًا. كانوا مسلمين مثلنا. قالوا إن دمنا واحد وإيماننا واحد ولدينا قرآن واحد، واللغات وحدها مختلفة”. لكن العائلة سكنت لاحقًا أكواخًا ترابية مؤقتة. أما كثيرون من “المستوطنين الخاصين”، وهي التسمية الرسمية للمهجّرين، فلم يجدوا مأوى، لأن البلدات المضيفة في كازاخستان وقرغيزستان لم تكن مهيّأة، وبقي بناء المساكن الجديدة بطيئًا في السنوات التالية. ثم جاء الجوع الدائم. يقول داداييف: “كان الناس، والكازاخ أيضًا، يأكلون العشب والقطف ونباتات أخرى. تنتفخ البطون ويموتون، الأطفال والمسنون خاصة”.
| مقاتلون شيشانيون يؤدون الصلاة في أثناء غارة جوية روسية بالقرب من غوراغورسك، شمال الشيشان، في ديسمبر/كانون الأول 1994: سكان جبليون مسلمون يتعرضون للقتل والملاحقة من قِبل موسكو |
من نحو 640 ألف شمال قوقازي مهجَّر، مات قرابة 110 آلاف في الطريق وفي السنوات الأولى من المنفى. بدا أن موسكو بلغت هدفها الأهم: تشتيت الشعوب الجبلية المزعجة في مجموعات صغيرة على امتداد آسيا الوسطى. أرادت أن تعيد تربيتها لتصبح سوفياتية مخلصة للخط الحزبي، وأن تمحو لغتها وأعرافها وتقاليدها نهائيًا.
ثم مات ستالين.
بعد وفاة الديكتاتور عام 1953 بدأت مع نيكيتا خروشوف، زعيم الحزب الشيوعي، مرحلة انفتاح. تنحّى كثير من الستالينيين أو أُعدموا، كبيريا، رئيس الشرطة السرية ومنظّم الترحيل. تسلل الأمل إلى المنفيين: هل يمكن أن نعود الآن إلى البيت؟ وفي 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956 قررت اللجنة المركزية للحزب السماح للمرحَّلين بالعودة وإعادة إنشاء مناطقهم القومية. كان داداييف حينها في العشرين، حديث الزواج، يعمل سائقًا وسائق جرار. عاد مع عائلته إلى سامشكي عام 1960. وحتى عام 1961 كان أكثر من 500 ألف من الشيشان والإنغوش قد عادوا إلى الجمهورية المستعادة، وبقي 56 ألفًا في آسيا الوسطى.
غير أن الترحيل والحياة في الغربة غيّرا هؤلاء المقتلعين. فكثيرون منهم تعرّفوا للمرة الأولى، في المزارع والمصانع، إلى طرائق الإنتاج الحديثة، ودخل أطفالهم مدارس علمانية وتعلموا الروسية. لكن المنفى قوّى في المقابل تماسك المهجَّرين ووعيهم القومي، فجاءت النتيجة عكس ما أراده ستالين وبيريا تمامًا.
| مظاهرة مؤيدة لدوداييف عام 1995 في غروزني الخاضعة للاحتلال الروسي: بؤس ودمار وقيادة فاسدة |
وظل الحديث عن “عملية العدس” والجريمة بحق أهل شمال القوقاز محظورًا في الاتحاد السوفياتي عقودًا، حتى في عهدي خروشوف وليونيد بريجنيف. ولم يعلن مجلس السوفيات الأعلى الترحيلات الستالينية، ومنها ترحيل ألمان الفولغا وجماعات أخرى، عملًا “غير قانوني وإجراميًا” لنظام “همجي” إلا مع سياسة البيريسترويكا لميخائيل غورباتشوف. وفي الوقت نفسه تصاعدت الحركات القومية في إمبراطورية الشعوب الاشتراكية، ولم تعد الإيماءات الرمزية تكفي كثيرًا من الشيشان، فطالبوا بالاستقلال.
في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 1991 أُعلن جوهر دوداييف، الضابط المحترف السابق في الجيش الأحمر، رئيسًا للشيشان بعد انتخابات مثيرة للجدل شاركت فيها المعارضة مشاركة محدودة. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر أعلن سيادة بلاده، ولم تعترف بها تقريبًا أي دولة في العالم، وبالطبع لا الحكومة الروسية بقيادة بوريس يلتسين. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1994 أرسل الكرملين دبابات وعشرات الآلاف من الجنود إلى الجمهورية المنشقة، بعد أن وقع ضباط روس في الأسر إثر محاولة انتفاض نفّذتها المعارضة ضد دوداييف. بدأت حرب دموية قُتل فيها، بحسب تقدير جمعية الشعوب المهددة، نحو 80 ألف مدني، وهرب مجددًا مئات الآلاف.
انتهت حرب الشيشان الأولى (1994-1996) بوقف لإطلاق النار انسحب بعده الجيش الروسي. لكن بعد ثلاث سنوات فقط عادت القوات الروسية، وهذه المرة بقيادة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين. وفي الحرب الثانية استعادت موسكو السيطرة وأدخلت الجمهورية بقوة في الاتحاد الروسي. أعلن الكرملين رسميًا عام 2009 انتهاء “العملية ضد الإرهاب”. وما جلبته الحرب للشيشان كان البؤس والدمار، وقيادة فاسدة يتزعمها رمضان قاديروف، المستبد الموالي لموسكو.
عانى داداييف، كغيره من مواطنيه، معاناة كبيرة في تلك الفترة. دُمّر بيته في حرب الشيشان الأولى، وكذلك بيتا اثنين من أبنائه، فاضطر إلى مغادرة وطنه مرة أخرى رغمًا عنه، هذه المرة لاجئًا، باتجاه إنغوشيا وأوسيتيا الشمالية بين وجهات أخرى. قال عام 2011 وهو ينظر إلى الوراء: “لم أرَ شيئًا جيدًا، إلا الغصص والهموم”. وأضاف: “كنا سنفرح لو بقينا في كازاخستان”. كانت تلك حصيلة مريرة لحياة رجل رُحّل مرة ولجأ أخرى.