في لحظات التحول الكبرى، لا يعود استحضارُ الفلاسفة تمريناً في الحنين إلى الماضي، بل يصبح سؤالاً عمّا تبقّى للبشرية من حكمة وهي تَعبر عالماً تتسارع فيه الاختراعات وتتعمق فيه الانقسامات. ولعل أبا الوليد بن رشد، الذي أبصر النور في قرطبة سنة 1126؛ أحدُ أقدر مفكري التاريخ على مخاطبة هذا القلق المعاصر. فبعد 9 قرون من ميلاده، لا نستعيد اسمَه لنزيّن به ذاكرة الحضارة، وإنما لنستعيد شجاعةَ التفكير، وأخلاقَ الاختلاف، والإيمانَ بأن الإنسان يستطيع أن يجعل من عقله جسراً لا جداراً.
وبعد أيام، ستتجدد هذه الرسالة من قرطبة نفسها، حيث تنظم «رابطة العالم الإسلامي» و«تحالف الأمم المتحدة للحضارات»، بشراكة مع جهات ثقافية، لقاءً دولياً عن ابن رشد بوصفه «فرصة متجددة للعقل». ويكتسب الحدثُ دلالةً تتجاوز الاحتفاء برمز أندلسي؛ إذ يلتقي فيه صوتان مؤسسيان يدعوان إلى الحوار بين الأديان والثقافات، في زمن تُستعمل فيه الانتماءات أحياناً لإقامة الحواجز بدل بناء الثقة. وما أجمل أن تعود قرطبة، بعد 900 عام، إلى طرح السؤال الذي شغل أحد أعظم أبنائها: كيف نعيش مختلفين من دون أن نصبح أعداء؟
لم يكن ابن رشد فيلسوفاً منعزلاً عن قضايا مجتمعه؛ فقد جمع بين الفقه والقضاء والطب والفلسفة، ورأى في إعمال النظر مسؤوليةً معرفيةً وأخلاقية. وفي دفاعه عن إمكان التوافق بين الحكمة والشريعة، قدم درساً يتجاوز سياقه التاريخي: ينبغي ألا يُختزل الإيمان في الخوف من السؤال، ولا أن يتحول العقلُ ذريعةً لاحتقار المعتقد. ولذلك تظل مؤلفاتُه، وفي مقدمتها «فصل المقال» و«تهافت التهافت»، شاهدةً على قيمة «البرهان» و«المناقشة النقدية»، لا بوصفهما ترفاً نخبوياً، بل بصفتهما شرطَين لتقدم المعرفة.
ولم تتوقف رحلته الفكرية عند حدود الأندلس. انتقلت شروحه ومناقشاته للفلسفة اليونانية إلى العالمَين اللاتيني والعبري، وأسهمت في إغناء الجدل الفلسفي الأوروبي. ومن قرطبة، التي وُلد فيها، إلى مراكش، التي توفي بها، تمتد جغرافيا رمزيةٌ تصل ضفتي المتوسط، وتُذكّر بأن الحضارات لا تنمو في العزلة؛ فهي تتقدم حين تعترفُ بما أخذته من الآخرين وبما تستطيعُ أن تمنحهم إياه، وحين تَجعلُ الترجمةَ والمعرفةَ والاعترافَ المتبادلَ وسائلَ لتقريب الشعوب. وهذا الدرس أشد إلحاحاً اليوم؛ لأن الذاكرة المشترَكة لا تُلغي جراح التاريخ، لكنها تَمنع تحويلها أحكاماً أبدية على الشعوب والأديان.
لكن استلهام ابن رشد اليوم يقتضي أكثر من استعادة أمجاده. فنحن نعيش مفارقة مدهشة: تتضاعف المعلومات، بينما تضيق أحياناً مساحات الفهم؛ وتصل المنصات الرقمية بين القارات، لكنها قد تزرع الشك والكراهية داخل المجتمع الواحد. أما الذكاء الاصطناعي فيفتح آفاقاً واعدة للعلم والتنمية، ويثير في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالإنصاف والحرية وكرامة الإنسان. وهنا لا تكفي براعة الآلات؛ بل نحتاج إلى عقل ناقد يسائل الغايات، وإلى ضمير أخلاقي يضع الإنسان قبل المصلحة والسرعة والربح.
وهذا ما سعينا إلى تأكيده في فاس خلال المنتدى الدولي بشأن «مستقبل الحضارة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي عُقد يومي 27 و28 أبريل (نيسان) 2026، بمبادرة من «الجامعة الأورومتوسطية» في فاس بالمغرب عبر «كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات»، وبشراكة مع «رابطة العالم الإسلامي» و«تحالف الأمم المتحدة للحضارات». لقد شدد «نداء فاس» على أن قيمة الابتكار تقاس بما يصونه من كرامة، وما يتيحه من عدالة، وما يفتحه من أفق للسلام؛ وهي مبادئ تجعل الحوار بين فاس وقرطبة حواراً بين ذاكرة العقل ومسؤولية المستقبل.
إن الأسرة الإنسانية الواحدة ليست شعاراً عاطفياً يُرفع في المؤتمرات، بل مشروعٌ يتطلب تربيةً على التفكير الحر، ومؤسساتٍ تحمي التعدد، وسياساتٍ ترفض تحويل الخلاف الثقافي والديني صراعاً محتوماً. و«بيتنا الأرضي» المشترَك لن يكون آمناً إذا ظلت المعرفة حكراً على الأقوياء، أو تُرك الضعفاء خارج ثمار التقدم.
إن عقلانية ابن رشد تدعونا إلى تواضع حضاري يعترف بأن الحقيقةَ لا يحتكرها شعب، وأن كرامةَ الآخر جزءٌ من كرامتنا. وهي تُذكّرنا أيضاً بأن الحوار لا يعني ذوبان الخصوصيات، بل إقامة مساحة أخلاقية يتساوى داخلها البشر في حق الاحترام والأمل.
حين تلتقي قرطبة بروح هذا المشروع في الأيام المقبلة، فسيكون الاحتفاء الحقيقي بابن رشد أن نجعلَ من إرثه التزاماً عملياً: أن نُعلّم أبناءنا السؤال قبل التعصب، وأن نختار الحجة بدل الإقصاء، وأن نجعل التكنولوجيا في خدمة الحياة لا العكس. بعد 9 قرون، يظل الدرس واضحاً: لا مستقبلَ لحضارة تستغني عن العقل، ولا معنىً لعقل يفقد إنسانيته، ولا سلامَ لعالَم ينسى أنه بيت واحد لجميع أبنائه.

