منذ أن أشار عليّ الناقد الدكتور الهادي خليل بمشاهدة التحفة اليابانية “الجزيرة العارية” (1960) للمخرج كانيتو شيندو، في إطار مبحث سينمائي خاص، وأنا أعبر حالة استثنائية من الذهول. كأنما سكنت ذلك العالم المنسوج بالرمادي والأبيض والأسود. لم يحدث في تجربتي السينمائية، كمشاهد ومهتم، أن تسلّلت إليّ صورة بمثل هذا البطء الشديد والتأثير الجارف. تجربة حركية وجسدية مكتملة، تشعر معها بثقل سلال الماء على الكاهل، وبحرقة الشقاء اليومي، وبعرق الأم وهي تسقي الأرض الجافة قطرة قطرة من دون أن تنبس بكلمة.
تكمن فرادة المخرج شيندو في اعتماده اللغة البصرية الخالصة؛ إذ ألغى الحوار كليًّا ليمنح الصدارة للحركة والطبيعة، مكتفيًا ببعض العناوين المكتوبة التي تشير إلى المكان وتغيّر الفصول. وقد شدد شيندو نفسه في مذكراته على أن هذا الاختيار لم يكن نابعًا من حنين إلى زمن السينما الصامتة، بل كان محاولة لجعل الصراع الإنساني أكثر وضوحًا حين يتحرّر السرد من عبء الكلمات. فحين يصمت البشر، تحضر الجغرافيا بطلًا رئيسيًا، وتتكلم الأرض والجوع والصبر بصوت أشد صخبًا من أي نص.
في هذا الفراغ الصوتي، تتولى الموسيقى التعبير التام عن دواخل الشخصيات؛ فقد وضع المؤلف الموسيقي هيكارو هاياشي، رفيق شيندو الدائم في العمل، شريطًا صوتيًا مبنيًا على ثيمة رئيسية واحدة، بسيطة وحزينة، تتكرر بتنويعات طفيفة طوال الشريط، عاكسة رتابة الحياة اليومية للعائلة، من نقل الماء وسقي الأرض إلى العودة الأبدية للتفاصيل ذاتها. لا تكتفي الموسيقى بتصوير الجهد الجسدي، بل تمنحه طبقة من الهدوء الشفاف، لتغدو هي صوت الفيلم الحقيقي؛ تظهر وتختفي كالمد والجزر، وتستمر حتى في لحظة فاجعة موت الابن، مما يضاعف من قسوة المشهد.
كانت هذه المغامرة الفنية خيارًا جماليًا بقدر ما كانت وليدة ضرورة إنتاجية قاسية. فبعد عشر سنوات من العمل المستقل في “رابطة السينما الحديثة” (Kindaï Eiga Kyokai)، الشركة التي أسسها مع المخرج كوزابورو يوشيمورا، وجد شيندو نفسه أمام خيار إنهاء الشركة أو المجازفة بكل ما تبقى فيها. فقرر أن يصنع، على حد تعبيره، “فيلمًا واحدًا خالصًا من دون أي تنازلات للتجارية” قبل أن ينتهي كل شيء. أُنجز الفيلم بميزانية لا تتجاوز عُشر الكلفة المعتادة تقريبًا. ولم يتجاوز الطاقم الذي رافقه إلى جزيرة سوكونيجيما، قرب بلدة ميهارا في بحر سيتو الداخلي، ثلاثة عشر شخصًا، بمن فيهم المخرج والممثلون أنفسهم، عاشوا خلال التصوير في ظروف جماعية زاهدة لا تختلف كثيرًا عن ظروف الأسرة التي يصورها الفيلم. وحين عُرض الفيلم لأول مرة في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 1960، لم يكن مصيره محسومًا؛ فقد كان الموزع الوحيد الذي أبدى اهتمامًا به قد ظن، بناءً على كلمة “عارية” في العنوان، أنه فيلم إباحي، فاقتصر عرضه في البداية على صالات صغيرة وريفية. ولكن مراجعة متعاطفة في مجلة “كينيما جونبو” الرائدة سرعان ما دعت إلى توزيعه على جمهور أوسع، وتلا ذلك فوزه بالجائزة الكبرى في مهرجان موسكو السينمائي الدولي الثاني عام 1961، حيث بيعت حقوق عرضه لأربع وستين دولة في غضون أيام معدودة.
| تكمن فرادة المخرج شيندو في اعتماده اللغة البصرية الخالصة |
تستمد هذه القصيدة البصرية قوتها من واقعيتها الميدانية الصارمة. فقد أُلزم الممثلان الرئيسيان تايجي تونوياما ونوبوكو أوتووا بجهد بدني حقيقي من دون اصطناع، حتى إن حمل الدلاء المتكرر تسبب في تقشّر جلد أوتووا أكثر من مرة. وقد اعترف شيندو لاحقًا بأن أعضاء الصحافة الدولية الذين قابلوه في موسكو كانوا مقتنعين تمامًا بأن الممثليْن هاوَيان من سكان الجزيرة، رغم أنهما كانا في الحقيقة وجهين معروفين في السينما اليابانية. هذه الحيلة الجمالية، القائمة على منح الجسد المتعب مصداقية الواقع، تضع “الجزيرة العارية” في جوار فني مع تقاليد الواقعية الجديدة، من “لا تيرا تريما” للوتشينو فيسكونتي إلى “رجل آران” لروبرت فلاهرتي، حيث يصبح تعب الجسد أمام الكاميرا هو الضامن الوحيد لصدق الصورة.
تتجلى قيمة هذا البناء السينمائي في انكسار رتابة العمل اليومي الشاق بصدمة الموت الفاجعة. هنا يصنع شيندو ذروة درامية مذهلة، حيث يتصادم سكون الطبيعة الصارم مع ثورة الحزن البشري المفاجئة. لحظة انهيار الأم وبكائها على التراب بعد سكب الماء تتجاوز حدود العويل العابر، لتصبح التعبير الأعمق عن هشاشة الإنسان في مواجهة القدر المحتوم، وعن القسوة المطلقة للطبيعة التي تواصل دوراتها دون اكتراث بآلام البشر.
عبر هذا السعي اليومي لعائلة تصارع البقاء في جزيرة نائية، يحوّل شيندو الحكايات الصغرى إلى ملحمة كونية. فيطرح أسئلة وجودية حارقة حول ثمن البقاء حين تغدو الحياة صراعًا أبديًا مع الطبيعة، وعن كيفية تحول الصمت إلى أبلغ أشكال الاحتجاج والمقاومة، وعما إذا كان الفن الحقيقي هو ما يستخلص التراجيديا الإنسانية من قلب اللاشيء. وربما كان في هذا الصمت أيضًا احتجاجه الخاص، غير المعلن، على نظام الاستوديوهات الذي كان يمنعه من إطالة اللقطة الواحدة أكثر مما تسمح به السرعة التجارية للسينما السائدة.
خرجت من الفيلم بحالة غير تلك التي دخلت بها. استقرت تلك الجزيرة القاحلة في زاوية صلبة من الذاكرة. أصبح الصامتون محبَّبين. أتقنوا لغة العيش من دون أي ادعاء. تلك معجزة السينما عندما تتجرد من الزوائد: أن تترك الفيلم وأنت تحمل في صدرك وثيقة حية عن الروح البشرية. أخرج راجيًا أن يلتقط أحد سينمائيينا العرب تقنيات الفيلم، بالرغم من مرور أكثر من ستين سنة، لالتقاط لحظات من المأساة الفلسطينية في غزة خاصة، بلغة عالية وعالمية وبعمق موسيقي ربما تسكنه دبكة فلسطينية حزينة أو ناي راعٍ جليليّ متعب وصامد، يتواتر ويُعاد مع تدفق الأحداث ليصنع حالة أخرى من الوعي والتعاطف. أقول: ربما…
هوامش ومصادر:
- الهادي خليل: أكاديمي وناقد سينمائي تونسي بارز.
- شيندو، كانيتو (مخرج وكاتب سيناريو): “الجزيرة العارية” (Hadaka no Shima). موسيقى: هيكارو هاياشي. بطولة: نوبوكو أوتووا، تايجي تونوياما. اليابان، 1960.
- هوبير، ستيفان. “L’Île nue : cet OVNI poétique du cinéma japonais”. مجلة Mr Japanization (إلكترونية)، 2024.
- مهرجان موسكو السينمائي الدولي. الأرشيف الرسمي للجوائز: الجائزة الكبرى (Grand Prix) لفيلم “الجزيرة العارية”، مناصفة مع فيلم Clear Skies، 1961.
- The Naked Island (1960) [English Subtitles]، يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=watGzwZ6S-c
- The Naked Island (1960)، رابط دائم متوفر للمشاهدة على Criterion Channel: https://www.criterionchannel.com/the-naked-island