روزي جدي كاتب وصحافي تشادي ألهمه الإبداع، فكتب وعبّر عن واقع تشاد، ورصد شخصياتها وفضاءاتها، وتناول قضايا الهوية والذاكرة.
درس القانون، وحصل على شهادة الماجستير، ما أهّله للالتحاق بالمدرسة الوطنية للتكوين القضائي، من دون أن يتخلى عن الصحافة، إذ واصل الإسهام بمقالاته وكتاباته الصحافية.
له عدد من الروايات، من أبرزها: “زمن الملل” (دار رياض الريس للنشر عام 2021)؛ “قارب يلاحق مرساه” (دار مسو للطباعة والنشر عام 2021)؛ “ارتدادات الذاكرة” (دار نرتقي للنشر والتوزيع عام 2023)؛ “التاريخ السري المعلن لآدم وحواء” (دار صفصافة للنشر والتوزيع عام 2025).
فاز بالجائزة الكبرى للتميز في الأدب التي تمنحها وزارة الثقافة التشادية عام 2024. وفاز أيضًا بجائزة ابن بطوطة عن كتاب “فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول” عام 2026. كما استفاد من منحة بيت التلمساني ودار صفصافة للنشر، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).
هنا حوار معه:
(*) متى بدأ الأدب التشادي؟ ومن أبرز رواده؟
في ما يتعلق بالشعر، بدأ الأدب التشادي منذ قرون. ومن أقدم الأسماء التي نعرفها الشاعر التشادي إبراهيم الكانمي (1155 ــ 1212)، المنحدر من مملكة كانم، وكان شعره على مستوى أدبي رفيع.
ومن أبرز محطات حياته رحلته إلى المغرب في عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، حيث قيل إنه وصل مبعوثًا عن ملك كانم، ومدح الخليفة بشعره، ثم أقام هناك والتقى برجال الأدب والسياسة. وقد ساعد ذلك في حفظ شيء من شعره في كتب الأدب والتراجم المغاربية.
أما النثر، ولا سيما القصة القصيرة والرواية، فقد بدأ حضوره في أواخر خمسينيات القرن العشرين، مع كتابات جوزيف إبراهيم سعيد، الذي كتب القصة القصيرة والرواية عندما كان طالبًا في فرنسا.
(*) ما هي اللغة التي كُتب بها هذا الأدب؟ وهل أثّر الاستعمار الفرنسي فيه؟
كُتب الأدب التشادي باللغتين العربية والفرنسية معًا. وبطبيعة الحال، دعم الاستعمار الفرنسي اللغة الفرنسية، ودرس بها عدد كبير من التشاديين، كما أصبحت لغة الإدارة، ولذلك كان الكتّاب الذين يكتبون بها أكثر شهرة وحضورًا، ويحصلون عادة على دعم أكبر من المؤسسات الرسمية والفرنسية.
أما الأدب المكتوب باللغة العربية، وخاصة الشعر، فله حضور قديم لم ينقطع. لكن السرد، وخصوصًا الرواية، يُعد حديثًا نسبيًا. فأول رواية تشادية منشورة باللغة العربية ظهرت في عام 2004، أي أن التجربة الروائية العربية في تشاد ما تزال حديثة، وأنا أنتمي إلى الجيل الثاني من الروائيين التشاديين الذين يكتبون بالعربية إبان حقبة الاستعمار.
(*) هل يوجد كتّاب تشاديون دافعوا عن تشاد في كتاباتهم الإبداعية، من قصص وروايات ومسرح؟ وهل طوّعوا اللغة الفرنسية لتصبح أداة للمقاومة؟
خلال حقبة الاستعمار، لا نعرف كثيرًا من الكتّاب التشاديين الذين خاضوا تجربة الكتابة الإبداعية بالشكل الذي نعرفه اليوم، فجوزيف إبراهيم سعيد كتب لاحقًا عن عوالم من غرب تشاد، وعن السحر والعجائب والبيئة المحلية، لكن المقاومة الثقافية والفكرية خلال فترة الاستعمار كانت حاضرة بصورة أكبر لدى رجال الدين وطلاب العلم، الذين نشطوا باللغة العربية، وأسهموا من خلالها في الحفاظ على جزء مهم من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع.
(*) لماذا اخترت اللغة العربية لكتابة الرواية؟
لا يوجد سر كبير وراء ذلك. أنتمي إلى أسرة محافظة كانت ترى أن الدراسة باللغة العربية ستقرّبني من الدين، وتجعلني أكثر معرفة بالقرآن والعلوم الإسلامية، ولذلك اختارت لي المدرسة العربية بدلًا من المدرسة الفرنسية عندما كنت طفلًا. وهكذا درست بالعربية، ونشأت علاقتي باللغة من خلالها، ثم أصبحت كاتبًا يكتب بها.
| روزي جدي يحمل جائزة ابن بطوطة عن كتابه “فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول” عام 2026 |
(*) يقال إن الإنسان ابن بيئته. فكيف صوّرت مدينة أنجمينا في رواياتك؟
الروائي يعبّر عن مجتمعه، وعن المكان الذي يعيش فيه. وقد صوّرت مدينة أنجمينا كما عرفتها وعشتها.
صورتها كما بقيت في ذاكرتي منذ أيام الطفولة، وصورتها كما عشت فيها في مراحل مختلفة، وكما أراها اليوم. أحيانًا، أكتب عنها من زاوية الشخص الذي ابتعد عنها ويحن إليها، وأحيانًا من زاوية الشخص الذي ملّ منها ويرغب في الفرار بعيدًا عنها.
أنجمينا في كتاباتي ليست مجرد مكان، بل جزءًا من الذاكرة والشخصيات والتحولات التي تمر بها..
(*) لك رواية بعنوان “ارتدادات الذاكرة”. هل تعيد الذاكرة تشكيل معالم الأحداث؟ ولماذا اخترت عام 1906؟ وماذا يعني هذا التاريخ؟
تبدأ الرواية في عام 1906، وهو عام ميلاد بطل القصة، لكن اختياري لهذه الفترة مرتبط ببداية تمكن الاستعمار الفرنسي من إحكام سيطرته على الأراضي التشادية.
الرواية تاريخية في جانب كبير منها، وتركز على جرائم الاستعمار الفرنسي في تشاد، وعلى التحولات التي أحدثها في المجتمع.
هي رواية عن استعادة الذاكرة، وعن ضرورة معرفة ما حدث في الماضي حتى تتذكر الأجيال ما جرى، ولا تنقطع صلتها بتاريخها.
(*) تناولتَ موضوع العبودية بما يحمله من دلالات، ولك مقطع في روايتك تقول فيه: “ربطوا يدي خلف ظهري، وعقدوا على عنقي حبلًا طويلًا يجمع أعناق قرابة عشرين”. هل العبودية موضوع حاضر في تشاد قديمًا وحديثًا؟
العبودية ليست ظاهرة حاضرة في تاريخ تشاد الحديث بالصورة التي كانت موجودة بها في الماضي، لكنها كانت موجودة خلال فترات حكم بعض الممالك الإسلامية، وكانت تجارة الرقيق إحدى المشكلات الكبرى التي أضعفت تلك الممالك.
فلا يمكن لمملكة أن تدّعي الانتماء إلى القيم الإسلامية، ثم تمارس العبودية وتجارة البشر. وأعتقد أن بعض أسباب انهيار الممالك الإسلامية في تشاد، وتمكن فرنسا من السيطرة عليها، عسكريًا وثقافيًا، يعود أيضًا إلى مشكلات داخلية اجتماعية واقتصادية وأخلاقية، كانت تجارة الرقيق في مقدمتها.
العبودية في روايتي ترتبط أيضًا بفكرة استعباد الأفارقة لبعضهم بعضًا في مرحلة معينة من التاريخ، وكيف أسهم ذلك في تسهيل مهمة العدو، سواء من خلال ترسيخ احتقار الإنسان الأفريقي، أو استغلاله واستعباده، ثم استعمار أرضه.
(*) في روايتك “قارب يلاحق مرساه” تبرز شخصية مثيرة للجدل هي شخصية توتولا. ما أبعاد هذه الشخصية في الرواية؟ وكيف أثرت في بقية الشخصيات؟
توتولا هو شخصية تعبّر عن الإنسان الجنوبي في تشاد. فالبلاد تضم في تكوينها الاجتماعي والديني مسلمين ومسيحيين، وقد حدث في مراحل تاريخية مختلفة شرخ بين بعض مكونات المجتمع بسبب الحروب الأهلية والصراعات السياسية.
تركز الرواية على توتولا، المسيحي الجنوبي القادم من أقصى جنوب البلاد للعمل خادمًا في بيوت المسلمين في الشمال. ومن خلال هذه الشخصية حاولت التعبير عن ذلك الشرخ الاجتماعي الكبير، وعن نظرة الناس بعضهم إلى بعض، وعن تأثير الاختلاف الديني والمناطقي في العلاقات الإنسانية.
(*) لماذا يغيب الأدب التشادي عن المشهد الأدبي العربي؟ وهل هنالك عوامل محدّدة جعلته بعيدًا عنه؟
في الوقت الحالي، أصبح الأدب التشادي أكثر حضورًا، شعرًا ونثرًا. فالشعراء التشاديون يشاركون في مهرجانات عربية كبيرة، ونحن الروائيين، بدأنا نفوز بجوائز عربية ودولية، وننافس بقوة، لكننا ما نزال في حاجة إلى بذل جهد أكبر.
هنالك كذلك عوامل موضوعية تحد من هذا الحضور. فبالرغم من أن العربية لغة رسمية في تشاد، فإن البلاد ليست عضوًا في جامعة الدول العربية، ولهذا لا تُصنَّف سياسيًا ضمن الدول العربية، وهو ما يحرم الكتّاب التشاديين أحيانًا من التقديم إلى بعض المنح الأدبية والجوائز والبرامج الثقافية العربية.
لكننا نحاول تجاوز ذلك، وسنصل ما دمنا نكتب أدبًا أصيلًا ومختلفًا وقادرًا على التعبير عن تجربتنا وبيئتنا.
(*) ما أهم الجوائز الأدبية التي يمنحها بلدك تشاد؟ وما قيمة حصولك على الجائزة الكبرى للتميز الأدبي؟
هنالك عدد من الجوائز التي تقدمها وزارة الثقافة التشادية، وفي مقدمتها الجائزة الكبرى للتميز الأدبي، وهي من أرفع الجوائز التي تمنحها الوزارة، وقد فزت بها عن روايتي “ارتدادات الذاكرة”.
وإلى جانبها، هنالك جائزة القلم، فضلًا عن جوائز تقدمها بعض الجامعات والمؤسسات الثقافية، ومنها جامعة الملك فيصل في أنجمينا، التي درست فيها، وحصلت فيها عام 2014 على جائزة أفضل كاتب قصص.
بالنسبة إليّ، تمثل هذه الجوائز نوعًا من الاعتراف بالعمل الأدبي، وكذلك تقديرًا من القراء والنقاد لما يقدمه الكاتب، كما أنها تشكل حافزًا مهمًا لمواصلة الكتابة والتطوّر، وتقديم أعمال أفضل.