نتيجة للتحديات والتوترات التي تواجهها المنطقة امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية بالقصائد الحربية للشاعر خلف بن هذال العتيبي وجرت استعادته على شكل غير معهود، وتداول الناس قصائده المستعصية على الموت بحماس منقطع النظير، في تعبير عن علاقة وجدانية بين الناس وشعر يجدون فيه شيئا من ذاكرتهم ومشاعرهم وصورتهم عن أنفسهم.
ليس الشعر العظيم حكرا على لغة بعينها، ولا تمنحه الفصحى قيمته الأدبية لمجرد أنها فصحى، كما لا تسلبه العامية هذه القيمة لمجرد أنها عامية. فالشعر يستمد منزلته من قدرته على هز المشاعر وابتكار الصور، وتوليد المعاني، والكشف عن التجربة الإنسانية، والتأثير في وجدان الجماهير الذين يتلقونه. وقد يكون شاعر شعبي أقرب إلى روح شعبه، وأقدر على التعبير عن عالمه، من شعراء كثيرين يكتبون بلغة الأدب الرسمية. نحن أمام شاعر لم تكتف الجماعة بحفظ شعره، بل جعلت منه نارا تشعل ما في النفس من بارود. وحين تتردد قصائده، فإنها تستثير عاطفة حاضرة، وتمنح الحماسة والفخر والاعتزاز صوتا شعريا بالغ القوة.
الشعر هو إحدى الوسائل التي ترسم بها الشعوب ملامحها، وتحفظ بها تجاربها وتاريخها، وتمنح ماضيها حضورا في وجدان الأجيال المتعاقبة. فالشاعر يعيد صنع عالمه باللغة، حتى يصبح عالما يستطيع الآخرون أن يسكنوه بخيالهم وعواطفهم.
وقد أدرك الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هذه الوظيفة العميقة للشعر عندما وجد في قصائد هولدرلين أكثر من تعبير أدبي عن تجربة فردية. فقد رأى أن الشعر يستطيع أن يكشف للإنسان عالمه، وأن يمنحه طريقة للإقامة غير الحسية. والمقصود أن الشاعر يجعل الأشياء المألوفة تظهر في ضوء جديد، ويعيد إلى اللغة قدرتها على الكشف عما اعتدنا المرور به دون انتباه.
واللافت أن شعر خلف يحتفظ بهذه القدرة على التأثير رغم التحولات العميقة التي شهدها المجتمع السعودي عبر العقود. فالأجيال التي لم تعش حياة البادية، ولا تعرف من ظروفها إلا القليل، تجد نفسها منجذبة إلى لغته وصوره واهتزازه أمام المايكروفون. وهذا يدل على أن القصيدة تستطيع أن تتجاوز البيئة التي نشأت فيها عندما تلامس شيئا أعمق في التجربة الإنسانية، إنها العودة إلى التاريخ.
إنه يشارك في توليد المشاعر وتصعيدها. فالقصيدة التي تثير الحماسة تجعل المستمع يعيش شيئا من قوتها. وهنا يتحول الشعر من أثر أدبي نتلقاه إلى طاقة وجدانية فاعلة. ومن زاوية أخرى، أعتقد أن سر القوة في شعر خلف يكمن في بداوته. والمقصود بالبداوة هنا ذلك البناء النفسي والأخلاقي الذي يتجلى في قصائده. فالشخصية التي يقدمها الشاعر هي شخصية البدوي القوي الذي حسم أمره، وعرف موقعه من العالم، ولم يعد مترددا بين الخيارات عندما تحين لحظة المواجهة. إنها شخصية ترى أن الكرامة تستحق التضحية، وأن الخوف لا ينبغي أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة. وقوته هنا هي قوة الحسم الداخلي.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا يجد كثير من السعوديين أنفسهم في هذه الشخصية الشعرية. إنها تقدم نموذجا مثاليا للشجاعة والثبات والوفاء. وهذا النموذج، وإن استمد ملامحه من العالم البدوي، يستطيع أن يتجاوز حدوده ليصبح صورة من صور الاعتزاز الوطني.
وتتجلى بداوة شعر خلف في اللغة التي يستخدمها، وفي طبيعة الصور التي يبني بها عالمه الشعري. فهي لغة تنتمي إلى بيئة لا تزال موجودة. ولذلك تبدو الصور عناصر حية في بناء المعنى. فالصحراء ليست منظرا طبيعيا وحسب، والرحلة ليست انتقالا مكانيا فحسب، والمواجهة ليست حادثة عابرة. إنها تنتمي إلى تصور للإنسان يقوم على الصبر والاحتمال والثبات. وتنبع الطاقة الشعرية من قدرة اللغة على نقل هذه التجارب الحسية إلى معان إنسانية أوسع.
غير أن البداوة وحدها لا تصنع شاعرا كبيرا، فليس كل شعر بدوي قويا. وإنما تكمن موهبة خلف في قدرته على تحويل هذا العالم إلى بناء شعري له إيقاعه وصوته وشخصيته المميزة. ومن هنا ينبغي أن ننظر إلى ألفاظه وتشبيهاته وطريقة بنائه للمشهد الشعري، بوصفها وسائل فنية تصنع التأثير أكثر مما هي شواهد على بداوته.
إن أهمية خلف بن هذال تكمن في أنه استطاع جعل اللغة البدوية وسيلة للتعبير عن وجدان وطني معاصر. فقد انتقلت الشخصية البدوية في قصائده من إطارها الاجتماعي القديم إلى فضاء أوسع، وأصبحت نموذجا رمزيا يستطيع السعوديون استحضاره في لحظات الفخر والتحدي. وهنا تتجلى إحدى قدرات الشعر الكبرى، أن يحفظ عالما آخذا في التحول، دون أن يحوله إلى أثر جامد من الماضي. فالشعر يمنح ذلك العالم حياة جديدة في اللغة، ويتيح لأجيال مختلفة أن تعثر فيه على معان تخص حاضرها.
ولذلك، عندما يردد السعوديون قصائد خلف بن هذال في هذه الأيام بكل هذا الحماس الذي تضج به المنصات، فإنهم يستحضرون صورة للإنسان الذي يجدون شيئا منه في أنفسهم: إنسان يعرف ما يريد، ويعرف ما يستحق الدفاع عنه، ولا يتردد عندما يحين وقت الاختيار.

