بالأمس قلت لكم “إن شاء الله واليوم أقول لكم الحمد لله”. بهذه العبارات افتتح عبدول السيّد كما يحلو للأميركيّين تسمية خطاب الانتصار في معركة الوصول إلى مجلس الشيوخ كأوّل سيناتور مسلم بتاريخ أميركا.
لم يكن عبدول السيّد أو عبد الرحمن محمّد السيّد يتخيّل، عندما وقف عام 2007 على منصّة جامعة ميشيغين لإلقاء كلمة الخرّيجين أمام الرئيس الأميركيّ الأسبق بيل كلينتون، أنّ اسمه سيصبح بعد نحو عقدين عنواناً لحدث تاريخيّ في الولايات المتّحدة. يومها كان طالباً متفوّقاً، يحمل طموحات أكاديميّة كبيرة، ويعبّر عن أفكار تتجاوز الانقسامات الدينيّة والثقافيّة. واليوم، بعد فوزه في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغين، أصبح أوّل مسلم يصل إلى هذا المجلس، في إنجاز سياسيّ فتح أمامه أبواب واشنطن، لكنّه أعاد أيضاً تسليط الضوء على شبكة علاقاته داخل الجالية العربيّة والمسلمة، ولا سيما في ديربورن، حيث تتداخل السياسة الأميركيّة مع امتدادات لبنانيّة وحسابات تتّصل بالثنائيّ الشيعيّ.
من بيل كلينتون إلى السّياسة
ولد عبد الرحمن محمّد السيّد، المعروف باسم عبدول السيّد، في ولاية ميشيغين عام 1984، لوالدين مصريَّين مهاجرَين. ونشأ في بيئة عائليّة اهتمّت بالتعليم والتفوّق الأكاديميّ، قبل أن يلتحق بجامعة ميشيغين، حيث درس علم الأحياء أولاً ثم العلوم السياسيّة لاحقاً.
قبل 19 عاماً، اختير لإلقاء كلمة الخرّيجين بصفته الطالب المتفوّق، خلال حفل حضره كلينتون. وكانت كلمته تتمحور حول ضرورة تجاوز الانقسامات بين الأديان والثقافات، وإمكان بناء جسور التفاهم بين المجتمعات المختلفة.
استوقف الخطاب كلينتون، الذي أثنى على مضمونه، معبّراً عن تمنّيه لو أنّ كلّ من يعتقد أنّ العالم محكوم بصراع الحضارات استمع إلى كلمات الطالب الشابّ. ولم يقتصر الأمر على الإشادة، إذ دار بينهما حديث عن مستقبله، وسأله كلينتون عن سبب اختياره دراسة الطبّ بدلاً من السياسة.
كان السيّد يومها يتطلّع إلى مسار أكاديميّ وطبّيّ، لكنّ ذلك اللقاء شكّل محطّة مبكرة في علاقته بالشأن العامّ، وأظهر أنّ حضوره وخطابه قادران على تجاوز حدود الجامعة.
تابع دراساته في جامعة أكسفورد البريطانيّة بصفته حائزاً “منحة رودس” المرموقة، ونال دكتوراه في الصحّة العامّة، ثمّ حصل على شهادة الطبّ من جامعة كولومبيا. وعمل لاحقاً في مجال الأوبئة والصحّة العامّة، قبل أن ينتقل إلى الإدارة الحكوميّة.
من إدارة الصّحّة إلى أوّل انتصار سياسيّ
لم يكن دخول السّيّد إلى السياسة الانتخابيّة مفاجئاً تماماً. ففي عام 2015، تولّى إدارة دائرة الصحّة في مدينة ديترويت، في مرحلة كانت المدينة تحاول التعافي من أزمتها الماليّة والإداريّة. ثمّ انتقل إلى إدارة دائرة الصحّة والخدمات الإنسانيّة في مقاطعة واين.
لكنّ طموحه تجاوز الإدارة العامّة. ففي عام 2018، خاض الانتخابات التمهيديّة للحزب الديمقراطيّ لمنصب حاكم ولاية ميشيغين، وطرح برنامجاً تقدّميّاً ركّز على الرعاية الصحّيّة والتعليم ومكافحة التفاوت الاجتماعيّ. لم ينجح في الوصول إلى الترشيح، لكنّه اكتسب شهرة سياسيّة واسعة.
في عام 2026، عاد إلى السباق الانتخابيّ، وهذه المرّة نحو مجلس الشيوخ، مستفيداً من رصيد سياسيّ وشعبيّ راكمه خلال السنوات الماضية. وبعد فوزه في الانتخابات التمهيديّة الديمقراطيّة على النائبة هايلي ستيفنز، واجه الجمهوريّ مايك روجرز في الانتخابات العامّة، وتمكّن من هزيمته في الثالث من تشرين الثاني، ليصبح أوّل مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركيّ.
كانت حملته قد ركّزت على الرعاية الصحّيّة الشاملة، وتخفيف الأعباء المعيشيّة، ووقف المساعدات العسكريّة الأميركيّة لإسرائيل، إضافة إلى انتقاد نفوذ الأموال والشركات الكبرى وتأثيرها في السياسة الأميركيّة.
ديربورن… خزّان الأصوات العربيّة والمسلمة
لكنّ فهم صعود عبدول السيّد لا يكتمل من دون التوقّف عند ديربورن وضواحي ديترويت، حيث تشكّل الجالية العربيّة والمسلمة قوّة انتخابيّة مؤثّرة، ولا سيما في مدينة تضمّ أعداداً كبيرة من اللبنانيّين والعراقيّين واليمنيّين والفلسطينيّين وغيرهم.
في هذه البيئة، برز اسم أسامة السبلاني، ناشر صحيفة “العرب الأميركيّة” ورئيس لجنة العمل السياسيّ الأميركيّة العربيّة (AAPAC)، الذي تحوّل إلى أحد أبرز داعمي السيّد، وساهم في تنظيم لقاءات وفعّاليّات داعمة لحملته.
في 28 تشرين الأوّل 2026، شارك السيّد في الحفل السنويّ التاسع والعشرين للّجنة في ديربورن، بحضور شخصيّات سياسيّة أميركيّة، بينها المرشّحة لمنصب حاكم ميشيغين جوسلين بنسون، إلى جانب مسؤولين وفاعليّات من الجالية.
أشاد السيّد بالسبلاني وبالدور الذي أدّاه في تمهيد الطريق أمام الأجيال الجديدة، قائلاً إنّ الجيل الحاليّ يقف على أكتاف شخصيّات سبق أن عملت من أجل تعزيز الحضور العربيّ الأميركيّ.
غير أنّ السبلاني ليس شخصيّة عاديّة في المشهد المحلّيّ. فقد أثارت مواقفه السابقة من “الحزب” و”حماس”، وإشادته بالأمين العامّ السابق لـ”الحزب” حسن نصر الله، انتقادات واسعة، خصوصاً في الأوساط الأميركيّة المؤيّدة لإسرائيل.
هنا تبرز أهميّة العلاقات التي نسجها السيّد مع شخصيّات في هذا المحيط، وليس بالضرورة باعتبارها دليلاً على تبنّيه مواقفها، وإنّما باعتبارها جزءاً من شبكة الدعم السياسيّ والاجتماعيّ التي أحاطت بحملته.
إبراهيم شرارة… المثير للجدل
في هذا الإطار، برز اسم القنصل العامّ اللبنانيّ في ديترويت إبراهيم شرارة، الذي حضر الحفل الانتخابيّ الداعم للسيّد، وظهر إلى جانبه وإلى جانب السبلاني وشخصيّات أخرى من الجالية.
كان موقع “واشنطن فري بيكون” الأميركيّ قد نشر في الثاني من تشرين الثاني تقريراً تناول مشاركة شرارة في المناسبة، مستعيداً منشورات سابقة له على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أشاد فيها بالهجوم الذي استهدف ثكنة مشاة البحريّة الأميركيّة في بيروت عام 1983، ووصفه بأنّه “مقاومة بطوليّة” أنهت الوجود العسكريّ الأميركيّ في لبنان.
أشار التقرير إلى أنّ شرارة شارك في مناسبات عدّة جمعت شخصيّات سياسيّة واجتماعيّة من ديربورن، بينها السيّد والسبلاني، كما حضر افتتاح المعهد الإسلاميّ الأميركيّ في ديربورن هايتس، حيث ظهر إلى جانب المرجع الدينيّ السيّد حسن القزوينيّ.
أين يقف الثّنائيّ الشّيعيّ من هذه الشّبكة؟
الأكثر إثارة في هذا المشهد هو الحديث عن امتدادات حركة أمل في ميشيغين، والعلاقات التي تربط بعض الشخصيّات النافذة في ديربورن بالبيئة السياسيّة القريبة من الثنائيّ الشيعيّ في لبنان.
أشار تقرير “واشنطن فري بيكون” إلى تصريحات منسوبة إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، تحدّث فيها عن وجود امتداد لحركة أمل في ميشيغين، وعن متابعة الحركة للسباق الانتخابيّ في الولاية.
كما تناول التقرير علاقات شخصيّات محليّة، بينها رئيس بلديّة ديربورن هايتس محمّد بيضون، وشخصيّات أخرى قريبة من السيّد، مع أطراف لبنانيّة محسوبة على البيئة السياسيّة لحركة أمل. وتوقّف أيضاً عند معلومات تتعلّق بتمويل أنشطة حشد انتخابيّ مرتبطة بحملة السيّد، من خلال مجموعة Unity & Justice Fund، وما كشفته بيانات ماليّة عن مدفوعات لشركة استشاريّة مرتبطة بمالك بيضون.
هذه المعطيات لافتة. لكنّها لا تثبت، في المقابل، أنّ عبدول السيّد مرتبط تنظيميّاً بالثنائيّ الشيعيّ أو أنّ الحركة كانت صاحبة القرار في حملته الانتخابيّة.
بين الطالب الذي استوقف خطابه بيل كلينتون عام 2007، والطبيب الذي تولّى إدارة مؤسّسات صحيّة حكوميّة، والسياسيّ الذي خاض معركة حاكميّة ميشيغين وخسرها، وصولاً إلى السيناتور المنتخَب عام 2026، تبدو رحلة عبدول السيّد نموذجاً لصعود جيل جديد من الأميركيّين المنحدرين من أصول مهاجرة.
لكنّ وصوله إلى مجلس الشيوخ يضعه أمام اختبار مختلف. فالشخصيّات التي ساندته في ديربورن، والبيئة الانتخابيّة التي احتضنت حملته، لن تكون بالضرورة هي نفسها التي ستحدّد مواقفه في واشنطن.
والسؤال الأساسيّ ليس ما إذا كان السيّد قد التقى هذه الشخصيّة أو حضر مناسبة إلى جانب تلك الجهة، بل كيف سيتعامل مع الملفّات التي تتّصل بلبنان و”الحزب” وإيران وإسرائيل، وهل تنعكس شبكة علاقاته المحلّيّة على مواقفه التشريعيّة والسياسيّة؟
المنصّة الأكاديميّة التي جمعته مع بيل كلينتون كانت بداية قصّة صعوده، وأمّا منصّة مجلس الشيوخ فستكون المكان الذي يُختبر فيه استقلال قراره السياسيّ، وتُقاس فيه المسافة بين طموحاته الأميركيّة والبيئة التي ساهمت في وصوله إلى واشنطن.
