.مسلم عبد طالاس. كاتب
-
-
تنمية مستدامة في سوريا، والبلاد لم تخرج بعد من حالة الحرب؟ نعم، فالمفاصل التاريخية أو ما يُسمى بـ«النقاط الحرجة» تُمثل فرصة للتحرر من إرث الماضي المُثقل بالقيود، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ولتأسيس بدايات جديدة تقود إلى مستقبل أفضل. ومن هنا، تبرز اليوم ضرورة التفكير في مسار للتنمية المستدامة في سوريا، رغم كل الصعوبات والتحديات الملحّة.
وعليه، فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يُختزل في حجم المليارات المطلوبة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب؛ بل يجب أن يُطرح على نحو أعمق: هل سيكون الإعمار مجرد عملية هندسيّة لترميم الجدران والطرقات والجسور، أم أنه قد يشكّل مدخلاً لتنمية مستدامة تُعيد بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة معاً؟
هذا السؤال ليس جديداً في تجارب الشعوب الخارجة من أتون الحروب. ففي كل مرة يسقط فيها نظام وتنهار مؤسسات الدولة ويُدمر الاقتصاد، يتكرر النقاش ذاته: هل يكفي ضخ الأموال وتنفيذ المشروعات لإعادة البناء، أم أن المسألة أعمق، وتتعلق بصياغة قواعد اللعبة السياسية نفسها؟
بعد الحروب والأزمات، لا يكفي – ولا يضمن سلاماً أو ازدهاراً مستقبلياً – أن تُناقش أبعاد الإعمار المادي فقط. إذ قد تُرمَّم الأبنية والطرقات، لكن الأسباب التي فجّرت البلاد قد تبقى على حالها. لذلك يجب أن تكون التنمية المستدامة على رأس أولويات المجتمع بعد الأزمة، فهي ليست مجرد إعادة إعمار، إنما أفق أشمل يهدف إلى:
– بناء اقتصاد منتج يُولد فرص عمل جديدة.
– إرساء مجتمع أكثر عدلاً وتماسكاً.
– ترسيخ مؤسسات تحمي الحقوق وتوزّع الموارد بإنصاف.
– وإدارة الموارد البيئية بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة.
إنها مشروع حياة طويل المدى، وليست ترميماً مؤقتاً. لكن، كيف يمكن لسوريا أن تنتقل من حالة الدمار إلى هذا الأفق الرحب؟
تتنوع المقاربات وتتعدد البرامج التي تدّعي قدرتها على تحقيق هذا الهدف، غير أن ما نقترحه هنا هو محاولة لتأطير التفكير في نقطة البداية الصحيحة، نعتقد أن التسوية السياسية الشاملة والمستقرة هي المدخل الحقيقي الذي يؤسس لاحقاً لتوظيف الجهود والبرامج الهادفة إلى التنمية المستدامة. فالتسوية السياسية ليست مجرد اتفاق مكتوب يوقّع بين النخب في مؤتمر دولي، بل هي عملية أعمق تحدد قواعد اللعبة: من يحكم، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُوزع الموارد، ومن يُقصى ومن يُشرك؟ إنها أشبه بعقد اجتماعي فعلي قد لا يُدوَّن على الورق، لكنه يرسم ملامح الحياة العامة ويحدد مستقبلها.
الاقتصادي السياسي مشتاق خان يُذكّرنا بأن المؤسسات ليست قوالب إدارية قابلة للاستنساخ من بلد إلى آخر، بل هي نتاج مباشر للتوازن بين القوى في كل مجتمع. فإذا كان هذا التوازن هشّاً أو ضيقاً، جاءت المؤسسات الناتجة عنه هشّة أو زبائنية. وإذا كان واسعاً ومستقراً، فستكون المؤسسات الناتجة شاملة وقادرة على إدارة الموارد بشكل عادل وفعّال. لنستعرض سوية بعض الأمثلة في هذا المجال:
_ في العراق بعد 2003، وُضعت تسوية سياسية بدت واسعة من حيث المشاركة، غير أن جوهرها ارتكز على تقاسم الغنائم عبر نظام المحاصصة الطائفية. النتيجة كانت مؤسسات استخلاصية غارقة في الفساد، واقتصاداً ريعياً ينهار مع كل أزمة. أمّا الأموال التي تدفقت فلم تُترجم إلى تنمية، بل تحولت إلى وقود للزبائنية والهشاشة.
_ على العكس من ذلك، عاشت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تجربة مُغايرة، فقد كان الدمار واسعاً، لكن التسوية السياسية كانت شاملة ومستقرة، فنشأ نظام ديمقراطي جديد أعاد بناء الشرعية، والمؤسسات القوية التي ضمنت سيادة القانون. وحافظ على أموال «خطة مارشال» فلم تتحول إلى ريع، بل استثمرت في إنعاش الصناعة والزراعة. فكانت النتيجة ما عُرف بـ«المعجزة الاقتصادية».
_ تقدم كوريا الجنوبية تجربة ثالثة، ففي الستينيات والسبعينيات، لم تكن هناك تسوية سياسية شاملة بالمعنى الديمقراطي، بل حكم عسكري مركزي قوي واستقرار استبدادي، أنتج مؤسسات إدارية فعّالة، وأطلق سياسة صناعية نشطة دفعت بالنمو إلى مستويات غير مسبوقة. ومع تراكم الثروة وتطور التعليم، جاء التحول الديمقراطي في الثمانينيات، فأصبحت التسوية أكثر شمولاً، وتحوّل النمو إلى تنمية مستدامة.
_ الصين مثال آخر للاستقرار الاستبدادي، فالحزب الشيوعي يقود تسوية ضيقة لكنها متماسكة منذ عقود، أسفرت عن نمو اقتصادي هائل جعل الصين ثاني اقتصاد في العالم. لكن غياب التسوية السياسية الشاملة يجعل مستقبل هذه التجربة محل تساؤل: إلى أي مدى يمكن أن يستمر الاستقرار من دون مشاركة واسعة وقبول عام؟
_ لبنان بدوره يُمثل نموذجاً للتسوية الزبائنية الهشّة، فنظام المحاصصة الطائفية الذي بدا وكأنه يُشرك الجميع، انتهى إلى دولة عاجزة وفساد مستشري، وانهارت البنية المالية والاقتصادية بالكامل، إذ لم تكن المؤسسات استيعابية أو قوية، بل عملت كأدوات لخدمة الزعامات الطائفية.
_ أمّا رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 فشهدت تجربة خاصة، تمثلت في سيطرة مركزية قوية أعادت الأمن، وعملت على بناء مؤسسات إدارية فعّالة، فتحقق نمو اقتصادي سريع، لكن الاستيعابية السياسية بقيت غائبة. ويبدو أن مستقبل التجربة غير مضمون إذا لم تتحول التسوية لتشمل قاعدة أوسع.
_ جنوب أفريقيا بعد نهاية الأبارتهايد تقدم نموذجاً لتسوية شاملة نسبياً، فقد سمحت مشاركة السود والبيض في صياغة دستور جديد، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية، باستقرار سياسي نسبي وتنمية أفضل من معظم جيرانها. ورغم التحديات الاقتصادية واستمرار عدم المساواة، حافظت المؤسسات على قدر من الاستيعابية مكّن الدولة من الاستمرار.
هذه الأمثلة تكشف أن المؤسسات ليست كيانات محايدة، فهي انعكاس مباشر للتسوية السياسية التي وُلدت منها، ففي العراق ولبنان كانت التسوية زبائنية، فجاءت المؤسسات استخلاصية تحمي النخب وتُقصي الأغلبية. أمّا في ألمانيا وجنوب أفريقيا فقد كانت التسوية شاملة، فجاءت المؤسسات شاملة تحمي الحقوق وتفتح المجال للمنافسة. في كوريا الجنوبية والصين ورواندا كانت التسوية استبدادية مستقرة، فجاءت المؤسسات فعّالة اقتصادياً لكنها محدودة سياسياً، ما يجعلها هشّة على المدى الطويل.
المؤسسات الشاملة هي التي تسمح للمواطن العادي أن يغامر ويستثمر لأنه مطمئن إلى أن القانون سيحميه. وهي التي تمنح العامل الثقة في أن حقه لن يُسلب، وتحفز المستثمر الأجنبي على ضخ أمواله لأنه يرى بيئة عادلة. أما المؤسسات الاستخلاصية فهي التي تجعل النجاح رهين الولاءات. في هذه البيئة، يهرب رأس المال، ويُخنق الابتكار، وتتعطل التنمية.
إذا أسقطنا هذا الإطار على سوريا اليوم، نجد أن ما يتشكل بعد سقوط النظام أقرب إلى تسوية زبائنية هشّة، إذ تتركز السلطة في يد نخبة ضيقة، والمؤسسات الأمنية والاقتصادية تقوم على الولاءات الشخصية أكثر من اعتمادها على المهنية، وبينما تُمنح عقود الإعمار كمكافآت سياسية أو عبر تحالفات خارجية. في مثل هذه البيئة، لن يكون الإعمار سوى إعادة توزيع للريع، قد تُنجز بعض الطرق والمشاريع، لكن الاستثمارات الجادة ستظل محدودة – فرأس المال يتجنب المغامرة في ظل غياب القانون – وستبقى التنمية المستدامة حلماً بعيد المنال، لأن المؤسسات الناتجة عن هذه التسوية ليست شاملة، بل استخلاصية.
غير أن هذا المسار ليس قدراً محتوماً، إذ يمكن للإعمار أن يتحول إلى مدخل للتنمية المستدامة شريطة أن تتغير القاعدة السياسية نفسها. وهذا يعني الانتقال من تسوية زبائنية هشّة إلى تسوية سياسية شاملة تُتيح قيام مؤسسات عادلة تحمي الحقوق وتفتح المجال للمشاركة وتؤسس لاقتصاد منتج. قد لا يتحقق هذا التحول دفعة واحدة، لكنه يمكن أن يُبنى بالتدرج عبر خطوات صغيرة: توسيع المشاركة السياسية، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات مؤسّسية حقيقية، بهذه الطريقة يمكن تحويل الإعمار من مجرد صفقات قصيرة العمر إلى مشروع وطني طويل المدى.
الدرس من تجارب الأمم واضح: الأموال وحدها لا تصنع تنمية، فالتسويات الزبائنية كما في العراق ولبنان قادت إلى التعثر والانهيار، بينما سمحت التسويات الشاملة في ألمانيا وجنوب أفريقيا بالاستقرار والتنمية، أمّا كوريا الجنوبية فقد حققت نمواً استبدادياً تحول لاحقاً إلى تسوية شاملة، فيما تبقى تجارب دول مثل الصين ورواندا القائمة على استقرار غير شامل مجهولة المستقبل. وسوريا اليوم أمام خيار مشابه: أن تظل أسيرة إعمار ريعي يُعيد إنتاج الهشاشة، أو أن تسعى إلى تسوية سياسية شاملة تضع الأساس لمؤسسات شاملة وتنمية مستدامة. الأولى تقتصر على إعادة بناء الجدران فقط، أمّا الثانية فتهدف إلى إعادة بناء المستقبل.
-