أن يمدح عبد الرحمن الراشد قناة “الجزيرة” منوهاً بوجوه شاشتها الشابة وتغيّر خطابها وأنها كانت الأفضل في بعض الملفات، فذلك تحوّل في خطاب السعودية عامة وخطاب واحد من أهم قادة الإعلام في المملكة. وبغض النظر عن تقويم القناتين المتنافستين “الجزيرة” و”العربية” والذي يخضع لمعايير يصعب الحكم في نتائجها، فإنّ المناسبة كاشفة لما تغيّر وتطوّر وتحوّل في المملكة منذ تبوؤ الملك سلمان بن عبد العزيز عرش البلاد وتولّي وليّ عهده الأمير محمد قيادتها إلى آفاق لم تكن متخيلة.
الراشد هو ابن المملكة وابن “دولتها العميقة”. ولطالما كان، سواء على رأس مؤسسات المملكة الإعلامية أو بصفته صحفياً وكاتباً ومعلقاً استثنائياً في صلابة كلماته رغم انسيابها السهل، معبّراً بين السطور عن مزاج رسمي وعن ورش تفكير جارية داخل تلك الدولة. وقد نجد ذلك أيضاً في المواقف التي يعبّر عنها الأمير تركي الفيصل، والتي لطالما اعتبرتها العواصم مواقف رسمية سعودية تأخذ بها علماً رغم أن الأمير لا يشغل منصباً رسمياً.
إذا ما ذهب الراشد في مقابلته الأخيرة المثيرة للجدل عبر بودكاست “سقراط” على منصة “ثمانية” إلى تحطيم ما كان بليداً في الخطاب التقليدي العام، فإنّ في ذلك البوح كشفاً عن مدرسة تفكير شديدة البراغماتية تقود المملكة وتسهر على حمايتها.
حتى في الشكل تعمّد الراشد مخاطبة الشباب وهم أكثرية الشعب السعودي، بدشداشته البيضاء من دون العباءة وبـ”كاسكيت” غربي بدلاً من “الغُطرة” التقليدية.
قال الأمور كما يجب أن تقال
لم يدلِ الراشد ببيان رسمي منمق حُفرت كلماته بحذر ودقة. لا يحتمل الوضع هذا “الترف”. قال الأمور كما يجب أن تقال إلى درجة الاعتراف من دون وجل بأنّ بلاده تمر بأخطر ما عرفته منذ تأسيس المملكة العربية السعودية.
في الأمر ابتعاد عن الشعارات الشعبوية وقتل للأوهام المصاحبة. في القول إدراك لقوة الخصوم وبأسهم ومكرهم وإمكاناتهم، سواء كانوا ميليشيات بدائية أو دولاً قريبة وبعيدة تحيك للمملكة المكائد وتنصب لها الفخاخ. ولأن مواجهة العلّة تحتاج إلى تشخيصها من دون تحفّظ ومواربة، وبالمفردات الجلفة، فإنّ نشر ذلك التشخيص أمام الرأي العام أمر يعرف الراشد أنه بات جائزاً ومنطقياً وضرورياً في دولة السعودية الراهنة.
استفزّ الراشد في المعلومة والرأي والتحليل تيارات داخل المملكة كما في دول الخليج ظهرت تعبيراتها على الأقل على وسائط التواصل الاجتماعي. اهتم الرجل بترميم روايات بشأن مواقف دول خليجية وتقصّد اعتبارها من عاديات الأمور ولا تشوّش على الموقف الخليجي العام المتماهي مع السعودية.
بدا هنا يتحدث باسم البلد والدولة وباسم المجموعة الخليجية التي ترتبط سلامتها وجودياً بسلامة المملكة. غير أنّ الراشد الذي خدش سكينة سردية النصر الدائم التي قد يعتمدها الإعلام المواكب والحريص، بدا يستبق مراحل مقبلة فيها من التحوّلات ما أخرج أعراض وترقب.
قد يكون من القصور الزعم بمعرفة ما الذي كانت تعنيه تصريحات الراشد البودكاستية. تحدثت التعليقات، تارة بودّ وتارة بغير ذلك، عن معانٍ خفيت ما بين السطور وعن سردية لا ترضى عنها بعض الذائقة. وفي أخذ مواقف الراشد على محمل مقلق شيء من الصحة، إذ يصعب تصوّر أنه ألقى بكلام من هذا النوع على نحو عفوي غير مبرمج في رسائله. ولا شك أنه يجوز للمتلقي أن يفسّر النصّ المقال وفق خلفياته ومصالحه وهواه، بما يفسّر التهافت على رد الفعل والتطوّع في مدح الكلام أو إساءة الإفتاء به.
ليس تهويلاً بل توصيفاً
أن يعتبر الرجل أن بلاده تمر بأخطر مراحل تاريخها الحديث، فذلك ليس تهويلاً بل توصيفاً. ومع ذلك، لم يبدِ الرجل، بما قاله عن ذلك الكشف وما ترك للمخيلة فهمه، قلقاً على المملكة من تلك المرحلة الخطيرة الأخطر في تاريخها. بدا واثقاً عارفاً مدركاً مستنداً إلى معطيات صلبة بعضها وضعه في خانة “أعتقد” و”ربما”، رغم أنّ الأرجح أنها في خانات اليقين. حتى إنه في عزّ السجال المكتوم قبل ذلك بشأن الدعم المصري لبلاده، كتب عن الأمر، وقبل مصادقة برلمانها، بسطور واثقة بموقف القاهرة، فيما جلبة السوشيال ميديا حوله كانت توحي بغير ذلك.
قد لا نجانب الصواب في قراءة مرحلة من القرارات والتحولات تلوح ملامحها في ما استشرفت مقابلة الراشد. فإذا كانت المملكة تمر بأخطر مراحل تاريخها فمن المنطقي جداً، أن تتخذ أخطر القرارات، بما فيها تلك التي لم تكن واردة أو جرى إهمالها قبل ذلك. وفيما قد تذهب المملكة إلى تحوّلات الضرورة الداهمة، فإنّ الأمر قد يطال قطاعات وملفات وتحالفات لا تحتمل المرحلة التأخر في الإقدام عليها. وفي مدح الراشد للجزيرة وإقراره ببأس الخصوم وجسامة اللحظة ما يشي بأن الرياض تستعد لمشهد تضع على حروفه الكثير من النقاط.
