ملخص
قد تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى إنفاق مبالغ أكبر على إنتاج الأسلحة محلياً، كبديل للأنظمة العسكرية التي كانت تمولها الولايات المتحدة، وإلى بذل جهود حثيثة للالتفاف على القيود المفروضة على تصدير المعدات العسكرية، والسلع ذات الاستخدام المزدوج، وقد تواجه إسرائيل أيضاً أكبر مخاوفها، وهو فقدان حق النقض الأميركي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو الدرع الذي كثيراً ما حمى احتلالها من الإدانة الدولية منذ عام 1967
عندما يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في الـ 27 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، سيتمنى كثر في العالم هزيمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أمضى أعواماً طويلة في السلطة. ففي ظل حكمه الذي امتد لما يقارب عقدين، أصبحت إسرائيل أكثر عدوانية بصورة مطردة، فقد تخلت عن أي ادعاء بأنها تؤيد حل الدولتين، وشرعت في إنشاء مئات المستوطنات اليهودية الجديدة في الضفة الغربية، وبعد الهجوم الذي شنته حركة “حماس” عبر الحدود في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، دمرت قطاع غزة، واحتلت أجزاء من لبنان وسوريا، وشنت حرباً على إيران، عدوتها اللدودة. وفي الوقت نفسه، واجهت المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية هجمات متواصلة من نتنياهو وحلفائه، الذين اقترحوا قوانين من شأنها، ضمن أمور أخرى، تقليص صلاحيات المحاكم الإسرائيلية إلى حد كبير، وإذا ما عاد نتنياهو للسلطة لولاية سابعة غير مسبوقة، يخشى كُثر من أن تتحول البلاد بصورة دائمة إلى دولة مارقة ذات طابع ثيوقراطي تحكمه اعتبارات دينية، ولذلك يرى كثير من الناخبين في هذه الانتخابات منعطفاً حاسماً في السياسة الداخلية الإسرائيلية. ويتبنى الخصم السياسي الرئيسي لرئيس الوزراء، وهو رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، رؤية عالمية أكثر ليبرالية من منافسه، فهو يدعم قضاء مستقلاً، وصحافة حرة، ووجود جهاز خدمة مدنية محترف. وفي حال فوزه، فمن المرجح أن يحاول التراجع عن مساعي نتنياهو الرامية إلى تقويض استقلال كل مؤسسة من هذه المؤسسات.
لكن من المستبعد أن يؤدي فوز آيزنكوت إلى تغيير السياسة الخارجية الإسرائيلية أو نهج إسرائيل تجاه الفلسطينيين، فجميع الأحزاب السياسية اليهودية في إسرائيل تقريباً، بما فيها حزب آيزنكوت، تعارض قيام دولة فلسطينية، ما يعني أن هذا الموقف لا يقتصر على حزب “الليكود” وحسب الذي يتزعمه نتنياهو. وتعتقد هذه الأحزاب أن الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل على غزة كانت مبررة أخلاقياً وضرورية عملانياً، وتُجمع كلها إلى حد بعيد على أن إسرائيل كانت مُحقة في مهاجمة إيران، وفي إنشاء ما تسميه حكومتها وجيشها “مناطق أمنية”، أي أراضٍ محتلة، في لبنان وسوريا. وفي الواقع فإن نقطة الخلاف الحقيقية الوحيدة بين آيزنكوت ونتنياهو في المسائل الأمنية هي التساؤل عما إذا كان الأخير قد اتخذ القرارات التكتيكية الصحيحة في كل من هذه الصراعات، مثلما حدث عندما رفض وقفاً لإطلاق النار في غزة، كان يمكن أن يفضي إلى الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين في وقت باكر.
ولا يعني ذلك أن آيزنكوت سيتبع المسار نفسه تماماً، فهناك اختلافات مهمة بينه وبين نتنياهو في شأن موجة الهجمات التي يشنها المستوطنون في الضفة الغربية على الفلسطينيين العزل، بهدف طردهم من أراضيهم. فرئيس الوزراء، المتمسك بحلفائه من اليمين المتطرف، يتجاهل هذه القضية ويتعامل معها باستخفاف، في حين يصف منافسه سلوك المستوطنين بأنه “إرهاب يهودي”، وحتى وإن لم يكن آيزنكوت يشعر بتعاطف كبير مع الضحايا الفلسطينيين، فإنه يدرك أن الضفة الغربية على شفا انفجار دموي، وأن إسرائيل معرضة لمزيد من الاستنكار الدولي بسبب سياستها المتهورة هناك. لكن بشكل عام، وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، ستواصل إسرائيل قمع الفلسطينيين وضرب أعدائها، وبالتالي ستواجه كُلفاً دبلوماسية واقتصادية، إذ سيبدأ شركاؤها المحبطون في قطع المساعدات عنها، بل وربما بفرض عقوبات عليها.
المظهر أهم من المضمون
هناك قضايا عدة تؤثر في الانتخابات الإسرائيلية، فقد ناقش السياسيون، على سبيل المثال، إعفاء اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية الإلزامية، وتهم الفساد الموجهة إلى نتنياهو، وما على الحكومة فعله، إن كان ثمة ما ينبغي فعله أصلاً، حيال الإرهاب اليهودي، لكن على العموم، تركزت المنافسة على من يتحمل المسؤولية عن الإخفاق في منع هجوم “حماس” في “7 أكتوبر”، الذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي واحتجاز 251 آخرين رهائن في يوم واحد. وقد حمّلت المعارضة نتنياهو مسؤولية أسوأ إخفاق أمني في تاريخ البلاد، مشيرة إلى أنه دعم “حماس” بالأموال القطرية، وتجاهل التحذيرات الاستخباراتية في شأن مخططات الحركة، ثم عرقل إجراء تحقيق مستقل في ما حدث. وكان آيزنكوت، الذي فقد ابنه واثنين من أبناء إخوته أو أخواته خلال القتال في غزة، شديد القسوة على نحو خاص في انتقاداته، إذ دأب على مهاجمة نتنياهو لرفضه تحمّل أية مسؤولية عن الكارثة. أما رئيس الوزراء ومؤيدوه، فقد تجاهلوا هذه الانتقادات، وألقوا بدلاً من ذلك باللوم على الجيش والأجهزة الأمنية في أحداث “7 أكتوبر”، وروجوا لنظريات مؤامرة مفادها أن هناك ما يسميه المقربون من نتنياهو ومؤيدوه “خيانة من الداخل”، أو أن شخصاً ما داخل إسرائيل ساعد في تسهيل التوغل الخاطف الذي شنته “حماس”.
لكن على رغم تبادل الاتهامات، يتفق الطرفان على الدروس الأساسية المستخلصة من المأساة، وهي أن إسرائيل محاطة بأعداء متعصبين لا يرحمون، وأن الفلسطينيين لا يمكن الوثوق بهم مطلقاً. ويظهر هذا الموقف، جزئياً، نزعة عنصرية صريحة معادية للعرب، باتت أكثر وضوحاً في المجتمع اليهودي الإسرائيلي بعد “7 أكتوبر”، لكنه يمثل أيضاً مناورة انتخابية. فإذا كانت استطلاعات الرأي صحيحة، فسيحتاج آيزنكوت إلى كسب دعم الحزبين العربيين في إسرائيل، ولو ضمنياً، لتشكيل حكومة، ولذلك يحاول نتنياهو استمالة الناخبين الذين، مهما بلغ كرههم الشخصي له، لا يحتملون فكرة قيام حكومة يسهم الفلسطينيون في ضمان استمرارها.
ومن غير المرجح أن تنجح هذه الإستراتيجية في استمالة الإسرائيليين الليبراليين، الذين يرون في هذه الانتخابات الفرصة الأخيرة لإنقاذ وطنهم من الانزلاق نحو الدكتاتورية، ولهذا يعتزم كثير من الإسرائيليين المقيمين في الخارج، بمن فيهم مهاجرون غادروا البلاد بسبب قيادة نتنياهو، العودة لوطنهم والتصويت لمصلحة من سيحل محله، لكن هؤلاء العائدين خصوصاً يوم الانتخابات، والناخبين الليبراليين الذين يتبنون الموقف نفسه، يحتشدون لحماية نمط حياتهم والحفاظ عليه في بلد يزداد تديناً وقومية.
وحتى كثير من الناخبين المعارضين لنتنياهو لن يكونوا راضين عن التحالف مع الأحزاب العربية للإطاحة بالحكومة الحالية، وقلة منهم ستكلّف نفسها عناء التفكير في حل الدولتين، إذ ينظرون إلى هذه الفكرة على أنها من مخلفات تسعينيات القرن الـ 20 المفرطة في التفاؤل. وقد أعلن آيزنكوت، الذي يقود هذه الشريحة من الناخبين حالياً، معارضته الشخصية لقيام دولة فلسطينية، شأنه شأن شخصيات المعارضة الوسطية والمحافِظة الأخرى في إسرائيل. وحده يائير غولان، زعيم الحزب اليهودي اليساري الوحيد في إسرائيل، يؤيد ما يسميه “الانفصال عن الفلسطينيين” والعودة للدبلوماسية، وحتى هو يفتقر إلى خطة لكيفية تحقيق ذلك.
يُجمع الطرفان على أن إسرائيل محاطة بأعداء لا يرحمون، وأنه لا يمكن الوثوق بالفلسطينيين.
ومن ناحية أخرى، فإن رفض البلاد حل الدولتين ليس بالأمر الجديد، فقد جرت آخر مفاوضات مفصلة في شأن إقامة دولة فلسطينية مطلع عام 2001، وانقلبت غالبية الإسرائيليين اليهود على الفكرة بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية وسيطرة “حماس” على غزة عام 2007. وقد هاجم نتنياهو فكرة السيادة الفلسطينية طوال مسيرته السياسية. (وكان تأييده الظاهري والموجز لإقامة دولة فلسطينية عام 2009، مقيداً بشروط كثيرة، وعُد على نطاق واسع موقفاً غير صادق). وبعد السابع من أكتوبر 2023، أصبح رفض هذه الفكرة أكثر حزماً بكثير، فقبل الهجوم، كانت بعض الأحزاب اليهودية الكبرى لا تزال تبدي، ولو ظاهرياً، تأييداً شكلياً لفكرة صنع السلام مع الفلسطينيين، فيما كان سياسيّوها يعبّرون عن انفتاح مبدئي وحذر على التوصل إلى التسوية. أما الآن، فهم إما يرفضونها رفضاً قاطعاً أو يتجاهلون القضية برمتها.
كذلك أصبح المسؤولون الإسرائيليون أكثر عدوانية بكثير، فربما تكون إسرائيل قد تخلت عن تأييد استقلال الفلسطينيين منذ أعوام، لكنها تجنبت، خلال معظم العقدين الماضيين، خوض حروب شاملة وحافظت على الوضع القائم بكلفة منخفضة، وهذا النهج المنضبط، على رغم ما تخلله من جولات متقطعة من القتال مع “حماس”، جعل نتنياهو محبوباً لدى عامة الإسرائيليين، الذين استطاعوا التظاهر بأن الصراع أصبح من الماضي، وتجاهل الفلسطينيين إلى حد بعيد، لكن هذا الموقف تغير عندما عبرت “حماس” الحدود. ومنذ ذلك الحين، تبنت إسرائيل سياستها الحالية القائمة على التدمير والاحتلال، وهي سياسة يتباهى بها نتنياهو في حملته الانتخابية، لأنه يعلم أن قصف إيران وغزو غزة ولبنان وسوريا يحظيان بشعبية كبيرة بين عامة الشعب. وقد أيد أبرز خصوم رئيس الوزراء هذه التكتيكات، ولم ينتقدوه إلا بسبب إخفاقه في تحقيق وعده بـ “النصر الكامل”.
نتنياهو، بدوره، اتهم آيزنكوت بالتساهل مع “حماس” عندما كان عضواً في مجلس الحرب الإسرائيلي، فأوضح آيزنكوت أنه صوّت لمصلحة اجتياح أكثر شراسة مما أقدم عليه رئيس الوزراء في نهاية المطاف. وتعهد آيزنكوت لاحقاً بـ “إنهاء حكم “حماس” في غزة خلال 18 شهراً” في حال انتخابه. ولا يُعد هذا الموقف بالضرورة متشدداً مثل موقف نتنياهو، لأنه يوحي باستعداد للنظر في الوسائل الدبلوماسية للإطاحة بالحركة وتنحيتها عن السلطة. كذلك انتقد آيزنكوت بشدة تعهد نتنياهو خلال حملته الانتخابية بإسقاط النظام الإيراني، وبدلاً من ذلك دعم اتخاذ إجراءات لإخراج اليورانيوم المخصب من إيران وإخضاع برنامجها النووي لنظام تحقق ورقابة، وقال “لا يمكنك إسقاط حكومة من الجو، هذا وهم”. ومع ذلك فقد أيّد قصف إيران لإضعاف قدراتها العسكرية وبرنامجها النووي، حتى وإن اختلف مع نتنياهو في شأن الغاية النهائية من هذه العمليات.
إدارة الغضب
من الواضح أنّ بقية العالم لا تشاطر إسرائيل نظرتها إلى الأمور، بل على خلاف ذلك تماماً، ففي أعقاب تدمير غزة، تُظهر استطلاعات الرأي أن معدلات التأييد الدولي لإسرائيل هبطت إلى مستويات غير مسبوقة، ويذهب سياسيون في كل منطقة إلى أن إسرائيل مذنبة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ويزعم كثر أنها ارتكبت إبادة جماعية، حتى إن بعض أصدقاء إسرائيل يُحذرون من أنها تجاوزت الحدود، ففي يوليو (تموز) 2025، على سبيل المثال، صرّح زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الأميركي، تشاك شومر، بأنه على رغم أن إسرائيل “لها الحق في الدفاع عن نفسها وإنهاء حكم ‘حماس’ المتوحش”، فإن “التقارير والصور الواردة من غزة، التي تُظهر مستويات مروعة من الجوع والتجويع والمعاناة والموت، غير مقبولة على الإطلاق”.
كذلك، تشعر دول أخرى بغضب شديد إزاء توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو أمر لا يمكن تبريره باعتباره رداً على هجوم “7 أكتوبر”، ونتيجة لذلك وصلت العقوبات إلى إسرائيل نفسها، ففي الثامن من سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية غير قانوني، وكشف عن نظام للعقوبات يستهدف المستوطنات والشركات المشاركة في تمويلها وبنائها، وبما أن لندن مركز مالي رئيس، فإن المصارف الإسرائيلية التي تمول مشاريع الاستيطان الكبرى باتت في مأزق.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، لا تزال إسرائيل تحظى بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أيد حملة نتنياهو لإعادة انتخابه، لكن معظم السياسيين في الحزب “الديمقراطي”، بل وحتى عدد كبير من “الجمهوريين”، يرغبون الآن في وقف أو تقييد المساعدات الأميركية، ونقل التكنولوجيا إلى جيش الدفاع الإسرائيلي، ذاكرين استخدام الذخائر الأميركية في تدمير غزة، وكذلك يرغب عدد من كبار مسؤولي الحزب “الديمقراطي” الأميركي في فرض عقوبات على إسرائيل، وإذا سيطر “الديمقراطيون” على أحد مجلسي الكونغرس، في الأقل، خلال انتخابات التجديد النصفي، فقد تتوقف الولايات المتحدة عن منح إسرائيل شيكات على بياض.
من المرجح أن يكسب آيزنكوت دعم مزيد من الشركاء الدوليين، في الأقل لفترة من الزمن
ويعزو الإسرائيليون عموماً هذا الغضب الدولي المتصاعد إلى معاداة السامية، بدلاً من الاعتراف بأن وراءه مخاوف حقيقية في شأن حقوق الفلسطينيين، واستقرار الشرق الأوسط، أو التوزيع السليم للموارد العسكرية، ومع ذلك فهم يدركون عزلتهم المتزايدة ويخشون أن تتعرض بلادهم، بعد الانتخابات، لما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بأنه “تسونامي دبلوماسي”. ويحظى هذا التقييم بإجماع وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسة، ونتنياهو، الذي يزعم أن لا أحد سواه، بفضل إتقانه للغة الإنجليزية ببراعة، قادر على وقف مثل هذا الهجوم، تماماً مثلما نجح في المناورة لمنع إدارة بايدن من فرض أي عواقب حقيقية على إسرائيل بسبب حربها في غزة. وكثيراً ما ذهب “اليمين” الإسرائيلي، وهو مصيب في ذلك، إلى أن إسرائيل تستطيع مواصلة احتلال الأراضي الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من الحقوق المدنية، مع التلاعب بالمجتمع الدولي من خلال “الهاسبارا” (أي الدبلوماسية العامة وجهود الضغط السياسي). أما آيزنكوت، في المقابل، فسيسعى إلى استعادة ثقة العالم من خلال التصريح بوضوح في شأن ما تقبله بلاده، ثم التفاوض بصدق، وهما أمران نادراً ما أقدم عليهما نتنياهو.
ومن المرجح أن ينجح نهج آيزنكوت في كسب تأييد مزيد من الشركاء الدوليين، في الأقل لفترة من الزمن، على غرار ما حدث مع رئيسَي الوزراء الإسرائيليّين السابقَين، إيهود باراك وإسحاق رابين، وكلاهما كان قائداً عسكرياً سابقاً، وتمكّن من إطاحة حكومات حزب “الليكود” عن السلطة، فقد قطع نتنياهو الطريق أمام سبل الحل من طريق سلسلة أكاذيبه المتواصلة، ومن المرجح أن يحصل آيزنكوت على فترة سماح على الساحة الدولية لمجرد أنه أكثر صدقاً نسبياً، وقد يُجري آيزنكوت بالفعل تغييرات ترضي شركاء إسرائيل، مثل إبطاء وتيرة بناء المستوطنات، فهو يعارض المشروع الاستيطاني المثير للجدل “E1″، الذي يهدف إلى شطر أية دولة فلسطينية مستقبلية إلى نصفين، كما تعهّد بمكافحة الإرهاب اليهودي.
لكن آيزنكوت سيخيّب في نهاية المطاف آمال أي مؤيدين لإسرائيل في الخارج، إذا كانوا يتوقعون تراجعاً جذرياً عن سياسات نتنياهو الخارجية وسياساته تجاه الفلسطينيين، وحتى لو غيّر رأيه إلى حد ما في قيام دولة فلسطينية، وهو ما يُصرّ على أنه لم يؤيده قط، فإن ائتلافه الحاكم سيُقيد هامش حرية تحركه بشدة، فكتلته السياسية تستند إلى حزبين يمينيين يعارض زعيماهما بشدة حل الدولتين، ولا يثقان بالفلسطينيين. بل إن أحدهما، أفيغدور ليبرمان، يريد تفكيك السلطة الفلسطينية وإحضار الأردن لحكم الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية (وهي فكرة رفضتها عمّان منذ عقود). ومن شأن هذين الحزبين إسقاط حكومة آيزنكوت إذا أبدى انفتاحاً على قيام دولة فلسطينية.
تتغير الوجوه ويبقى الحال على حاله
تشير استطلاعات الرأي إلى أن الانتخابات المقررة في الـ 27 من أكتوبر الجاري ستكون محتدمة للغاية، والنتائج متقاربة. وفي الواقع، إذا صحت هذه الاستطلاعات، فلن يتمكن أي من آيزنكوت أو نتنياهو من الحصول على غالبية مطلقة. ومن المرجح أن تشهد البلاد فترة من المساومات السياسية المكثفة، إذ يسعى كلا الطرفين إلى استمالة حلفاء الآخر، وقد يحاول نتنياهو إقناع آيزنكوت نفسه بالانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، في مقابل تعهده بتجميد خطته للإصلاح القضائي أو حملاته الأخرى المرتبطة بالصراعات الثقافية. (على رغم أن آيزنكوت رفض بصورة قاطعة فكرة العمل تحت قيادة نتنياهو، حتى في إطار نظام التناوب على رئاسة الوزراء، لكن التراجع عن المواقف السابقة يُعد سمة متكررة في سياسة الائتلافات في إسرائيل). وثمة احتمال آخر وهو فشل المفاوضات، مما قد يؤدي إلى العودة لصناديق الاقتراع بعد وقت قصير جداً، ولن تكون هذه سابقة من نوعها حين تخفق انتخابات إسرائيلية في تشكيل حكومة قادرة على الاستمرار، فقد شهدت البلاد خمسة انتخابات عامة خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2022، قبل أن يتمكن القادة السياسيون من تشكيل ائتلاف قادر على الصمود في السلطة لأكثر من 12 شهراً.
ولكن، بغض النظر عن النتيجة، سواء كانت حكومة تصريف أعمال برئاسة نتنياهو، أو حكومة غالبية بقيادته، أو حكومة وحدة وطنية، أو حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت تحظى بدعم الأحزاب العربية، أو حتى حكومة غالبية برئاسة آيزنكوت، فإن رئيس وزراء إسرائيل المقبل سيواصل احتلال أجزاء من أراضي الدول المجاورة، وممارسة القمع المنفلت العقال بحق الفلسطينيين. ونتيجة لذلك، سيجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع عزلة إسرائيل المتزايدة عن بقية العالم.
وفي نهاية المطاف قد تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى إنفاق مبالغ أكبر على إنتاج الأسلحة محلياً، كبديل للأنظمة العسكرية التي كانت تمولها الولايات المتحدة، وإلى بذل جهود حثيثة للالتفاف على القيود المفروضة على تصدير المعدات العسكرية، والسلع ذات الاستخدام المزدوج (على غرار ما تفعل إيران وروسيا الخاضعتان للعقوبات اليوم، وما فعلته إسرائيل نفسها خلال أعوامها الأولى). وقد تواجه إسرائيل أيضاً أكبر مخاوفها، وهو فقدان حق النقض الأميركي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو الدرع الذي كثيراً ما حمى احتلالها من الإدانة الدولية منذ عام 1967، حتى في عهد رؤساء ديمقراطيين انتقدوا السياسيات الإسرائيلية، مثل جيمي كارتر وباراك أوباما.
وقد لا تكون هذه هي النتيجة التي يرغب فيها الإسرائيليون فعلياً، لكن ما لم يحدث تحوّل جذري في طريقة تفكيرهم في مشكلاتهم، فهم يندفعون حتماً نحو هذا المصير، ويتعاظم هذا الاحتمال تحديداً إذا ظل نتنياهو وشركاؤه في السلطة، ففي هذه الحال، لن ينتظر الإسرائيليون الأكثر ليبرالية، ليروا مدى قسوة العقوبات التي قد يفرضها العالم على بلادهم، بل سيغادرونها بحثاً عن مكان أكثر هدوءاً، يستطيعون فيه مواصلة العيش وفق نمط الحياة الذي يريدونه.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2026
