-
حازم السيد… المصدر الجمهورية
-
-
1. ينطبق ذلك على الكثير من الميادين، وبخاصة بعد تحول تعبير «الذكاء الصنعي» إلى تعويذة سحرية، تضمن نتائجاً خارقة، فإن انتمت خوارزمية أو نموذج إلى ميدان «الذكاء الصنعي» فهذا لا يعني بأنها تتمتع بنفس الأداء المذهل الذي قدمته خوازرميات «أوبين أي آي» أو غوغل أنثروبيك للنمذجة اللغوية، وليس كل ذكاء صنعي، بالمعنى التقني للكلمة، ذكاء صنعياً، بالمعنى التسويقي للكلمة.
-
لا يبدو بأن أطروحة فالتر بنيامين الشهيرة عن «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنياً» ستحظى بحياةٍ جديدة هذه المرة، فإن تمتعت بحيوات عديدة نتيجة الطفرات المتتالية التي أحدثتها التقانة في عالم الفن، إلا تطورات الذكاء الصنعي الحالية تبدو وكأنها تقول إننا لم نعد أمام موجة جديدة من «تقانات إعادة الإنتاج»، وإننا نقترب من تحقيق نبوءات الخيال العلمي، لتُشاطرنا الآلة إمكانية إنتاج الأعمال الإبداعية من ألفها إلى يائها، ولنبدأ الحديث عن «الأدب الصنعي» أيضاً. فبعد اختطاف الذكاء الصنعي وصُنّاعه لعدد من جوائز نوبل في السنوات الماضية، وقيام «أوبين أي آي» قبل أسابيع بتقديم الحلول لبعض أكبر معضلات القرن الرياضية، تأتي قضية اتهام الروائي تيليسون أوريليان باستخدامه الذكاء الصنعي لكتابة روايته لتُشعِرنا بأن هذه التقانة تُحاصرنا على جميع الجبهات، وبأنه لا مفر من التفكير بالأسئلة التي تطرحها.
الذكاء الصنعي يكتب رواية الموسم؟
تروي إما ذلك أو الموت! حكاية لجوء شاب هاييتي إلى كندا. «رواية عجيبة» إن استعرنا وصف الروائية البلجيكية الشهيرة إميلي نوتومب، و«كتابٌ حدث»، وكأننا أمام فيكتور هوغو يولد من جديد، إن استلهمنا كلمات روائي فرنسي آخر، في برنامج «لا غراند ليبريري» الشهير، والذي احتفى بكاتب الرواية، الهاييتي تيليسون أوريليان. لم تأتِ هذه الكلمات إلا تتويجاً لمسارٍ طويل من النجاح النقدي والشعبي للرواية، والتي استهلّت مسارها بالفوز بجائزة فناك الفرنسية، والوصول إلى القوائم القصيرة لأهم الجوائز الأدبية الفرنسية، من جائزة غونكور ورونودو وصولاً إلى جوائز ميديسي وفيمينا. لم تكتفِ الرواية بهذا النجاح الإعلامي والنقدي، بل وتمكنت من كسب قلوب القراء الفرنسيين وبيع أكثر من ثلاثين ألف نسخة في أسابيعها الأولى، كما حصدت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب وعوداً بالترجمة إلى أكثر من عشرين لغة.
في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي توقف كل ذلك الزخم واتخذت الرواية مساراً مختلفاً. قامت صفحة حساب «إفضح كلودك» على تويتر بالادعاء أن الرواية مكتوبةٌ من قبل الذكاء الصنعي. استندت الصفحة في ادّعائها على خوارزمية بانغرام لـ«اختبار الصُّنعية»، أي حساب احتمال أن يكون النص الذي تقوم بتحليله مكتوباً بالذكاء الصنعي. تسبّبَ ذلك بانفجار جدل إعلامي كبير وانتهى بقيام لجنة جائزة غونكور بإقصاء العمل من قائمتها القصيرة. قيام الكثير من الأسماء البارزة في المشهد الأدبي الفرنسي بمديح الرواية كان سبباً آخر لانشغال الإعلام بهذه القضية، فقد حوّلت هذه الفضيحة معاني كلماتهم الطيبة بحق الرواية إما إلى شهادة صادقة، ولكن بحق الذكاء الصنعي، أو إلى شهادة زور ونفاق نُخبوي مُدّعٍ، يكتفي بالتطييب على نص لأن موضوعه يضرب على أوتار الصوابية السياسية أو لأن كاتبه لاجئ أسود.
«اختبار صنعية» مشبوه؟
بعد يومين من انفجار الفضيحة، عاودت الروائية الفرنسية البارزة فيرجيني ديبونت الدفاع عن الرواية في أحد أبرز البرامج الحوارية في فرنسا، كما ألقت الضوء على احتمال وقوع خوارزمية بانغرام في خطأ، فيما يخص الرواية، مُذكِّرةً بأن فاينانشيال تايمز كانت الصحيفة الكبرى الوحيدة التي كتبت عن الشركة، وبأنها قدمت مراجعة شديدة السلبية واتهمت الخوارزمية بفقدان معايير الدقة والمصداقية اللازمة.
عرضت وكالة فرانس بريس بدورها النص على خوارزميات أخرى، وخرجت بنتائج شديدة التباين، منها ما يقول بأن النص إنساني. التدقيق في التفاصيل المعلنة عن خوارزمية اختبار الصُّنعية التي تقدمها الشركة النيويوركية تجعل التشكيك في خُلاصاتها مشروعاً، فالشركة صغيرة لا يتجاوز رأسمالها أربعة ملايين دولار، ولا يوجد في منشورات صُنّاعها الأكاديمية ما يوحي بخلفية عالية التأهيل أكاديمياً أو بهوسها العلمي بموضوع الخوارزمية وحيازتها على أسراره. تبدو الخوارزمية بذلك مجرد بزنس يحاول أصحابه تطويره لاستغلال ازدهار الذكاء الصنعي وظهور الحاجة إلى تمييز النصوص المكتوبة من قبل نماذجه اللغوية.
الأدبيات العلمية المختصة في سؤال الخوارزمية تبدو شديدة الانقسام حول إمكانية تقديم جواب عملي يمتلك ما يكفي من الدقة والمصداقية، وكبرى شركات الذكاء الصنعي والتي تقوم بتدريب النماذج اللغوية الكبرى كـ«أوبين أي آي» أو أنثروبيك وغوغل، قامت بسحب خدماتها المشابهة من الأسواق، أو لا تقدم هكذا خدمات إلا بالاعتماد على نسخ إحصائية من تقنيات العلامة المائية. ادّعاء بانغرام بالدقة الهائلة لخوارزميتها لا يدعمه إلا مراجعات لا تبعث على الثقة، وبخاصة حين نعلم بأن رويترز قد راجعت النسخة قبل الأخيرة من خوارزميتها وأثبتت قلة فعاليتها بشكل فاضح.
خوارزميات بيضاء؟
بدوره، ادّعى أورليان بأن أسلوبه الأدبي المُستلهَم من الشفاهة المنتشرة في بلدان الكاريبي، والذي يطبع فرنسيته، قد يكون السبب في هذا الالتباس. صحيفة ليبراسيون ووسائل إعلامية أخرى لاحقت هذا الادعاء بدورها مؤكدةً عدم جدّيته، فنصوص أخرى، مكتوبة من قبل كتّاب من جنسيات مشابهة وبتأثير واضح للشفاهة على أسلوبها الأدبي، تجاوزت اختبار الصُّنعية بنجاح. بالمقابل، التجارب التي قامت بها ليبيراسيون وغيرها لاختبار الخوارزمية لا تمتلك الحد الأدنى من العلمية إحصائياً، فلا يمكن الجزم بصحة خوارزمية تعالج بيانات غير متوازنة من خلال تجاوزها بنجاح لعدد من النصوص وإنما عبر قاعدة بيانات تمتلك من الحجم والتنوع ما يكفي لاختبار الخوارزمية وفق أساسيات علوم الإحصاء والتعلم الآلي. بكلمات أخرى، اختبار هكذا خوارزميات لا يتم من خلال احتساب عدد حالات النجاح، وإنما من خلال التدقيق في حالات الفشل.
سؤال الأسلوب وعلاقته بالخوارزمية ليس مجرد تفصيل في هكذا سياق، وبخاصة إن تذكرنا بأن أحد أبرز ضحايا هذه الخوارزميات كان أيضاً جامير نازير، مواطن ترينيداد الكاريبية والذي خضع لنفس الاتهام بعد فوز قصته القصيرة بجائزة الكومنولث الأنغلوفونية المرموقة. بكلمات أخرى، المركزية الغربية وخيالات الرجل الأبيض حاضرة هنا أيضاً، وهو ما يجد مشروعيته عندما نعرف بأن اللغات الغربية، وبخاصة الانكليزية، تهيمن وبشكل كبير على المحتوى الذي يحتضنه الويب، وعلى بيانات تدريب خوارزميات الذكاء الصنعي، وبخاصة البيانات التي تستخدمها شركات صغرى من وزن بانغرام. يمكننا بذلك توقع انحياز الخوارزمية لما تعلّمته على صعيد المحتوى والأسلوب أو غياب الكثير من التقاليد والأساليب اللغوية عن بيانات تدريبها، وخاصة حين نعلم أن بانغرام يعتمد على خوارزميات التصنيف الثنائي التي تشبه الخوارزميات المُستخدَمة لالتقاط البريد المزعج أو السبام، والتي إن قدمت دقة عالية في بعض الميادين إلا أنها نماذج تعلُّم محدودة Discriminative models، ولا تتمتع بقدرات النمذجة العالية التي تقدمها أنماط تعلّم ونماذج أخرى كالنماذج التوليدية Generative models. 1
لا يكتفي هذا التفصيل بدعوتنا إلى التساؤل عن مصير اللغات والأساليب والتقاليد اللغوية الصغيرة والهامشية فقط، وإنما يمكن أن يمتد ليُسائل مدى تأثير النماذج اللغوية الكبرى التي باتت جزءاً من حياتنا اللغوية، على لغاتنا وأساليب وعادات القراءة والكتابة والتلقي والتعلّم، ومدى قدرتها على طبع لغتنا بإيقاعها، وتحويلنا تدريجياً إلى نسخ معدّلة من (كلود) و(جي بي تي).
يسار ويمين في حلقة التقانة المفرغة!
كان يمكن لادّعاء أوريليان عن الشفاهة أن يكسب مصداقية أكبر، لو لم نكن قبالة رواية أولى لكاتب صحفي، ولو لم تترافق هذه الفضيحة مع ادعاءات أخرى تتعلق بقيام أورليان بسرقة بعض المقتطفات لكتابة مقالاته في بداياته الصحفية بين 2010 و2013. من جانبٍ آخر، وبعد يومين على انفجار الجدل، كشفت صحيفة لو فيغارو الفرنسية بأن أحد المسؤولين عن صفحة تويتر هو الصحفي الفرنسي صامويل فيتوسي، وهو ما زاد من لهيب الجدل، فإن كان طرف الفضيحة الأول هو كاتب لاجئ أسود فإن الطرف الثاني هو صحفي ومستثمر فرنسي يميني، بل وشديد اليمينية، ومهووس بمعارك اليمين الثقافية ضد «الصوابية السياسية» و«اليسار المتأسلم»، مهموم بكشف استخدام الصنعي في الكتابة الأدبية دون أن يزعجه استثمار أمواله الشخصية في صناديق استثمارية لا يتوانى بعضها عن دعم شركات تستخدم الذكاء الصنعي في الصناعات العسكرية، ليقول «لا للكتابة بالذكاء الاصطناعي..نعم لإطلاق النار» بواسطته.
جاءت هذه الهويات لتمنح القضية بُعداً سياسياً شديد المركزية ولتُوسِّعَ دائرة الاهتمام الإعلامي بها، ولتصبَّ المزيد من الزيت على نار الاستقطاب والانقسام الذي تشهده فرنسا في سنتها الانتخابية. ولكنها جاءت أيضاً لتُذكّرنا بمأساوية علاقتنا بالتقانة وبواحدة من معضلات عالمنا: الدولةُ تدعم البحث العلمي، كما دعمت كندا مخبر جامعة تورنتو الذي أنتجَ أهم اختراقات الذكاء الصنعي في موجته الأخيرة، ورأسُ المال يستقطب أبرز كفاءاته عندما يصلون إلى ابتكارات قابلة للتسويق، كقيام غوغل وفيسبوك بتحويل أكاديمي مختبر تورنتو جيوفري هينتون ويان لوكان إلى رؤساء لأقسام الذكاء الصنعي في شركاتهم، ولتقوم هذه الشركات، مُمثَّلةً بصبيان وادي السيليكون، وبتواطؤ كامل من السياسة اليمينية مُمثَّلةً بدونالد ترامب، بتحويل هذه الابتكارات إلى منتجات تدخل حياة الناس اليومية وتقولبها، وهو ما يحدث في غفلة من اليسار الذي غالباً ما يصل بعد فوات الأوان، محاولاً فرض بعض القيود أملاً بالتخفيف من وطأتها.
كانت هذه الحلقة المفرغة، التي يَستخدِمُ فيها رأس المال الابتكار التقني كأداة لتغيير المجتمع وفرض إيقاع التاريخ، واحدةً من أكبر أسباب تشاؤم جاك أيلول، الأناركي المسيحي، أحد أكبر اختصاصيي ماركس ودارسي التقانة، والذي كتبَ في مقاله الشهير «انتصار لهتلر؟»، عشية انتصار الحلفاء على النازية مُذكِّراً بأن انتصارهم لم يتحقق إلا عبر تبنيّهم لمنطق النازية وتكريس «الدولة التقنية»، مُؤكِّداً بأن «التقانة هي تحدي القرن»، على حد تعبير كتابه الأشهر.
المشكلة بأن تقانة الذكاء الصنعي تنطوي على قدرات تغييرية هائلة، وأن رأس المال الذي يمتلكها من نوع خاص: شباب من الطبقات الوسطى البيضاء، شديدو القناعة باستحقاقهم وتفوقهم، وغارقون في عوالم الفانتازيا ومغامرات الخيال العلمي، وحالمون بالوصول إلى الذكاء الصنعي العام وتجاوز طبيعتهم الإنسانية … المشكلة أيضاً أن السياسيين الذين يتحالفون معهم هم من عيار دونالد ترامب، وبأن ملامح مشروع فاشية تقنية لا تتوقف عن الاتضاح يوماً بعد آخر، وبأن اليسار الذي يحاول مقاومتهم يبدو شديد الفوات نظرياً، ودون رافعة اجتماعية شبيهة بالطبقات العمالية التي أفرزتها المجتمعات الصناعية في القرن الماضي، وهو ما يأسره في عوالم تختلط فيها النوستالجيا بالدوغمائية والانفعالية، وهو ما بات يترجم نفسه بعداء يساري لمقولة الابتكار عموماً، وكأنه، «نكايةً بالطهارة»، بات مستعداً للذهاب نحو خطاب محافظ بهدف معاداة التكنولوجيا ورأس المال، بدلاً من التأكيد على ضرورة لجم الابتكار التقني عبر الابتكار الاجتماعي والسياسي.
كتابة مُعزَّزة وإخراج أدبي؟
قبل أيام قليلة، صرَّحَ ناشرُ الرواية الكندي بأن الدراسة المُعمَّقة لكرّاسات الرواية ومسوداّتها أثبتت وجود آثارٍ لاستخدام الذكاء الصنعي، مؤكداً بأنه لا يمكن معرفة طبيعة استخدام الذكاء الصنعي ومداه، ومؤكداً في الوقت نفسه بأنه لن يقوم بإعادة نشر الرواية وبأنه سيوقف تعاونه مع الكاتب.
في جميع الأحوال، لم تبدأ علاقة الذكاء الصنعي بالأدب مع الجدل الدائر حول تيليسون أوريليان وروايته، فالروائية البولندية الحائزة على جائزة نوبل أولغا توركتشوك، والتي تتمتع بإجماع كبير على استحقاقها لنوبل، صرّحت، ومنذ أكثر من سنة، بأنها تستشير الذكاء الصنعي أحياناً، وبأنها تناديه بالقول «يا عزيزي». الروائية اليابانية الشابة راي كودان، والتي حازت على أهم جائزة أدبية في اليابان، اعترفت أيضاً بأنها قد جعلت تشات جي بي تي يكتب خمسة بالمئة من روايتها، ليكتب بنفسه المقاطع التي تَوجَّبَ فيها على ذكاء صنعي مُتخيَّل الكلامُ في روايتها، بل ويعتقد أكثر من 50 بالمئة من الروائيين البريطانيين الذين استشفَّت آراءهم إحدى دراسات جامعة كامبريدج بأن الذكاء الصنعي سيقوم باستبدالهم.
بالمقابل، يصعب التصديق بأن أورليان قد قام بتفويض الذكاء الصنعي للكتابة، وبأنه اكتفى بإطلاق شرارة البداية عبر أمر من نوع «اكتب لي رواية عن … لا بد لهذه الرواية أن … » ليحصل على روايته بهذه الطريقة. من جهة، هناك عقبات تقنية تمنع ذلك. ومن جهةٍ ثانية يبدو موضوع الرواية شديد الاشتباك بحياته الشخصية، فبطلُ الرواية مثل كاتبها، مواطن هايتي، هرب من الفيضان وخاض رحلة لجوءٍ طويلة وتراجيدية قبل الوصول إلى كندا. قد لا ترقى رحلة لجوئه إلى تراجيدية رحلة بطل روايته، ولكن الأكيد أنه قد سمع وشهد على الكثير من القصص وأن تجربته الشخصية، على بساطتها، تسمح له بأن يلتقط قصص أقرانه بحساسيةٍ عالية، كما تسمح بتغذية مخياله ووجدانه، بما يجعله أحد أكثر المرشحين جدارةً في التماهي مع هكذا حكايا.
قد لا يمتلك تيليسون أورليان الموهبة الأدبية لتحويل هذه الحكايا إلى عمل أدبي بديع، من عيار إما ذلك أو الموت!، وبات من شبه المؤكد أنه استعانَ بالذكاء الصنعي في جولات كتابته، وخاض معه جولات من العصف الذهني والتفكير المزدوج وغيرها، ولكن الأكيد بأن النماذج اللغوية، المتوفرة في السوق اليوم، لا يمكن أن تنتج عملاً أدبياً بهذه الجودة دفعةً واحدة، وإلا لكنا شاهدنا عشرات الأعمال، كما نشاهد طوفان الكتابة الصنعية المُعلَّبة أو ما يعرف بال AI Slop على فيسبوك ولينكيد إن وغيرها. من جهةٍ ثانية، النماذج اللغوية الحالية عمومية مُدرَّبة على بيانات هائلة، شديدة العمومية والتنوع، وبهدف التفاعل مع جمهور عريض، وهو ما يخفض من احتمالية قدرتها على كتابة نصوص أدبية طويلة بجودة عالية، وما يتطلب تفاعلاً إنسانياً معقداً مع النموذج للوصول إلى نتيجة مشابهة لرواية أورليان، بهكذا قدر من التماسك على صعيد موسيقى اللغة، تناغمها واتساقها.
توليد هكذا روايات يتطلب نماذجَ متخصصة، ويبدو أن شركة «أوبين أي آي» قد خطت الخطوة الأولى على هذا الطريق. قامت الشركة بتدريب نموذج متخصص في الكتابة الإبداعية، ولكنها لم تقم بنشره وأغلب الظن أنها لم تقم بذلك إلا خوفاً من الملاحقات القضائية التي قد تطالها لانتهاكها لحقوق الملكية، المسألة التي تحولت إلى أحد أهم أبعاد هذه المسألة، وهو ما يشهد عليه قيام حوالي عشرة آلاف مؤلف، من بينهم حائزون على جائزة نوبل، بنشر كتاب فارغ في معرض لندن للكتاب لإثارة هذه المسألة في الفضاء العام بما يتناسب مع مخاوفهم. بالمقابل، قام سام آلتمان، المدير التنفيذي للشركة، بنشر ميتا-قصة قصيرة قام ذلك النموذج بتوليدها. لم تستحوذ القصة على إجماع قرائها بكل تأكيد، ولكن الكثير من الأقلام المرموقة، والحائزة على جوائز أدبية رفيعة، أبدت إعجابها بالقصة.
باتت المسألة إذن أقرب لمهمة هندسية متواضعة التعقيد علمياً، وهو ما يشهد عليه تغلغل الذكاء الصنعي في الكثير من تفاصيل المهن الإبداعية، قبل قضية أورليان بكثير. الكثير من الكتاب المرموقين قاموا بتجربته وتحدّيه واختباره على نصوصهم بشكل معمق وشعروا بالتهديد، وناشرون كبار باتوا يعتقدون بأنه قد يساعد الكتاب على تجاوز عقدة الورقة البيضاء وغيرها من متاهات الكتابة، والمنصة التعليمية لبي بي سي قامت باستخدامه لإعادة إحياء الروائية البريطانية أغاثا كريستي وإدراج دروسها في مناهج الكتابة الإبداعية التي تُدرِّسها، والكثير من المهن التي تحتاجها صناعة السينما بدأت بحفر قبرها بيديها عبر التحول إلى العمل من أجل توفير البيانات اللازمة لتدريب الذكاء الصنعي الذي سيقوم عاجلاً أم آجلاً باستبدالها. مستوى المحاولات الأدبية التي تُولِّدها النماذج اللغوية الحالية، غير المتخصصة أدبياً، يؤكد على هذا المسار، فالكثير من التجارب تشهد على تواضع قدرة القراء العاديين على التمييز بين النصوص الأدبية المولّدة آلياً والنصوص المكتوبة إنسانياً، وبعض التجارب المتقدّمة، مع قرّاء وكتاب متخصصين تشهد على تفوق النماذج اللغوية، المدوزنة والمدرّبة على إنتاج النصوص الأدبية، على أقرانها من البشر.
سيناريوهات لمستقبل الأدب
لا يمكن للأدب أن يعيش في معزل عن الذكاء الصنعي. يبدو ذلك قاتماً وشديد السوداوية عندما نفكر بالأسئلة التي يطرحها حول مستقبل القراءة والكتابة والأدب ومكانة المؤلف والمثقف في المجتمع، بخاصة عندما نتذكر بأن من يتحكم بهذه التكنولوجيا هم سلطات شديدة السينيكية أو السلطوية، وبأن الشركات والشخصيات التي تتحكم بسوق هذه التقانة لا توحي إلا بالخراب.
ولكن، إن حاولنا التفكير بتأثير هذه التقانة، مُفترضين تحولاً إيجابياً في الظروف السياسية والجيوسياسية والاقتصادية المعاصرة، وعبر تبني رؤية عملية، متصالحة مع تحولنا إلى بشر-آلة أو سايبورج كما تقترح الفيلسوفة الأمريكية دونا هاراوي، يمكن المراهنة على أن الفوضى التي تنتجها هذه التقانة وهي تقوم بإعادة هيكلة المشهد الأدبي لن تكون إلا فوضى انتقالية تسمح بولادة مشهد أدبي جديد.
لا خوف على الأدب الرفيع والأعمال الخالدة والروايات الوطنية، والتي يكتبها من اجتمعت في شخصهم درجات استثنائية من موهبة الكتابة ومن الحساسية العالية تجاه اللغة والواقع، ومن استمدوا مواضيع أدبهم من أسئلة بالغة العمق إنسانياً بما يساعد أدبهم على الصمود والخلود في وجه الزمن. لا خوف على هذه الأعمال لأنها قد اختفت تقريباً، ومنذ عقود طويلة، ولا أمل في عودتها.
لا أعتقد بأن ذلك يعود إلى غياب الكتاب العظام بقدر تأثُّره بتغيّر شروط التلقّي والاجتماع والتفاعل مع الأعمال الأدبية، بعد انفجار الثورة المعلوماتية ودخول الصناعات الثقافية على الخط وتحول المثقفين والكتاب والأدباء من حفنة محدودة العدد وازنة الحضور والتأثير إلى شريحة اجتماعية واسعة وقليلة الأثر بالمعنى السياسي للكلمة، وبعد فقدان الأطر الكبرى، كالدولة والأمة ووسائل الإعلام، لاحتكارها للفضاء العام وهيمنتها عليها وقدرتها على إجبار مجتمعاتها على التفاعل بشكل جمعي مع الأعمال المرشحة للتحول إلى أعمال وطنية وخلق تجارب وتقاليد وأساطير وطنية.
من ناحيةٍ أخرى، وبفضل نماذج متخصصة في الكتابة الإبداعية، قد تزداد جودة الأعمال الأدبية الجيّدة وكمّيتها وقد تتغير أساليب الكتابة والتأليف لنشهد ولادة «كتابة مُعزَّزة» تستلهم الكثير من عوالم الإعداد والإخراج. من جهة، قد يتسبب هكذا تحول في تهديد الكتاب والمثقفين الذين يكسبون رزقهم من الصناعة الثقافية، وهو ما يبدو مصير الكثير من المهن الفكرية وما يثير أكبر أسئلة العصر، عن علاقة المجتمع بالعمل في عصر الذكاء الصنعي. ومن جهةٍ ثانية، قد يصالح هذا التطور النقّاد الأدبيين مع الكتابة ليُحوِّلهم إلى أفضل الكتّاب. لكنّ هذه التغيرات قد تكون في محصّلتها أقرب لما عرفته كرة القدم في العقود الماضية لتزداد التنافسية ويصبح احترافُ اللعبة مسألةً شديدة التطلّب ويرتفع مستوى اللعب بشكل خرافي، دون أن يعني ذلك موت اللعبة أو غياب الدهشة والبهجة والتفاعل. تقدم لعبة الشطرنج مثالاً آخر، فلم تمت هذه اللعبة بعد انتصار ديب بلو على كاسباروف، بل ولا تتوقف شعبيتها عن التنامي، بفضل قدرة اللاعبين الهواة على التفاعل مع الآلة والتعلّم منها.
بالمقابل، قد يتحول الأدب الرث إلى فيضان حقيقي، ولكن الأكيد أنه إن وُجِدت خوارزميات ونماذج لتوليده، فإننا الخوارزميات والنماذج التي تتمكن من التقاطه وفلترته ستشهد تحسناً في جودتها وتتحول إلى أدوات لا يمكن العيش دونها في الفضاء الرقمي، وهو الفضاء الذي يشهد اليوم الكثير من التحولات وشكلاً من الهجرة الراهصة من فضاءاته المفتوحة كفيسبوك وانستغرام، التي تحوّلت إلى مساحات للتلقي السلبي، نحو فضاءات ومجتمعات مضادة قائمة على التفاعل والتواصل، كما هي الحال مع ديسكورد وريديت.
من جهةٍ أخرى، وإن عرفَ تاريخ الأدب الكثير من الأعمال الأدبية التي لم يبرز كتّابها إلا من خلالها، فلم يكتبوا غيرها أو لم تَسمُ باقي أعمالهم إلى سويتها، والتي ميّزها التحامُ الأديب مع نصه، ليكون النص أقرب إلى تجسيد أدبي لتجربة الكاتب الشخصية وعوالمه الذاتية، كما هي الحال مع أرخبيل الغولاغ لسولجنستين أو الحارس في حقل الشوفان لسالينجر أو قوقعة مصطفى خليفة، فإن النماذج اللغوية الإبداعية يمكن أن تساعد الكثير من الناس العاديين على تحويل تجاربهم الذاتية إلى وثائق أدبية رفيعة المستوى، ليزداد حضور هكذا أعمال في المشهد الأدبي. وبل يمكن القول بأن الفرضية المتمثلة في تفاعل أورليان مع الذكاء الصنعي لكتابة رواية مشتقة من تجربته الشخصية ومحيطه، ومن حساسيته وذائقته الأدبية والفنية، قد تكون أول تجسيد حقيقي لهذا النوع من الكتابة المُعزَّزة، والتي باتت تتمتع بجائزة باسكال الأدبية المُخصَّصة لها. الجدير بالذكر بأن تجربة الثورة والحرب والتجارب الذاتية القصوى، بالغة الخصوصية والفرادة، التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية يجب أن تدفعنا نحو التفكير بهكذا احتمالات بكامل الجدية.
بدوره، فعل الكتابة الروائية بوصفه شغفاً بموضوعها وغرقاً في عوالم متخيلة وتماهياً للكاتب مع شخوص موضوعه، لا يبدو مرشحاً لتحولات كبرى، حيث سيبقى أقرب إلى فعل عبثي، لا شيء يدعو إليه تقريباً، ولا يحظى بأي تقدير يُذكَر خارج الجماعة الصغيرة التي يشكلها هواة الأدب الرفيع، والتي كانت وستبقى أقرب لجماعة روحية على هامش المجتمع.
-