..
سوزان موسى دره-
. كاتبة سورية،
في الزاوية كانت لوسي تراقبُ ايضاً بعينينِ ناعستين بينما لاسي تتناولُ ما وضعتهُ لها في سطلٍ أبيضٍ قصير.
لم تُحرّك لوسي ساكناً، بل اكتفت بنظرةِ انكسارٍ صامتةٍ، بالرغمِ من انها القطةُ التي شاركتني عزلتي لعامينِ كاملين، وكانت تتربعُ على عرشِ قلبي وتملأُ زوايا بيتي الهادئ.
دخلت لاسي حياتي منذ أسبوعٍ واحدٍ فقط، و أسبوعٌ واحد كان كفيلاً بقلبِ موازينِ المودة عندي.
لم أُفكّر كثيراً بالأمر فقد عاركتُ عُقد ذنبٍ تجاه اشخاص كثيرين في حياتي، ولوسي صارت تغيبُ لفتراتٍ، ثم تعودُ إلى شرفتي فقط.
في عالم الرياضيات: ١+١ يساوي ٢ دائماً، وهو قانونٌ عادلٌ وصارم، لكن بين قطتي المحرومة، وكلبتي المدللة ادركتُ أن 1+1 لا يمكن أن يكون اثنين إلا في عالم الرياضيات، وأما في رِياضِ الكائناتِ الحيّة والبشر فالأمرُ مختلف، إنه مختلف تماماً، فالأولويات لا تعرفُ عدلاً، والعدلُ لا ينطبق على الأولويات.
لم تكن لاسي تفعلُ شيئاً مميزاً أو مثيراً يبررُ هذا الانحياز. على العكس تماماً، منذ أن خرجنا معاً وتمشينا وهللنا للمطر في المساء، عادت إلى المنزل لتتركَ آثارَ أرجلها بُقعاً بنيّةً من الطينِ على السجاد؛ بقعاً تشبهُ الشتائمَ من هذه الأرض، والشتائم على هذه الأرض. ورغم ذلك، شعرتُ بالحياة تسلل إلى اعماقي، و نالت لاسي الوجبة كاملة، بينما بَقيت لوسي جائعةً تراقبُ بسكون.
أبعدتُ نظري عن القطة، وشعرتُ بوخزةٍ ذنب من جديد، ثم التفتُّ إلى أريكتي حيث تجلس ابنتي الوحيدة غارقةً في عالمٍ بخجم كفّها بينما الغرفةُ غارقةً في صمتٍ ثقيل، لا يقطعهُ إلّا الضوء الأزرق المنبعث من شاشة جوالها.
الكائنات ذات الأرجل الأربعة تُدركُ حدودها لمجردِ حِرمانها لُقمَةَ طعامٍ كانت قد اعتادت عليها؛ فها هي لوسي قد انسحبت في صمتٍ مدركةً مكانتها الجديدة دونَ ضجيج.
وأما ابناء الإنسان، فلا يعرفون كيف يُسنِدونَ رؤوسَهُم بين فسحاتٍ من صفحاتٍ فيسبوكية مليئةٍ بالأولويات الطنانة.
هُم تائهون في عالم افتراضي، يبحثونَ عن عدالةٍ وهميةٍ، وعن ترتيبٍ لأولوياتٍ تافهة يصيغُها الغرباءُ على منصاتِ التواصل، بينما يعجزُ كلّ منهم عن ترتيبِ واقعه أو فهم مشاعر من حوله، تماماً كما عجزتُ أنا عن تحقيقِ العدلِ بين قطةٍ وفيةٍ وكلبةٍ عابرة.
أغلقتُ عينيّ، والمطر لا يزال يهطلُ في الخارج، تاركاً إيانا جميعاً بشراً وحيوانات ندورُ في فلك أولوياتٍ قاسيةٍ لا منطقَ فيها