د. نزار دندش*
إن كوكبنا لم يتشكّل دفعةً واحدة، ولم يكن في يومٍ من الأيام مطابقاً لما كان عليه في اليوم الذي سبقه، بل مرَّ في عصور مختلفة، منها الجليدية، ومنها المرتفعة الحرارة. ومن اللافت للانتباه أن الظروف التي تحكم البشر، فرادى أو مجتمعين، تشبه ظروف الكوكب الذي يحضنهم. وعلاقات البشر تحكمها صراعات دائمة هي ترجمةٌ لصراع الكائنات الحية في بيئتنا.
إن المُتتبّع للتغيرات الكبيرة التي سجّلها التاريخ البشري على الأرض لا بدَّ له من أن يتوقع تغيّرات على كلّ مفترق، وعند صعود أية درجة من درجات التطور بمعناه الرياضي-الهندسي. ويمكننا القول اليوم إن مرحلة جديدة قد حلّتْ في عالم الأرض الذي جمعته وسائل التواصل ووسائل الاتصالات، فلا بدّ من التعمّق في فهم المرحلة.
من الطبيعي أن لا يكون لتبدّل المراحل التأثير نفسه على جميع الأفراد، فبعضهم يتأثر أكثر، وبعضهم يتأثّر أقلّ، تبعاً للظروف المادية والسياسية والإيديولوجية والمعرفية.
بعد عصر الانحطاط، الذي حلّ فيها، عرفت أوروبا نهضةً علمية صناعية تكنولوجية وسباقاً تجارياً، فانتعشت فيها العصبيات القومية. وقد جرى استغلال هذا الانتعاش لمصلحة المدّ الاستعماري والسيطرة على الأسواق التجارية. وتطلّب ذلك خوض حروب بداعي التوسع والسيطرة. وكانت الأحزاب التي تشكّلت في تلك الفترة خليطاً من المتعصبين لقومياتهم، ومن المدافعين عن الديموقراطية، ومن المتحمسين للقضايا المطلبية.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، وتأثّراً بانتشار الأحزاب القومية في أوروبا، وثأراً للكرامة الوطنية، انتظم الكثيرون من المثقفين ومن المتحمّسين لعروبتهم في أحزابٍ قومية، جاءت ردّاً على مُعاناة أمّتهم إبان الحكم التركي، وإبان الاستعمار الأوروبي.
وإذا كانت النهضة القومية في أوروبا قد أنتجت تطوراً في العلم والتكنولوجيا، فإن النهضة القومية في بلادنا قد جاءت مشبعة بالإيديولوجيا العقائدية، فرفعتْ شعارات فشلت في تحقيها لأنها ابتعدت، أو أُبعِدَتْ عن السعي إلى التطور العلمي، فبقيتْ أمتنا في المراكز الأخيرة عالمياً من حيث التطور العلمي، وكان هدرٌ رهيبٌ للطاقات؛ ومن الأسباب الرئيسية المباشرة لكل هذا كان تشتّت الطاقات نتيجة الصراعات الداخلية المُفتعلة.
لقد فشلت دولنا، وخسرت أمتنا، وما زالت تخسر أرضاً وطاقات، وانتقل الحلم بجمع الأقطار في دولة واحدة إلى حلم بالحفاظ على وحدة كل قطر بمفرده.
إن مَنْ يحسن فهم الواقع وقراءة التاريخ يعرف أن مرحلةً تاريخية جديدة قد بدأت في عالم اليوم، وأن تغيرات جوهرية سوف تحدث. وعندما يحلّ الزلزال فإن المناطق الرخوة تكون الأكثر تعرّضاً لتبديل صورتها، ولأن منطقتنا هي الأقلّ استقراراً في العالم والأكثر جذباً للاهتمام، فإن التغيرات الأبرز سوف تحدث فيها.
إن مرحلةً غامضةً جديدة قد بدأت، وجيلاً جديداً قد بلغ، فآن الأوان لتشكيل أحزابٍ جديدة تستفيد من تجربة الماضي، وتؤسّس للمستقبل، وتضع تاريخنا على سكة التطور العلمي، علّنا نتحوّل من كُرَةٍ يتقاذفها اللاعبون إلى لاعبين فاعلين في هذا العالم .
أما في لبنان، الذي ما زال يعيش، ومنذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ظروفاً استثنائية أدّتْ إلى الفرقة والفقر وإلى تهجير الأدمغة والكفاءات وإلى تدمير البُنى وتخريب المجتمعات، ودفعت الشباب إلى اليأس والعنف والتعاطي مع المخدرات… فلقد آن الأوان لنستريح من ضجيج الموت، فنستنشق شيئاً من هواء الحياة.
لقد آن الأوان لتشكيل حزبٍ جديد، أو أحزاب جديدة تُساهم في توحيد الوطن وترميم بنيانه، وفي إنصاف أبنائه المقيمين والمُغتربين. نحن الآن بحاجةٍ إلى أحزاب خالية من الفساد، ومن الفاسدين، إلى أحزاب يقودها النشطاء المُترفّعون عن الغرائزية والمافيوية والتبعية، إلى أحزاب تؤمن بالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية. نحن اليوم بحاجة إلى حزب يُضمّد جراح الوطن ويلغي مختلف الحدود بين مواطنيه، إلى حزب شعارُه الأهمّ:
لبنانٌ واحد موحّد إلى الأبد، وشعبٌ معطاء محبٌّ للسلام، وله دوره الفعّال في ارتقاء الحضارة الإنسانية وحماية البيئة على هذا الكوكب.
إنه نداءٌ من صميم القلب والروح، يشبه نداءَ الاستغاثة العاجل؛ فوطننا في خطر، بل يتعرّض لخطر التشظّي، وأعداؤه كُثُرٌ، ولو مَثّلوا دور الغيارى وارتدوا ثوب الرحمة.
*أستاذ جامعي. المصدر النهار