يقف فخري كريم في هذا الجزء من شهادته، في الغرفة التي ولدت فيها محاولة سحب الثقة من نوري المالكي. كان ممثل جلال طالباني إلى طهران، وجليسه في عشاء العمل الذي طرح فيه السؤال أول مرة، والوسيط الذي حمل الهواجس والضمانات بين الرئيسين طالباني ومسعود بارزاني، ثم كاتب الرسالة التي خرج بها القادة من أربيل. وفي طهران سمع من قاسم سليماني الجملة التي تختصر موقفها كله: «اعمل أنت على هذا الخيار وسندعمك»، ومعها الشرط الذي يفرغها من معناها: «أن يبقى المالكي إلى نهاية ولايته».
الرجل الذي كان يكتب كل يوم مطالباً بعزل المالكي، تردد حين صار عليه أن يكتب الوثيقة، وقال للطالباني إنّ «الكتابة شيء، ومثل هذا القرار الذي نسعى لإمراره شيء آخر». ثم سأله السؤال الذي بقي معلقاً فوق اللقاءات كلها: ماذا لو اتصل قاسم سليماني؟ فجاءه الجواب: «يمكن أن نخنق». بين الكتابة والقرار، وبين أربيل وطهران، تبدأ في هذا الجزء الحكاية التي يسأل عنوان كريم عن خاتمتها: من أحبطها؟
«اعمل أنت على هذا الخيار وسندعمك»
انتهى الطالباني، على ما مر في الجزء السابق، إلى أن تبنيه لولاية المالكي الثانية كان خطأ. وقبل أن يتجه إلى البرلمان، حمل هذه الخلاصة إلى الرجل الذي ضمن تعهدات المالكي حين جددت له تلك الولاية. يقول كريم: «طلب مني الرئيس آنذاك السفر إلى طهران واللقاء بالجنرال قاسم سليماني، ووضعه في صورة ما انحدرت إليه الأوضاع في البلاد على يد المالكي وفريقه، وتخليه الكامل عما قطعه من تعهدات، وتذكيره بما تعهد به في لقاء سابق من ضمان التزام المالكي بالاتفاقات المعقودة وحماية الحقوق الدستورية والشراكة الوطنية، ومسؤوليته الشخصية عن معالجة أي إخلال بذلك من قبل المالكي».
اللقاء السابق يعود إلى أيام تشكيل الحكومة في 2010، وتحدث فخري كريم عنه في الأجزاء السابقة من الشهادة.
كان آخر ما حمله كريم من سليماني رسالة إلى الرئيسين طالباني وبارزاني
جاء رد سليماني الأول تكراراً لما قاله من قبل. يقول كريم: «في رده أعاد الحاج سليماني هذه المرة أيضاً التأكيد على مسؤوليته عن تقويم الوضع، والتعهد ببذل أقصى الجهود لثني المالكي عن مواصلة نهجه وسياساته المتعارضة مع ما تتطلبه الشراكة والتعاون مع الكرد بوجه خاص، والاستجابة لما نطرحه من مطالب وتوجهات!».
ثم انتقل كريم إلى ما حمله من الرئيس طالباني: «استأذنته بوضعه في مضمون رسالة الرئيس مام جلال، فتناولت بالتفصيل مظاهر الفساد التي تجاوزت كل توقعاتنا، وبوتائر متسارعة، بحيث لم يسلم منها أي مفصل من أركان الدولة، ولا حتى حواشي المجتمع الرخوة التي باتت تتآكل بفعل الفساد والتعديات، ويتحول بعضها إلى حواضن للفساد والإرهاب، مما أدى إلى انحدار أوساط متزايدة من المواطنين نحو فقدان الثقة والأمل والإحباط اليائس».
يضيف: «أذكر أنه كان يتابع باهتمام عرض رسالة الرئيس، لكنه قاطعني في جانب منه ليقول: دعنا نتوقف عن الحديث عن الفساد ومظاهره، فأنا أعرف تفاصيل أكثر مما استعرضته أنت، وقد يستغرق تناولها كل وقتنا. وانتقل إلى مطالبتي بتطمين المام جلال طالباني والأخ مسعود بأنه سيفي بوعده!».
مضى كريم في عرض رسالة الرئيس: «ثم تابعت عرض ما يراه الرئيس من عواقب السياسات الحالية ونهج المالكي وانعكاسها على العملية السياسية، وما يراه ضرورياً الانتباه له من مظاهر تدهور الأوضاع في البلاد، واستشراء الفساد، وانفلات السلاح خارج الدولة، والاعتداءات المتكررة على المواطنين وممتلكاتهم، وما تتعرض له المنتديات المدنية والحريات العامة والخاصة من انتهاكات».
أضاف إليها ما جربه بنفسه مع رئيس الوزراء: «ذكرت له أنني بذلت أقصى ما أستطيع من جهد لإثارة انتباهة مسؤولة منه، عبر اللقاءات المباشرة بتكليف من الرئيس، وعبر الاتصالات التلفونية ومناشدته التراجع عن هذا النهج المضر، لكنني لم ألق منه سوى الدعوة إلى الصبر!». الضمير في «منه» يعود إلى المالكي، والدعوة إلى الصبر هي «اصبر علي»، الجواب الذي ظل المالكي يرد به على تحذيرات كريم، على ما مر في الجزء الحادي عشر.
تجنب حدوث فراغ سياسي
عند هذا الحد كشف سليماني عن الصيغة التي جاء بها. يقول كريم: «أعاد التأكيد ثانية على تفهم الصديقين جلال ومسعود لتعقيدات الوضع، والمخاطر التي تحدق بالعراق، والتآمر الذي يستهدفنا جميعا، وهو ما يتطلب التأني وتجنب حدوث فراغ سياسي بتغيير المالكي. وهذا يقتضي استمراره حتى نهاية ولايته، وسوف نعالج الخروقات، ولن يبقى في الحكم بعد ذلك».
لم يقبل كريم بالتأجيل: «قلت له إن الوضع لا يتحمل مثل هذا التأجيل، إذ لم يعد أي طرف في العملية السياسية، حتى بين الفرقاء الشيعة، لديه الثقة بالمالكي وإمكانية تقويمه. وهم يرون أن الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً، وإعادة نظر في العملية السياسية، واستعادة ثقة العراقيين».
ثم تغيّرت نبرته. يقول كريم: «بعد ذلك طلب الانتقال إلى تناول الفطور ومواصلة ما أريد طرحه ومناقشته. وسألته: هل يتسع صدرك لنقاش حول فهمنا المشترك لهذا العراق الجديد، وما ينتظره من مستقبل؟ ابتسم وأجاب: من دون شك، ولكن أرجو ألا يكون الحديث عن الخمور، كما تفعل في لقاءاتك التلفزيونية!».
حمل كريم هذه الهواجس إلى الطالباني: التقيت بالرئيس، ونقلت له هواجس الأخ مسعود، والقلق من أن يتعقد المشهد بما يدفع إلى التراجع
كانت الدعابة تحمل رسالة، أنّ في طهران من يتابع ما يقوله كريم على الشاشات. ورد كريم بأن الخمور عنده باب إلى مسألة أوسع تتعلق بالحريات، فيروي: «قلت له: يا حاج، أنا لا أشرب، لا لاعتبار ديني، مع احترامي لكل مؤمن متدين، وإنما يأتي حديثي عنها في سياق الحديث عن الحريات العامة، وخصوصيات الحرية الشخصية للمواطنين التي يكفلها الدستور: الحرية في لباسهم وحلاقتهم ومسراتهم غير الفاحشة. أنا واثق أنك تابعت تحطيم صالونات الحلاقة وبعثرة محتوياتها والاعتداء على الحلاقين، وغلق نادي اتحاد الأدباء والنوادي الاجتماعية، وعشرات المظاهر التي تتعلق بالحريات الشخصية التي أباحها الدستور». وهي الوقائع نفسها التي مرت في الجزء الحادي عشر، حين أغلقت النوادي في بغداد ومنعت الخمور في الأسابيع الأخيرة من 2010، وخرج المثقفون محتجين.
ماذا تريد الجمهورية الإسلامية من العراقيين والعراق؟
لم يترك سليماني دعابته: «أعاد تقديره لي، وكم أستطيع أن أكون مؤثراً إذا توقفت عن تناول مثل هذه الأمور، وخصوصاً قضية الخمر. أجبته: يا حاج، أتعهد أن أكسر كل ما عندي من زجاجات يشتبه أنها تحوي خموراً، إذا رأيت أنها ستحل الأزمة التي تواجه شعبنا ووطننا».
بهذا الجواب الساخر أغلق كريم باب الخمور، وفتح موضوعاً آخر: «وهنا عدت إلى الموضوع الذي رأيت أن أثيره معه. سألته بمودة خالصة: هل أستطيع كصديق أن أعرف ماذا تريد الجمهورية الإسلامية من العراقيين والعراق؟ هل يراد له أن يكون كياناً ضعيفاً متخلفاً منقوص السيادة، أو عراقاً ملحقاً بالجمهورية الإسلامية، أم العراق الذي نتطلع نحن العراقيين إلى استكمال بنائه: عراقاً ديمقراطياً اتحادياً مدنياً معافى، قوياً ومتطوراً، سيد نفسه، صديقاً وحليفاً للجمهورية الإسلامية؟». ويقول كريم إن سليماني أجاب «مع التشديد: الخيار الأخير!».
يروى كريم: «في أربيل جرى اللقاء الأول بين الزعيمين، طالباني وبارزاني، بحضور الأخ نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم
غير أن الجواب لم يقنع كريم: «قلت له: ولكن هذا الذي يجري في العراق اليوم لا يلتقي ولو بالحدود الدنيا مع ما يتطلبه هذا الخيار. كيف يمكن حتى بناء شبه دولة مع المالكي وهادي العامري (رئيس فليق بدر سابقاً) وأشباههما ممن يتصدرون المشهد السياسي، ويستقوون علينا بسلاحهم المنفلت وبالمال المنهوب والنزوع الإجرامي، وبكل ما يتقاطع مع هذا الخيار شكلا ومضمونا؟».
يضيف: «فاجأني وهو يجيب، مع ابتسامة موحية: اعمل أنت على هذا الخيار وسندعمك!… ويتابع: «مازحته أيضاً بالقول: سيادتك تعرف أنني شيوعي، أشجع على شرب الخمر وإن لم أشرب. وإذا كنت جاداً فأنا لا أصلح لهذه المهمة، ولست في وارد تبوؤ أي مسؤولية. وأصارحك بمودة أن من يستطيع أن يساعدنا هو أنتم، بدءاً من عدم عرقلة إزاحة المالكي، وإنهاء تسلطه وانفراده بحكم البلاد ودفعه باتجاه الخراب الكامل، ومن خلال نفوذكم بتمكين العراقيين من اختيار طريق تطورهم الوطني!».
لا تنقل الشهادة جواباً عن هذا الطلب. كان آخر ما حمله كريم من سليماني رسالة إلى الرئيسين طالباني وبارزاني: «قال لي: أرجو نقل احترامي للرئيسين وطمأنتهما بأنني عند وعدي في إصلاح الأمور، وكذلك ما أخذناه على عاتقنا، أن تكون هذه الدورة آخر عهد للمالكي. وأرجو منكم جميعاً أن تنتبهوا إلى أنّ المؤامرة التي تحاك الآن لشرخ صفوفكم وإحداث فراغ وانسداد سياسي تستهدف الكرد والشيعة معاً، كما أكدت لكم عشية الاتفاق على تشكيل الحكومة برئاسة المالكي بمبادرة الرئيس مسعود بارزاني في اجتماع أربيل. إن مصير الكرد والشيعة لا ينفصل». والمقصود باجتماع أربيل هنا هو اتفاقية أربيل في تشرين الثاني 2010، التي جددت للمالكي ولايته.
عاد كريم بخلاصة قصيرة: «عدت من دون أن يتغير شيء. لقد ازداد المالكي عتواً وغطرسة، وإمعاناً في تخريب العملية السياسية، وإشاعة الفرقة والانقسام بين قواها، حتى داخل الصف الشيعي وائتلافه الذي صار أكثر تصدعا». بهذا أغلق باب طهران، وانفتح الطريق إلى مبادرة البارزاني.
قرأ الطالباني التردد على وجهه: «قال لي: أشعر أنك لست متحمساً، مع أنك لم تتوقف عن الكتابة اليومية التي تتناول فيها المالكي ونهجه وتطالب بعزله»
من مبادرة البارزاني إلى حساب الأصوات
أغلق باب طهران، وبقي السؤال: كيف يلجم رئيس الوزراء؟
يقول كريم: «لم تنفع المحاولات العديدة في العودة إلى مسار يفضي إلى تجاوز الأزمة التي فاقمها إمعان رئيس مجلس الوزراء وطاقمه القيادي في نهجه وسياساته على كل صعيد، بالضد من الدستور والتوافقات. وتزايدت الدعوات من مختلف الفرقاء إلى لقاء عاجل، والبحث في السبل الكفيلة بمواجهة مخاطر الانحدار إلى مستويات تنذر بالانفجار».
يقول كريم: «عبّر الرئيس مسعود البارزاني، في اتصال مع المام طالباني، عن قناعته بلا جدوى الاتكال على تراجع المالكي، وبأن الأسوأ هو المنتظر، مما يمكن أن يعمق أزمة الحكم، ويضع الجميع أمام خيارات ليست لصالح أي طرف، وقد تلحق بنا جميعاً أضراراً فادحة. ودعا إلى لقاء تشاور بينهما، تمهيدا للقاء تشاوري يضم قادة العملية السياسية».
كان البارزاني قد جهر بهذه القناعة في تلك الأيام. ففي مقابلة مع صحيفة “الحياة” نشرت في 8 نيسان 2012، بعد عودته من واشنطن، قال إنّ العراق يتجه نحو كارثة وعودة إلى الدكتاتورية، واعترض على إمساك المالكي بوزارتي الدفاع والداخلية والملف الاستخباري إلى جانب القيادة العامة للقوات المسلحة، وأعلن أنه سيدعو قادة العراق إلى اجتماع.
يروى كريم: «في أربيل جرى اللقاء الأول بين الزعيمين، طالباني وبارزاني، بحضور الأخ نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم، وتركز الحديث حول مختلف جوانب الأزمة، والعلاقة المتوترة حد المواجهة مع الإقليم، وتناول في جانب آخر منه كيفية مواجهة المالكي وردعه. وجرى الاتفاق بين الزعيمين على دعوة قيادات الأطراف المعنية بالعملية السياسية إلى اجتماع تداولي حول الوضع، وتدارك تداعياته السلبية، ودرء تفاقم الأزمة وانسداد الأفق».
في هذه الجملة يتكلم الطالباني زعيماً لحزب في السليمانية أكثر مما يتكلم رئيساً للجمهورية
التواصل مع الصدر
يضيف: «وفي إطار مبادرته، ذكر الرئيس مسعود أن جهداً سيبذل مع السيد مقتدى الصدر للمشاركة في الاجتماع. وقد كلف نيجيرفان بالسعي، خلال زيارته إلى إيران، إلى ترتيب لقاء بالسيد مقتدى الصدر، ودعوته إلى أربيل للمشاركة في القمة السياسية المرتقبة مع قادة الصف الأول في الأحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية، المناوئة لنهج المالكي وسياساته وخرقه للدستور».
كان الصدر يقضي أغلب وقته في إيران منصرفاً إلى الدراسة الدينية. وقد وصل إلى أربيل في 26 نيسان 2012 بطائرة خاصة من طهران، واستقبله البارزاني في المطار، في أول زيارة له إلى الإقليم.
في مساء اليوم الذي التقى فيه الزعيمان، انتقل الحديث إلى ما هو أبعد من التشاور. يواصل كريم روايته قائلا: «في المساء اتصل بي المام طالباني وطلب حضوري لتناول العشاء معه. وحين ذكرته بأنني لا أتعشى، ضحك وقال: عشاء عمل، أنت لا تأكل، فقط تسمع وتعلق! فوجئت أنه يطرح علي تساؤلاً حول رأيي بسحب الثقة من المالكي في الاجتماع المزمع عقده، بعد حضور القادة وتشريف السيد الصدر!».
لم يكن موقف كريم من المالكي موضع تردد. يقول: «طبعاً صار موقفي واضحاً من نهج المالكي التدميري، بعد كل ما جرى، وفشل جميع المساعي المبذولة، بما في ذلك وعود الحاج قاسم سليماني، التي كان من المفترض أن تضع حداً لسلوكه»، وهي الوعود التي حملها كريم من طهران ونقلها إلى الزعيمين.
مع ذلك جاء جوابه حذراً: «كان جوابي أن هذه خطوة في غاية الأهمية، لكنها خطيرة، تحتاج إلى دراسة من مختلف الجوانب، وليس الاقتصار على اللقاء والاتفاق على الوجهة، وإنما تتطلب حسابات دقيقة، ومدى جدية التزام الجميع بالموقف، وخلاف ذلك ستكون المحاولة مغامرة سياسية، ستكلف البلاد والشعب في حالة إخفاقها نتائج وخيمة». لم يترك الطالباني هذا الحذر بلا جواب. يقول كريم: «قال المام: وما الحسابات التي تدفع إلى مثل هذه الخشية؟ دعنا نتوقف عندها وندقق الخطوات».
منذ تلك اللحظة انتقل القرار إلى يد الطالباني، الرجل الذي رهن استقالته عند البارزاني ضمانة ألا يتراجع
ثم عدّ طالباني القوى التي يراهن عليها:
«أولاً: إننا ككرد مشاركون بفعالية، وأنت تعرف جيداً موقف الأخ مسعود وحماسته في التصدي للمالكي.
ثانياً: المشاركة القوية للعراقية بكل مكوناتها من القيادات السنية.
ثالثاً: مشاركة السيد مقتدى الصدر، الذي سيبعد الشك حول اعتبار اللقاء مواجهة مع الشيعة.
رابعاً: سيحضر السيد عمار الحكيم، لأنه كان معارضاً من الأساس لدورة ثانية للمالكي، وإذا تعذر حضوره سيحضر الدكتور عادل عبد المهدي بالإنابة عنه.
خامساً: سيحضر الدكتور أحمد الجلبي، وهو من مكونات الائتلاف الوطني.
أعتقد أنّ هؤلاء يشكلون أكثرية القوى في البرلمان دون شك، إذا كان الأمر يتعلق بحسابات موازين القوى والتصويت البرلماني».
كانت الأرقام في صالحه
على الورق كانت الأرقام في صالحه. فسحب الثقة يحتاج إلى 163 صوتاً من 325، وكانت للقائمة العراقية يومهاً نحو 86 إلى 89 مقعدًا، وللتحالف الكردستاني 43، وللتيار الصدري نحو 40، أي ما يتجاوز النصاب بقليل قبل احتساب الحكيم والجلبي. غير أن هذا الهامش الضيق كان معلقاً كله بما يستقر عليه قرار السيد الصدر.
هذا ما التقطه كريم: «قلت له: علينا انتظار وصول السيد الصدر وجدية مشاركته، وما إذا كان مجيئه من إيران يعني موافقة ضمنية من القيادة الإيرانية على ما يجري التحضير له في أربيل، وصار معروفاً عبر وسائل الإعلام».
لم يرد كريم أن يكون هو حامل الورقة: اقترحت عليه أن يقدمها له بنفسه، في اجتماع اقترحت أن يعقد غداً صباحاً هنا في مقر إقامته
أصاب السؤال موضع الضعف. فالصدر جاء إلى أربيل من طهران، وكان قد التقى المالكي هناك في الأسبوع نفسه، وقال في اليوم التالي لوصوله إنه يدعو إلى دعم الحكومة لا إلى إسقاطها، بشرط أن يشارك فيها العراقيون جميعاً. وسيلازم هذا الغموض الصدري مسعى سحب الثقة إلى نهايته.
الاستقالة المودعة
خرج كريم من العشاء بتكليف: أن يعرف رأي البارزاني. يقول: «طلب مني طالباني جس نبض الأخ مسعود ومعرفة ما يراه، مع أنني متأكد من موافقته بحماس على تبني أي توجه لإزاحة المالكي». غير أن حماسة البارزاني جاءت مشروطة. يقول كريم: «التقيت بالرئيس مسعود، وطرحت عليه وجهة الرئيس في طرح سحب الثقة من المالكي في اللقاء المرتقب. كان مسعود مع التوجه من دون شك، لكنه ظل متوجساً من احتمال انتكاسة نتعرض لها إذا اضطر الرئيس، لسبب ما، إلى التراجع عن مثل هذا القرار».
يضيف: «واتفقنا على أن أعيد النقاش مع الرئيس حول مختلف الاحتمالات، بما في ذلك غير المتوقعة، ومدى جديته في مواجهة ما يضعه أمام خيار صعب، ومدى إمكانية المضي حتى النهاية، ودون التراجع تحت أي ظرف كان».
حمل كريم هذه الهواجس إلى الطالباني: «التقيت بالرئيس، ونقلت له هواجس الأخ مسعود، والقلق من أن يتعقد المشهد بما يدفع إلى التراجع». فجاء الجواب حاسماً: «قال المام بعبارة باتة: أخبره أنني جاد ولن أتراجع. وحين سألته عن الضمانة التي تؤكد هذا الالتزام وتحول دون التراجع، قال بحسم: سأكتب طلب استقالتي من رئاسة الجمهورية، وأضعها تحت تصرف مسعود ليفعلها في حالة تراجعي. ثم طلب ورقة رسمية، وكتب عليها بخط يده استقالته ووقعها، وطلب مني أن أسلمها للأخ مسعود».
لم يرد كريم أن يكون هو حامل الورقة: «اقترحت عليه أن يقدمها له بنفسه، في اجتماع اقترحت أن يعقد غداً صباحاً هنا في مقر إقامته». فالاستقالة إن سلمها كريم بقيت رسالة ينقلها، وإن سلمها الطالباني بيده صارت التزاما بين رئيسين.
يروي كريم ما جرى بعدها: «التقيت بالأخ مسعود، وأبلغته، وكذلك الأخ نيجيرفان، بما جرى الاتفاق عليه مع المام. نيجيرفان عبّر عن عدم التصديق، وسألني: هل رأيت الرسالة؟ طمأنته، وأكدت له أنه كتبها، وأراد أن أسلمها بنفسي، لكنني رأيت من اللائق أن يتولى هو ذلك».
يتابع كريم: «في اليوم التالي جرى اللقاء، وقدم الرئيس رسالة استقالته الخطية، والتخويل للأخ مسعود بتقديمها في حالة تراجعه عن طلب سحب الثقة. رفض الرئيس مسعود استلامها، لكن المام أصر عليه أن يستلمها».
أما الرسالة، فكان كريم قد أعدها، يتحدث عنها قائلاً: كنت قد كتبت الرسالة المتضمنة مطالب المجتمعين، وتحديد مهلة 15 يوماً لتنفيذها
كانت خشية البارزاني في محلها، وستأتي اللحظة التي يختبر فيها هذا التعهد. وقبل ذلك، وبعد انتهاء الاجتماع نفسه، دار بين الطالباني وكريم حديث يكشف من أين كان يمكن أن يأتي التراجع.
«يمكن أن نخنق».. الظل الإيراني على القرار
سلم الطالباني استقالته، وبقي أمر عملي: النص الذي سيطرح على القادة. يقول كريم: «بعد انتهاء الاجتماع سألني الرئيس: هل كتبت صيغة الوثيقة التي تطرح على الاجتماع؟ قلت له: لا. سألني: لماذا؟ ترددت في الجواب». والوثيقة هي الرسالة التي سيخرج بها اللقاء التشاوري، وسيكتبها كريم في النهاية.
قرأ الطالباني التردد على وجهه: «قال لي: أشعر أنك لست متحمساً، مع أنك لم تتوقف عن الكتابة اليومية التي تتناول فيها المالكي ونهجه وتطالب بعزله». والطالباني يشير إلى ما كان كريم ينشره في “المدى” في تلك الأشهر. وجاء الجواب على صورة الفصل الذي رسمه كريم في العشاء: «أجبته أنّ الكتابة شيء، ومثل هذا القرار الذي نسعى لإمراره شيء آخر، وأنه، من جديد، محفوف بالمخاطر والاحتمالات. سألني: ماذا يقلقك؟ قلت: بصراحة، من دون أن تزعل. قال: تعرف أنني أؤكد عليك دائماً أن الخلاف والاختلاف لن يفسدا للود قضية بيننا، وأنا أعرف كيف تنظر إلى العلاقة الصداقية الأخوية التي تجمعنا».
عندها صارح كريم الطالباني بما يخشاه: «قلت له بصراحة: أنا أخشى أن تواجه وضعاً يجعلك غير قادر على المضي في ما تريد. سأل: ماذا تقصد؟ سألت: ماذا سيكون موقفك إذا اتصل بك الآن الحاج قاسم سليماني، أو بعث لك رسالة يطالبك فيها بعدم المضي في هذا الاتجاه المقرر؟».
لم يكن السؤال افتراضياً تماماً: «وذكرته بالرسالة التي استلمها أمس، وفيها ما يشبه التحذير. رد أنها لا تنطوي على ما يشبه الطلب، وإنما هي ملاحظات حول التعامل مع الصراع بيننا وبين المالكي، والتأكيد على ما تناوله معك».
ثم احتج الطالباني بما حمله كريم نفسه من طهران: «ثم سألني: ألم يعدك في زيارتك الأخيرة، ورسالته الشفهية للأخ مسعود ولي، بأن نطمئن، وسيعالج جميع المشاكل ويحقق مطالبنا؟ قلت: نعم صحيح، لكنه أكد مطالبته بالموافقة على استمرار المالكي إلى نهاية ولايته».
ذهب كريم أبعد من ذلك، إلى قاعدة سمعها من سليماني في لقاء سابق: «ثم لا بد من الرجوع إلى ما قاله لي عند لقائي به حول ولاية المالكي الثانية: إن قرار تسمية المرشح لرئاسة الوزراء وإزاحته من حق الائتلاف الشيعي. وحين أخبرته أنّ أغلبية أطراف الائتلاف لا يميلون إلى المالكي، قال بحسم: من يظل في الائتلاف هو الذي يقرر، حتى وإن كان طرفاً واحداً!».
هنا تبدلت نبرة الطالباني. يقول كريم: «عند هذه الملاحظة قال، والقلق باد عليه: أنت تعرف أن منفذنا الوحيد بكل ما تحتاجه السليمانية يمر عبر الحدود الإيرانية، يمكن أن نخنق!».
فمحافظة السليمانية، معقل حزبه، لا تحد بلداً غير إيران، ومنفذ الإقليم إلى تركيا، إبراهيم الخليل، يقع في دهوك، في منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني. في هذه الجملة يتكلم الطالباني زعيماً لحزب في السليمانية أكثر مما يتكلم رئيساً للجمهورية. ومنها تبدأ أولى بوادر إخفاق سحب الثقة.
مع ذلك لم يتراجع، واختار أن يمضي ويترك طهران باباً يطرق عند الحاجة، يقول كريم، ان طالباني طلب منه مباشرة قائلاً: «اكتب الوثيقة، وإذا اقتضى الأمر تسافر وتحاول إقناعه بما نقرر». وكتب كريم الوثيقة، وهي الرسالة التي خرج بها اللقاء التشاوري.
من عرض طالباني إلى مهلة الـ15 يوما
انعقد اللقاء التشاوري في أربيل، وكان آخر ترتيب قبل دخول القاعة يخص موقع الطالباني نفسه. يقول كريم: «عقد الاجتماع، وقبل أن نتوجه إلى القاعة تداولت مع الأخ مسعود، واقترحت عليه ألا نحرج المام بجعله طرفاً في الاجتماع، وأن يتصرف باعتباره رئيساً يحضر اجتماعاً لأحزاب وكتل لديها آراء ومواقف، وهو يستجيب لما يجري التوافق عليه في الاجتماع».
لهذا الترتيب سند في الدستور. فالمادة الحادية والستون تتيح طريقين لسحب الثقة من رئيس الوزراء: طلب يقدمه رئيس الجمهورية إلى البرلمان، أو طلب من خمس أعضاء البرلمان لا يقدم إلا بعد استجواب. والطريق الأول أقصر، ولذلك أراد كريم أن يبقى الطالباني رئيساً يحيل ما يتفق عليه الآخرون، لا طرفاً يتبنى الخصومة. وبعد أسابيع سيصير الطالباني، بهذه الصفة نفسها، الباب الذي تمر منه المحاولة أو تتوقف عنده.
بقي أمر التوقيع: «اقترحت أن يكون هو الذي يوقع عن التحالف الكردستاني. اعتذر أن يوقع هو عن التحالف الكردستاني، وطلب مني أن أقترح على المام أن ينوب عنه الأخ كوسرت رسول. ثنى على مقترحي، وطلب مني أن أتحدث معه. رأيت أن أشرك معي نيجيرفان، واقترحت عليه أن نتحدث مع الرئيس سوياً. ذهبنا إليه ونقلنا له الرأي بألا يتكلم في الاجتماع إلا بصفته رئيساً للجمهورية، ونقترح أن يوقع كوسرت عن التحالف الكردستاني، ويدعو القادة الآخرين ليطرحوا ما يرون من آراء، ثم يجري الحديث عن الخطوات اللازمة، وسيأتي دورك كرئيس في التعامل مع رأي القادة المجتمعين».
كوسرت رسول نائب الطالباني في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، ونائب رئيس إقليم كردستان. وكان المقصود أن يوقع عن الطرف الكردي الذي يمثله الطالباني، فيبقى الرئيس خارج التواقيع.
الطالباني خالف الترتيب
غير أن الطالباني خالف الترتيب كله. يقول كريم: «ما إن بدأ الاجتماع حتى فاجأ الرئيس الجميع وهو يسرد بالتفصيل سياسات المالكي ونهجه وممارساته وخروقاته، وتوقف عند صلاحياته الدستورية التي بات المالكي يحاول تجريده منها، وعرض كل المظاهر السلبية والانتهاكات الفظة للدستور والاتفاقات والالتزامات التي تعهد بها في برنامج ولايته الثانية. كان عرضه السياسي للانتهاكات وخرق الدستور والانفراد من الدقة ما أدهش الحضور. ما إن انتهى من عرضه، علق المجتمعون واحداً بعد الآخر: أجدت وفصلت، ولم تترك لنا ما نضيفه. بارك الله فيك ووفقك لما فيه خير شعبنا وبلادنا».
أما الرسالة، فكان كريم قد أعدها، يتحدث عنها قائلاً: «كنت قد كتبت الرسالة المتضمنة مطالب المجتمعين، وتحديد مهلة 15 يوماً لتنفيذها، وخلافاً لذلك يجري التوجه لسحب الثقة، ومررتها على المجتمعين، فكان لسماحة الصدر إضافة واحدة: “أن نؤكد على خدمة الشعب وتحقيق مصالحه”، أضفتها، وتم إقرارها وتوقيعها». وفي الرسالة تسع نقاط، ونصها كاملا في الملحق.
ثم جاء الرد. يقول كريم: «بعد أن استلم التحالف الوطني رسالة القادة المجتمعين في اللقاء التشاوري بأربيل في 28-4-2012، وصل ردهم الموقع من قبل إبراهيم الجعفري رئيس التحالف في 26-5-2012».
لم يجب الرد على نقطة واحدة من النقاط التسع. قال إنها تضمنت «أفكاراً بناءة تتكامل مع بقية الأفكار في الأوراق الأخرى»، وأحال الأمر إلى «الاجتماع الوطني المزمع عقده»، أي المؤتمر الذي دعا إليه الطالباني في 25 آذار 2012 وحدد له 5 نيسان، ثم أرجئ إلى أجل غير مسمى. ووزع المسؤولية على «كافة الأطراف الوطنية على حد سواء». أي أنّ المهلة انقضت، ولم يحصل المجتمعون على جواب.
منذ تلك اللحظة انتقل القرار إلى يد الطالباني، الرجل الذي رهن استقالته عند البارزاني ضمانة ألا يتراجع. وما جرى بعد ذلك هو موضوع السؤال الذي سيجيب عنه فخري في الجزء القادم من شهادته.. من أحبط «سحب الثفة»؟
*سياسي وكاتب عراقي
