
من اجواء الفن الصوفي (موسوعة الفن الصوفي)
ملخص
بعد قرون من وفاة كيميا خاتون، ربيبة جلال الدين الرومي، تعيد الكاتبة رشا مختار دندشلي إحياء حكايتها في رواية “عروس قونيا”، مفتتحة السرد بمشهد دفن الفتاة اليافعة في ظروف غامضة.
لا تبدأ الرواية من طفولة كيميا أو من علاقتها بشمس التبريزي، بل من نهايتها الملتبسة، كأنها تدعو القارئ إلى البحث عن الأسباب التي أفضت إليها، وعن الحكاية التي غابت خلف سيرتين استأثرتا باهتمام الذاكرة الثقافية، ولا سيما لدى المهتمين بالتصوف.
لكن كيميا لا تعود وحدها من الماضي، إذ تقيم الرواية صلة بينها وبين امرأة معاصرة تحمل الاسم نفسه، تعيش في بيروت وتعمل في إخراج الأفلام الوثائقية، وتواجه، عبر صور الحروب في غزة والأراضي المحتلة، ألماً يتجاوز قدرتها على الاحتمال. ومن خلال جلسات العلاج النفساني، تتداخل الحكايتان لتطرح الرواية سؤالاً عن العلاقة بين ذاكرة الضحايا وما يبقى من حكاياتهم في وعي الأحياء.
ولعل قراءة الرواية تبدأ من غلافها، الذي تتصدره صورة التقطها المصور اللبناني محمد عيتاني لفتاة صغيرة ترتدي طرحة عرس. صورة إيحائية تستدعي كيميا خاتون، كأن ملامحها تعبر القرون لتطل من وجه طفلة معاصرة.
شهرة ملتبسة
لا تكمن أهمية “عروس قونيا” في إعادة سرد حكاية كيميا خاتون وحدها، بل في تغيير موقعها داخل الحكاية التي صنعت شهرة جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. بينما احتفت أعمال إبداعية عدة بالتجربة الروحية وعلاقة العشق الملتبسة التي جمعت الرجلين، تنقل دندشلي مركز النظر إلى كيميا، التي ظل مصيرها غامضاً، وتضع القارئ أمام سؤال عن الثمن الإنساني الذي قد تخفيه الحكايات حين تُروى من منظور أصحاب المكانة والنفوذ. بذلك تتحول استعادة كيميا إلى مراجعة للذاكرة نفسها: بكل ما احتفظت به، وما أسقطته من حسابها في آنٍ.
تقترب الرواية من التاريخ لتعيد تأويله، لا لتقدم وثيقة بديلة عنه، وتجرد شخصياتها من حصانة الهالة التي أحاطت بهم، لتعيدهم إلى البعد الإنساني الذي يمكن فيه مساءلة الأفعال والقرارات. غير أن جرأة هذا المشروع لا تكفي وحدها للحكم على نجاحه، إذ يظل السؤال متعلقاً بقدرة التخييل على منح كيميا حياة داخل النص، لا مجرد تحويلها إلى حجة ضد الصورة المثالية التي أحاطت بالرجلين. لذا تنجح دندشلي في بناء شخصية نراها من خلال وعيها بالعالم: فتاة نبيهة وفطنة، لديها رغبة في المعرفة، لكنها عاجزة، في الوقت نفسه، عن اختيار مصيرها. فبعد وفاة والديها، يتولى جدها تربيتها، ثم يرسلها، حين يشعر بدنو أجله، إلى جلال الدين الرومي لتعيش في كنفه. ويقوم الرومي بدوره بتزويجها من شمس التبريزي، الذي يكبرها بأكثر من 40 عاماً، على رغم أنها كانت مغرمة بابنه علاء الدين.
يظهر عجز كيميا عن تقرير مصيرها في شعورها بأنها لا تملك حقاً ثابتاً في الانتماء إلى الأسرة التي احتضنتها، إذ تقول: “شعرت أن وجودها في كنف عائلة ليست ملزمة باحتوائها يثقل كاهلها، فوجودها بينهم لم يكن حقاً، بل منحة، ومن ثم بات عليها أن تبررها، وأن تظل تسعى لإرضائهم وإثبات أنها تستحق شرف الإقامة بينهم، أن تثبت في كل تصرف وكل موقف أنها جديرة بالمكان الذي منحوه لها طوعاً لا فرضاً”.
لا تكمن مأساة كيميا في زواجها من التبريزي فقط وقطع قصة حبها مع علاء الدين ابن الرومي، بل في موقعها داخل شبكة من العلاقات التي يقرر الآخرون مصيرها فيها. فذكاؤها ورغبتها في المعرفة لا يمنحانها سلطة على حياتها، كما أن شعورها بأن وجودها في كنف الأسرة منحة لا حق يجعلها أكثر ميلاً إلى الرضوخ.
أبعاد أخرى
لعل أحد أوجه الاختلاف في الرواية عن بعض الأعمال التي تناولت سيرة الرجلين يكمن في إعادة تقديم شخصية علاء الدين من زاوية مختلفة. نراه إنساناً واعياً وغاضباً من علاقة والده بشمس، لكن الرواية لا تمنحه ملامح الشر المضمر التي ظهرت في بعض الأعمال الإبداعية التي تناولت سيرة الرومي. تقول الرواية إن علاء الدين كان يجد في كيميا من يفهم نزقه ويصغي إليه دون حكم، فكان يحدثها عن شعوره بالخذلان من معاملة أهله، وتفضيلهم الدائم لأخيه بهاء الدين، واعتباره الابن الأرعن الغرير وغير المسؤول. “وكانت كيميا تستمع إليه بكل أذن صاغية، وكأن كلاً منهما ملاذ للآخر، يفهم ما لا يقال ويشعر بما يعجز الآخر عن التعبير عنه”.
لا تختزل الرواية شخصية علاء الدين في الغيرة من شمس أو في موقفه من أبيه، بل تمنحه خلفية نفسية واجتماعية تساعد على فهم شعوره بالتهميش. لكن فهم دوافع الشخصية لا يعني تبرير أفعالها، بل يتيح قراءتها بعيداً من التقسيم المبسط بين الخير والشر. وبهذا تتجنب الرواية استبدال صورة مثالية بأخرى شيطانية، وتعيد الشخصيات إلى تعقيدها الإنساني.
وتغلق الرواية الدائرة التي فتحتها في مشهدها الأول، فالفتاة التي دفنت ليلاً بعيداً من المآذن والأضرحة لم يكتب اسمها في مقالات شمس التبريزي، ولا في بيت شعر واحد من بين أكثر من 70 ألف بيت في دواوين جلال الدين الرومي، ولا حتى على شاهد قبر. ويتبين في الفصول الأخيرة أن هذا الغياب لم يكن سهواً من المؤرخين، بل فعلاً مقصوداً داخل الحكاية نفسها. يبحث علاء الدين عن قبرها في المقابر، حتى في مقابر الصدقة والمجهولين واللقطاء، فلا يجد شاهداً ولا علامة. ويقلب دفاتر أخيه، الذي كان يدون كل شاردة وواردة، فلا يجد شيئاً: “لا والده، ولا شمس، خصاها بحرف”.
بين زمنين ومرآة
توظف الكاتبة صور العتمة والقمر والغربان والتراب والدفن، وتربطها بالسر والغياب والمحو. ويتصل هذا المعجم الرمزي بمشهد الافتتاح، الذي يختفي فيه جسد كيميا كما لو أن الأرض ابتلعته. كذلك يفتح اسم كيميا مجالاً دلالياً يرتبط بالتحول والتفاعل، وهو معنى ينسجم مع إحالات الرواية إلى الكيمياء والعشق، ومع مسار البطلة المعاصرة في محاولتها فهم ذاتها. وتمنح بعض الاستعارات التجربة عمقاً حسياً، وإن كانت مقاطع أخرى تميل إلى الشرح الفلسفي المباشر، ولا سيما في حوارات كيميا المعاصرة مع جدها، الذي خاض بدوره تجربة إنسانية وروحية صعبة.
لا تكتفي الرواية بربط كيميا خاتون بنظيرتها المعاصرة عبر الاسم، بل تبني بينهما سلسلة من التناظرات التي تتجاوز التشابه في المصير إلى تكرار تفاصيل بعينها، كأن الماضي يعيد كتابة نفسه في جسد آخر وزمن مختلف. فكلتاهما تفتقد الأبوين: الأولى يتمها الموت، والثانية يتمها الهجران. وكلتاهما يربيها جد يحكي لها الحكايات، فرهاد في بلخ، مع نايه وحكاياته عن الموت والعهد، وشفيق بكداش في بيروت، بمكتبته وقصة الطيور الباحثة عن السيمورغ. وكلتاهما لها جذور مسيحية: كاشمار التي ماتت على دينها، وميرفت التي ولدت باسم كريستينا.
ويتكرر الشعور نفسه بأن البقاء في البيت ليس حقاً مكتسباً. تشعر كيميا القديمة بأن وجودها بين أفراد الأسرة لم يكن حقاً، بل منحة. وتقول الراوية عن جديها: لأنني كنت أعلم في قرارة نفسي أنهما ليسا ملزمين بتحمل مسؤوليتي… فأنا لست ابنتهما. ومن هذا الإحساس ينشأ لدى كيما القديمة والمعاصرة ميل إلى القبول بالحال المفروض. ترضخ الأولى في أخطر لحظة من حياتها، قائلة للرومي: “إن كنت ترى أن في ذلك خيراً لكم، فأنا راضية يا حضرت ميڤلانا”، فيما تعترف الثانية: “هكذا عشت حياتي، أقبل بما يفرض علي”.
ولا تقتصر المرايا بين المرأتين على التجارب النفسية، بل تمتد إلى الجسد أيضاً. فعلى ذراع كيميا اليمنى، في مشهد الافتتاح، كدمة زرقاء ناجمة عن كسر شمس ذراعها، وتكتشف الراوية المعاصرة في العيادة أنها ولدت بذراع يمنى زرقاء متورمة، ولم تستعملها منذ ذلك الحين. وتمتد المرايا إلى التاريخ حين يتقاطع زلزال قونيا عام 1247 مع زلزال فبراير (شباط) 2023، فتسمع الراوية في الخانقاه البيروتية جملة سبق أن سمعتها في جامع كيقباد قبل ثمانية قرون. من خلال هذه التناظرات، توحي الرواية بأن ما أصاب كيميا لم ينته بموتها، بل يجد صدى في حياة أخرى.
بيد أن الرواية تترك سؤال هذه الصلة مفتوحاً، عارضة ثلاثة تفسيرات من دون أن تحسم بينها: التقمص، واللاوعي الجمعي عند يونغ، وتشكيك الجد الذي يقول: “ما في شي بيأكد الحياة السابقة، ولا في شي بينفيها”.
ثم تأتي المفاجأة في الفصل الأخير، المؤرخ في الثاني من فبراير 2023، وهو تاريخ الفصل الثاني نفسه. تفيق الراوية في غرفة الانتظار على يد السكرتيرة، وتنظر إلى توقيت رسالتين على هاتفها، فتدرك أن ما عاشته لم يستغرق سوى “25 دقيقة فحسب، كانت كافية لتزيحني من حاضري وتلقي بي في بعد آخر”. بهذا تنغلق الرواية على نفسها، ويبدو ما جرى بين اللحظتين كأنه حلم يقظة.
لكن المفاجأة لا تلغي ما سبقها، بل تعيد توجيه قراءته. فتاريخ الفصل الثاني، الذي يسبق زلزال السادس من فبراير 2023، يضع القارئ أمام احتمال أن تكون كيميا عاشت رؤيا استباقية للحدث، لا مجرد استعادة لزمن غابر. ويتصل هذا الاحتمال بما ترويه عن طفولتها، حين كانت ترى “حروباً قبل اندلاعها، وانفجارات قبل حدوثها”، وبما تنوي أن تحكيه للطبيبة في السطور الأخيرة. ومن ثم ينتقل السؤال من: هل حدث هذا حقاً؟ إلى: لماذا احتاجت الراوية إلى أن ترى نفسها في كيميا؟ والجواب يلوح في تشخيص الطبيبة لجرح الأم والحب المشروط، إذ لا تستعيد الراوية حكاية كيميا إلا لتواجه حكايتها هي.
ويبقى على هذا البناء مأخذ يتعلق بالملحق الذي ألحق بالرواية، وفيه تشرح المؤلفة أثر يونغ والفيزياء الحديثة وابن عربي في تشكيل عالمها. فبدلاً من أن تترك هذه المرجعيات تتكشف للقارئ من خلال النسيج السردي، تتولى شرحها خارج الرواية، بما قد يضيق مساحة التأويل التي أتاحها الغموض داخلها. لكن هذا لا يحجب قدرة رشا مختار دندشلي على نسج حكاية آسرة، تجمع بين الحساسية الإنسانية وجرأة التخييل، وتمنح الغياب صوتاً يستحق الإصغاء. هنا تكمن مفارقة “عروس قونيا” إنها تحاول إنقاذ امرأة من المحو، لكنها تجعل هذا الإنقاذ نفسه سؤالاً مفتوحاً عن حدود التخييل، وعن قدرة الأدب على استعادة ما لم يحفظه التاريخ.