.حلمي همامي كاتب
حلمي همامي
تحركات أميركية في الملفين السوري والكردي تحاصر طموحات تركيا الإقليمية.
الإعجاب غير كاف
زيارة الرئيسي التركي رجب طيب أردوغان إلى البيت الأبيض، رغم طابعها الودي، تعكس تحديات تركيا في التأثير على القرارات الإقليمية والدفاعية، حيث تسعى لتعزيز دورها السياسي والحصول على مكاسب دفاعية مثل مقاتلات إف – 35، لكنها تواجه قيودا بسبب تركيز واشنطن على ملفات محددة دون إشراكها الكامل، سواء في الاتفاقات السورية – الإسرائيلية، التفاهمات الكردية، أو الصفقات الدفاعية الكبرى.
واشنطن- تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى البيت الأبيض الخميس في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية – التركية تحولات دقيقة تمثل مزيجا من الفرص والخيبات الإستراتيجية بالنسبة إلى أنقرة.
وكانت تركيا تأمل، مع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، أن تصبح شريكا فاعلا ومحركا للسياسة الإقليمية، مستفيدة من العلاقات الشخصية الوثيقة بين الزعيمين وموقف ترامب الإيجابي تجاه موسكو وعدد من الملفات الإقليمية.
ومع ذلك، يبدو أن الواقع على الأرض يختلف عن توقعات أنقرة، إذ تواجه صعوبة في ترجمة تحسن العلاقات الثنائية إلى تأثير ملموس على صياغة الاتفاقات الإقليمية الكبرى، وهو ما يثير تساؤلات حول حجم الدور الذي ستتمكن تركيا من لعبه في المنطقة في ظل التحركات الأميركية المنفردة.
ويشير محللون إلى أن الإدارة الأميركية تعمل حاليا على دفع ملفات حساسة في سوريا دون إشراك تركيا بشكل فاعل. وبرزت جهود واشنطن مؤخرا في محاولة التوصل إلى اتفاق مباشر بين الحكومة السورية وإسرائيل، في إطار جهود تثبيت الوضع الأمني والسياسي في مناطق النفوذ المختلفة.
ماركوس كينغ: الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق استقرار في سوريا من خلال تعزيز علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة
وتأتي هذه التحركات في وقت تعتبر فيه أنقرة الملف السوري حجر الزاوية في طموحاتها الإقليمية والجيوسياسية؛ إذ ترى تركيا في سوريا مسرحا إستراتيجيا لضمان أمن حدودها الجنوبية، وإدارة ملف الأكراد، وتعزيز نفوذها على مسار الصراعات الإقليمية الكبرى.
كما أن تركيا تعتبر أيّ تغييرات في التوازنات السورية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، تحديا مباشرا لقدرتها على لعب دور محوري في المنطقة، وهو ما يفسر إحباطها من سياسات واشنطن التي تميل إلى دفع ملفات حساسة دون أخذ دور أنقرة ومخاوفها بعين الاعتبار.
ويشير خبراء السياسة الإقليمية إلى أن هذه التحركات الأميركية تعكس نمطا متكررا، حيث تعمل واشنطن على تثبيت شراكات إستراتيجية مباشرة مع دمشق والقوى الفاعلة في سوريا، مثل إسرائيل والأكراد، في محاولة لتقليل أيّ مفاجآت أمنية محتملة، لكن ذلك يأتي على حساب الطموحات التركية التي كانت تأمل في أن يكون لها صوت مؤثر في صياغة مستقبل سوريا السياسي والأمني.
ويؤكد د. سامر أبودياب، خبير الشؤون السورية، أن “الملف السوري بالنسبة إلى تركيا ليس مجرد قضية جغرافية، بل أداة إستراتيجية أساسية لتعزيز دورها الإقليمي وموازنة نفوذ اللاعبين الآخرين، وأيّ استبعاد لتركيا من التفاهمات المباشرة يمثل تراجعا ملموسا لقدرتها على حماية مصالحها الحيوية.”
وتضع الإستراتيجية الأميركية الأحادية أنقرة في موقع ثانوي مقارنة بتطلعاتها السابقة بأن تصبح محركا أساسيا للسياسة الإقليمية، ويجعلها أمام واقع صعب يتمثل في محدودية تأثيرها على صُنع التوازنات الإستراتيجية في سوريا والمنطقة.
والأمر نفسه ينطبق على ملف الأكراد في شمال سوريا، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى صياغة تفاهمات مباشرة بين دمشق وبعض القوى الكردية دون مراعاة المخاوف التركية التقليدية من تعزيز نفوذ المسلحين الأكراد على طول الحدود.
ويعكس هذا النهج تحرك واشنطن وفق مصالحها المباشرة، وهو ما يزيد من إحباط أنقرة، التي تعتبر أيّ تعزيز للمراكز الكردية في شمال سوريا تهديدا لأمنها القومي.
ويرى أبودياب أن “الاتفاقات بين سوريا وإسرائيل، وكذلك بين دمشق والقوى الكردية، تأتي في وقت حساس بالنسبة إلى تركيا، وهذه التحركات قد تؤثر بشكل مباشر على نفوذ أنقرة في المنطقة وتحد من قدرتها على لعب دور فاعل في صياغة مستقبل سوريا السياسي.”
وإضافة إلى ذلك، تحاول تركيا استخدام هذه الزيارة لتعزيز ملف دفاعي بالغ الأهمية بالنسبة إليها، وهو إتمام صفقة شراء مقاتلات إف – 35.
وتعتبر أنقرة هذه الصفقة جزءا من إستراتيجيتها لتعزيز قدراتها الجوية والحفاظ على التوازن مع الحلفاء الإقليميين. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن رغبة ترامب وحدها في المضي قدما بالصفقة لا تكفي، إذ تواجه تركيا قيودا تشريعية وإجرائية داخل الكونغرس الأميركي، علاوة على تحفظات المؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية التي ترى أن صفقة من هذا النوع مرتبطة بالعديد من الاعتبارات الإستراتيجية والسياسية.
التحركات الأميركية المنفردة تحد من قدرة تركيا على لعب دور فاعل في صياغة مستقبل سوريا السياسي والأمني
ويؤكد ماركوس كينغ، خبير الشؤون الأميركية، أن “الولايات المتحدة يمكن أن تُظهر دعما سياسيا للرغبة التركية في شراء مقاتلات إف – 35، لكن المصادقة النهائية على الصفقة تتطلب توافقا واسعا بين مختلف الجهات داخل الحكومة الأميركية، ولا يمكن لرغبة الرئيس وحدها أن تضمن تنفيذها.”
ومن منظور إستراتيجي، يعكس هذا التباين بين توقعات تركيا والواقع الأميركي أزمة في تصور دور أنقرة في المنطقة، سواء على الصعيد السياسي أو الدفاعي. فالتحسن الظاهر في العلاقات الثنائية لا يعني بالضرورة حصول تركيا على التأثير الذي كانت تأمله، خصوصًا في الملفات الحساسة التي تشكل جوهر نفوذها الإقليمي، مثل سوريا، كما أن الملفات الدفاعية مثل مقاتلات إف – 35 تُظهر حدود ما يمكن تحقيقه عبر النفوذ الشخصي للرئيس الأميركي، في ظل تعقيدات النظام في الولايات المتحدة.
ويضيف كينغ أن “الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق استقرار في سوريا من خلال تعزيز علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة،” مؤكدا أن “واشنطن لا تزال تتحرك وفق أولوياتها الإستراتيجية، حتى مع وجود قنوات تفاهم مع أنقرة.”
المصدر العرب اللندنية