محمود عبد الغني كاتب
.محمود عبد الغني
لا يكاد المفكر والروائي والشاعر المغربي محمد عزيز الحبابي (1922 – 1993) اليوم يظهر حتى يختفي. لم يعد المفكرون يذكرون اسمه بعد انشغالهم بأفكار ومفاهيم عبد الله العروي، وبتفكيك العقل العربي لمحمد عابد الجابري، ورغم أن الحبابي هو مؤسس شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، لم ينل إلا اهتمام دارسي ابن خلدون والخلدونية، إذ للحبابي كتاب باللغة الفرنسية ترجمته زوجته فاطمة الجامعي الحبابي عنوانه “ابن خلدون معاصرًا” (دار الحداثة، بيروت، 1984). كما أن نُقاد الرواية لا يذكرونه إلا في إطار التأريخ للرواية المغربية، فيجدون أنفسهم أمام رواية جميلة هي “جيل الظمأ” التي صدرت طبعتها الأولى سنة 1967. وهي تصوّر جيلًا من المثقفين المغاربة الذين يعانون من قيود التقاليد والقهر الاجتماعي والسياسي، وتلك أبوابهم المشرعة التي ولجوا منها إلى الضياع الوجودي. نَدُر ذكر الحبابي منذ وفاته سنة 1993، ثم عاد للظهور في اللغة الألمانية سنة 2011 بفضل كتاب باللغة الألمانية عنوانه “محمد عزيز الحبابي: الإنسان دليل الله” لمؤلفه ماركوس كنير. والكتاب يضمّ عينة من أبرز أعمال الراحل. كما عاد الحبابي هذه السنة، 2025، من خلال إعادة نشر كتابين له: “ورقات عن فلسفات إسلامية”، و”من الكائن إلى الشخص” في دار توبقال المغربية.
“عاد الحبابي هذه السنة، 2025، من خلال إعادة نشر كتابين له: “ورقات عن فلسفات إسلامية”، و”من الكائن إلى الشخص” في دار توبقال المغربية”
كتب الحبابي باللغتين العربية والفرنسية. ولد في 25 كانون الأول/ ديسمبر عام 1922 بمدينة بفاس، وتوفي يوم 23 آب/ أغسطس عام 1993 بالرباط. ويعدّ مؤسّسًا لمذهب الشخصانية الإسلامية. تُرجمت بعض كتبه إلى أكثر من 30 لغة. درس في السوربون في باريس وحصل فيها على الدكتوراه في الفلسفة. ثم أصبح أستاذا للفلسفة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس في الرباط فعميدًا لها. ظل الحبابي يركّز في مؤلفاته الفلسفية على محور الاتحاد الفكري الإنساني للعالمين العربي والإسلامي من جهة والغربي من جهة أخرى. كما أنه من الجدير أن نذكر أنه أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب بالمغرب العربي ومجلة “آفاق” التي تصدر عن الاتحاد. كما كان مرشحًا لـجائزة نوبل للآداب سنة 1987.
حين حلّ الحبابي في فرنسا سنة 1946، لم يكن سوى من أجل الحصول على الشهادات الجامعية العليا في حقل الفلسفة. فمن جامعة كان نال إجازة في الفلسفة، ونال إجازة أخرى من السوربون كانت مقدمة لحصوله منها على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة. هذا إضافة إلى حصوله على دبلوم المدرسة الوطنية للغات الحية بباريس. وفي النهاية تَوج مساره الأكاديمي بالحصول على دكتوراه من السوربون بميزة مشرف جدًا. وعام 1954 سينشر أطروحته باللغة الفرنسية في كتاب يحمل عنوان “من الكائن إلى الشخص: دراسات في الشخصانية الواقعية”. وقد عُرفت هذه الأطروحة الفلسفية بـ”الشخصانية”، سيوضّح الحبابي معالمها ومضامينها في كتاب “من الكائن إلى الشخص” الذي نشرته دار المعارف في مصر سنة 1963، وأعادت طبعه دار توبقال هذه السنة. ومضمون صيغة هذا المفهوم هو أن الانتقال من “الكائن” إلى “الشخص” هو عملية مستمرة تقوم على الأنسنة (تحويل الكائن إلى شخص) والتشخصن (تنمية الشخصية). فالكائن هو حالة أولية خام تعتمد على معطيات مادية، بينما الشخص هو كيان واعٍ يتميز بالوعي المادي والوجداني والتاريخي، ويكون مبلورًا في أفعاله وإنجازاته، وهو يتشكل ويتطوّر عبر الذكريات والتجارب والصلة بالمجتمع والآخر.
“عوض الحرية الذاتية وضع الحبابي فكرة “التحرّر” الذي يشمل الحرية الباطنية وحريات أخرى. فالتحرّر يحتوي على كل الحريات، ويتجاوزها ويغيّرها من حيث الكمّ والكيف”
سيستمر الحبابي في تطوير مفهومه هذا عن “الكائن” و”الشخص” في كتاب آخر نشره بالفرنسية سنة 1956 عنوانه “أحرية أم تحرّر؟” أبرز فيه “ضرورة تجاوز النظرية التي تجعل من الحرية مجرد حرية ذاتية. فإذا تصوّرنا الحرية الإنسانية، كذاتية محض، خالية من أيّ محتوى مجتمعي وتاريخي، صار الكائن البشري منحصرًا في شعوره الصرف كأنه غير ملتزم بالمساهمة في الجهود المشتركة التي يقوم بها الآخرون، لتشييد عصره”. إذًا، عوض الحرية الذاتية وضع الحبابي فكرة “التحرّر” الذي يشمل الحرية الباطنية وحريات أخرى. فالتحرّر يحتوي على كل الحريات، ويتجاوزها ويغيّرها من حيث الكمّ والكيف. وإن حصل هذا التحرّر فإن الكائن يكون قد حقّق انتصارًا عظيمًا، بحيث يجعله سيّد نفسه وأهوائه وغرائزه، من جهة، ومسيطرًا على الطبيعة، من جهة أخرى. فالكائن البشري ليس بالكائن المطلق، ولا بالشخص المنفصل عن الكائن، بل “هو الكائن- المتشخصن”، أي إنه كلّ لا يقبل تجزئة ولا انفصامًا.
يضرب الحبابي كمثال لاتحاد الكائن والشخص بالإبداع الفني باعتباره أبرز مظهر لهذا الانضمام، بحيث يتم تجاوزهما معًا لتحقيق الإنسان. فمجموع الـ “أنا” هو الذي يعمل في الخلق الفنّي، “إن الذات تتركّب من فعاليات بيولوجية وأخرى شعورية، تحملها في كينونتها، وكل هذه الفعاليات تتفتّح وتنمو داخل وسط مجتمعي، إزاء مواقف حيث تظهر الذات، باعتبارها هذه الشخصية أو تلك. لهذا يجنّد كل فعالياته في استقلالها المترابط ويتحقّق، بكامله، في الفعل الخالق”.
وانتقد الحبابي بشكل صريح تحريم نحت وتصوير الكائن البشري في العالم الإسلامي، مما ساهم في إبعاد هذه التعابير الفنية في لعب أي دور في المجتمع. وجعل “المثقفين المسلمين يميلون إلى الفنون التي تعتمد على التخطيط الهندسي، وإلى الاعتناء بالأشكال والوصف، أكثر من الاعتناء بالتحليل النفساني وفنون الخيال”. ويقصد الحبابي بـ “الفنون التي تعتمد على التخطيط الهندسي” فنونًا إسلامية كـ “النميقة” miniature، كما تكونت في المغرب والأندلس، وصناعات النقش كالخط الكوفي، والتخريم على الجبس، ونقش الخشب والرخام، وتذهيب الجلد، وصناعة الزليج والأواني.
إن دروب البحث والتأليف التي خاض فيها الحبابي منذ الأربعينيات هي نتيجة أسئلة قلقة تمزج بين الميتافيزيقا والدين والتحليل النفسي والتاريخ وعلم خواص الشعوب. لقد كانت ميادين غريبة في العالم العربي والإسلامي، لكنها كانت مزدهرة في فرنسا حيث درس الحبابي وبنى صرحه الفكري خطوة خطوة، فلم يتحدّث، مثله مثل الشخص الذي دافع عنه، إلا انطلاقًا من الواقع والتجربة. وهذا ما حاول التأكيد عليه في كتابه الثاني، الذي أعادت نشره دار توبقال، “ورقات عن فلسفات إسلامية” من خلال تقديم وعيه باشتغال الفلسفة التي يجب أن تُتخذ كـ “أساليب يحاول بها الفكر أن يتحايل على الأحداث والظاهرات والكائنات الطبيعية ليقترب من فهم وإفهام أسرارها”.
المصدر ضفة ثالثة