(1)
تحمل سرديات ما بعد السرد نوعًا فذًّا من إمكانية البقاء الزمني بين الأجناس الأدبية المعتادة تاريخيًا. إنها أشبه بمغذّيات زمنية في الآداب التي أخذت مسمّياتها منذ العصر اليوناني القديم. تتناوب وتتحدّث مع الآلة الزمنية، لكنها تحتفظ بالنشأة. تتطور وتتفاعل مع محيطها بشكل خفي إلى حد ما. تقترب من السرديات بشكل عام، لكنها تبتعد، فهي ذات خصوصية لا تملكها السرديات الأخرى، عندما يجد كتّابها أن السرد العمومي يتصورها ديكورات أو إضافات لا لزوم لها. في حين هي الأصل في الكتابة كما نعتقد؛ فصغائر الموجودات في المجتمعات هي التي يتوجب الانتباه إليها، كونها ذاكرة تاريخية وجغرافية ونفسية واجتماعية. أما كبائر الأمور فهي التي تفرعت منها، فخرجت من الهوامش إلى المتون الأدبية.
(2)
شخصية قصصية انفعالية غير راكزة نفسيًا تمرّ بمزهرية الورود ولا تحفل بها، بل ولا تراها. توضع لوحة للفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد في غرفة استقبال الضيوف، ولا تراها ربة البيت وقتًا طويلًا، حتى يتراكم عليها الغبار، أو تبني العناكب بيوتها المخاطية الكثيفة عليها. وعَدَا الديكورات المنزلية المعتادة، فإن كثيرًا من الهوامش المنزلية غير مهيّأ لأن يتحرك، أو يتفاعل ضمن الموجودات البيتية، أو يكون له دور ما مع الشخصيات الروائية والقصصية والمسرحية، حتى لو كان دورًا ثانويًا، لكي يشغل فراغًا في السرديات في أقل تقدير. ليس بمعنى مجرد الإشغال، بل يُعطى له دور مناسب ليكون من ضمن تشكيلة السرد القصصي. حتى لو وُجِد فإنه قليل التأثير في الحدث السردي؛ فهو ليس مؤنسنًا، وخيال الكتابة يقف من دون خياله. فالحجر في الرواية يبقى حجرًا، وليس شاهدًا على حركية الحياة حوله. والباب – الشاهد اليومي- لا يتحرك ولا يتكلم ولا يطير، مثله النافذة والزهور والأشجار الصغيرة والكبيرة.
قطع
(تخلص ماركيز من هذه الصنمية الثابتة في روايته “مائة عام من العزلة” وهو يروي تاريخ ماكاندو قريته المفترضة. ومثله هاروكي موروكامي في روايته “كافكا على الشاطئ” عندما جعل القطط تتكلم. كذلك مسْخ كافكا حينما حول الإنسان إلى صرصار).
(3)
صحيح أن الإبرة البيتية ليست بؤرة حدثية، فهي حاجة تخطّتها حداثة الآلة الآن، لكنها كانت إبرة غرز في القماش ولا أكثر من هذا؛ ترتق الثياب الجريحة في أقل تقدير. إنها إنشاء بسيط لترميم ما تعطّل زمنه، وتبعث فيه زمنًا جديدًا. ومثلها الأزرار التي تجمع الجسد من الأعلى والأسفل.
المراحيض جزء خلفي أو أمامي في البيت، مجمّع نجاسة، مهمته تفريغ البطون من الطعام المطحون، بين صراصير وحشرات وفئران. لكن لا تلتفت الكتابة إليه ولا تحفل به.
الثلاجة مأوى الأطعمة الطازجة، صندوق أبيض يقف بلا حراك. ومثلها المجمّدة المنبطحة في المطبخ كامرأة عاجزة. وقلّما تُنظّف المكتبة وكتبها ومؤلفوها. وكثيرًا ما لا تُذكَر الستائر الحافظة للغرف، ولا السجاجيد الكاشانية الممدودة على أرضية صلبة، وإن ذُكِرت فإنها تُذكر بشكل ديكوري لا روح فيه.
ربما نجد صور الأجداد (بالأسود والأبيض) المعلّقة على الحيطان تتحدث في بعض القصص والروايات والأفلام، لكنها تبقى مرتهنة إلى عموم الأحداث التي تجري في الرواية والقصة. قد تتحدث عن الماضي كمعادل موضوعي للحاضر، وتتذكر ما فات من الزمن.
السيجارة التي تنفث دخان السرد في وجه القارئ ربما وُجدت في الحدث الروائي والقصصي لمعالجة تأمل ولمسة نفسية متكررة، من دون إشغال الصفحات بمنشئها الزراعي وتصفية نباتها وتكرير صناعتها الطويلة ليخرج التبغ، وتلفّه أوراق رقيقة وشفافة، قبل أن تُشعل النار رأس السيجارة.
| تخلص ماركيز من الصنمية الثابتة في روايته “مائة عام من العزلة” وهو يروي تاريخ ماكاندو قريته المفترضة |
(4)
في الشوارع سيارات وعربات وشحاذون وسكارى نهار مدمنون على الخمرة المحلية. موظفون مسلكيون وموظفات يتركن أطفالهن في الحضانات. بيوت قديمة آيلة إلى السقوط، طابوق عتيق وإسمنت قوي، لكن الزمن فتّاك.
دوائر رسمية تجمع الطوائف والملل والنحل والقوميات والثقافات والأهواء في صور يومية لا تتشابه. إعلانات إشهارية عن موديلات سيارات حديثة تباع بالتقسيط. نشرات ضوئية عن أحزاب وانتخابات مقبلة. عشاق وعاشقات على نهر دجلة أو فوق جسوره يطعمون النوارس بفُتات الخبز والرذاذ.
نساء وعباءات وأسواق وتماثيل صغيرة، وكتب على الأرصفة لمؤلفين معروفين وغير معروفين. قصائد وقصص وروايات ودراسات دينية غزت الأسواق بلا طائل. صغار وكبار، حروب وجوع وحصارات وغزو وأخبار متتالية، وفضائيات تتسابق في نشر أخبار مراسليها في العالم عن غزة ولبنان وسورية وإيران وإسرائيل والشرق الأوسط بـ “دين إبراهيمي جديد”.
عمارات زجاجية تشبه عمارات دبي والدوحة. ومخدرات ولصوص في البيوت الخلفية. ليل مخيف، ونهار يرى ما سرقه الليل لكنه صامت. مراكز شرطة ودوريات عسكرية ومرورية. خراب نفوس، وبرلمانيون لا ضرورة لهم في الأحوال كلها.
نساء مجلّبات وشالات ثخينة تخفي تسريحات كثيرة، وبناطيل ضيقة تجوب الشوارع. بضائع تملأ الأسواق: إيرانية، تركية، لبنانية، سورية. صيدليات لمرضى السكّر والصداع النصفي والكلى والضغط والمفاصل والقلب.
موبايلات بأنواع مختلفة ومتعددة، بأسعار معقولة وغير معقولة. صكوك مزوّرة بلا أرصدة. أوراق ملوّنة تشير إلى حرامية النهار والليل. حدائق صغيرة وكبيرة، وجو ساخن، وضربة شمس تفلق الرؤوس. صغار مرضى لأسباب كثيرة. متوحّدون ظهروا في الوقت العصيب بلا تشخيصات، ولا أدوية، ولا مراكز إنقاذ. مدارس كثيرة وجامعات، وطالبات “التيك توك” و”الإنستا” و”الإيمو” و”الفيسبوك”.
(5)
صور كثيرة في البيوت والدوائر. أسرار مسفوحة في كل مكان. بلد بلا أنظمة. واسطات ورشاوى وشيوخ عشائر، ونظريات فاشلة، واستراتيجيات ورقية كاذبة. مسؤولون بلا خطط عمل مركزية. فوضى مزمنة في تأخير الحالة الاجتماعية وتشويهها. معاملات مركونة في زوايا مهملة، وطلبات مواطنين لا ينظر أحد إليها.
ضاعت كثير من القيم الأخلاقية في نظام طائفي لا يأبه لمن حوله. صار البلد زريبة مطايا. معممون كثيرون لبلاد لا تتحمل مثل هذه اللفائف البيضاء والسوداء. أرامل، مطلقات، شاذّون، سكارى، مخدرات، حروب داخلية. جكسارات مصفحة. نائبات لا لون لهن ولا طعم ولا رائحة ولا معنى.
دوائر خدمية أُفرغت من محتواها. نفط كثير ومال قليل يذهب إلى دول الجوار لأسباب يعرفها الناس. سجون ومعتقلات لشباب وشابات. فانشيستات لعوبات بين المسؤولين والضباط من ذوي النجوم الوفيرة. برامج متعددة لغش الناس والأخلاق. عصافير عطشى، وأمطار لا تمطر، وغيوم كاذبة، وزراعة ميتة، ومعامل مقصوفة، وحرائق الصيف أكثر من أن تُحصى. وعشوائيات حوّلت البلاد إلى ثكنات طائفية… إلخ.
(6)
قد يقول قائل إن هذه التفصيلات الصغيرة لا يحتاجها السرد كثيرًا؛ فهي عبء وإضافات لا ضرورة لها، تجنح به إلى الترهل والفجاجة. لكن ما يُسمّى بالرواية المعرفية جرّبت هذا الاستغراق، حتى لو لم تنجح كثيرًا، فإنها في الأقل نبّهت إلى جزئيات هامشية في حياة السرد اليومية، لا سيما في الرواية.
ولا نجانب الصواب بالقول إن الرواية المعرفية المتخمة بالتفاصيل المختلفة أوجدت الصراع السردي بين ما هو موجود وبين ما هو متخيَّل. لذا فالخيال أحد الأنشطة الدماغية والنفسية لتعويم الواقع والقبض عليه سرديًا.
هذا على الصعيد المادي. أما على صعيد التخييل والحس، فالكاتب تحيط به موجودات كثيرة، لذا لا بد من الخيال الفائق في حده الأقصى ليكون عونًا له في “تسريب” أفكار تبدو للقارئ مشوشة تقريبًا، أو خارجة عن سياقها السردي، لكن تتبّعها العام يؤكد له صحة طبيعتها السردية وأدوارها المختلفة والمتعددة.
الخيانة، الخمر، القمار، السرقة، الموت، الغياب، الهرب، الحرب، الكوارث الطبيعية… ثيمات متواصلة في السرديات الكلاسيكية والمعاصرة والحديثة. وإن بدا المسخ البشري ثيمة قلّما تناولها مؤلفو الروايات (“المسخ”، “مزرعة الحيوانات” مثلًا) لأنها تقع في باب “تجاوز” الواقع المبني على عناصر بشرية ومجتمعات متحضرة، وسلوكيات تنضبط بالسلطة والقانون، لكنها بشكل عام أوصلت مضامينها وموضوعاتها بشكل ما، وتجاوبت معها القراءة والنقد والتحليل والتوصيف.
إن أنسنة الحيوانات والطيور فرديات سردية تقع في منطقة الخيال التي يُراد منها تكثيف الواقع وتحويله إلى فضاءات أكثر قدرة على الترميز. وهذه الوسائل بقدر ما هي موصِلة إلى الأفكار – وأغلبها سياسي- فإنها إحدى الطرق الكتابية التي تعمد إلى تغريب الوقائع وتهجينها عن واقعها.
هامش:
شاكر حسن آل سعيد (1925–2004): فنان تشكيلي اشتهر في فترة عقد السبعينيات من القرن العشرين في العراق. تأثر في أواخر حياته بالنزعة والحركة الصوفية التي أثرت في رسوماته. ويُعد من الأسماء اللامعة في حركة الفن الحديث في العراق. استخدم في أعماله الرموز السريالية بشكل متقن، حيث دمج بين الحرف والرمزية في إطار يربط بين الروحانية والتجربة الجمالية الوطنية. (ويكيبيديا – الموسوعة الحرة).