خلال الحرب الأهلية، يتخلى كثيرون عن إنسانيتهم، بل وتغدو هكذا الكلمة أقرب إلى خرافة تحاول تغطية انحطاط البشر الذي يبدو وكأنه قاعٌ بلا قرار. بعد الحرب، يصبح التفكير في أُسس الاجتماع وأسئلته شديدَ الإلحاح، ويتحقق في ظل مجتمعٍ منهك، يريد الكثير من أفراده طيَّ صفحة الحرب بأسرع ما يمكن لتستعيد أيامهم هدوءها. آخرون، راغبون بذلك أيضاً، يعتقدون بضرورة استخلاص دروس الحرب أملاً بطيّ صفحتها لوقتٍ طويل.

تفرض سنوات الحرب الأهلية أولوية الأمن والسلام، وهو ما يطغى بظله على ما يليها. الفيلسوف توماس هوبز، الذي عاصر الحرب الأهلية الإنكليزية في القرن السابع عشر، شهد على ما يشبه بعض ما نشهده اليوم، وقام بتأمُّله ليُنتِجَ من المقولات ما سمحَ بتكريسه كأحد أبرز آباء النظرية السياسية الحديثة، وما يمكن أن يساعدنا على فهم أعمق لحاضرنا.

حرب الجميع على الجميع!

تقول الأسطورة بأن ولادة هوبز عام 1588 قد حصلت قبل ميعادها المتوقع بشهرين، وأن الخوف والذعر الذي أصاب والدته عندما سمعت بتوجه أسطول الأرمادا الإسباني المهيب لغزو السواحل الإنكليزية، هو ما تسبب بذلك. امتدت حياته على أكثر من تسعة عقود ليموت عام 1677 بعد «حياة قلقة»، إذا ما استعرنا العنوان الذي منحه الاختصاصي لوك فوانو لأحد الكتب المرجعية لفكر هذا الفيلسوف ونقّاده.

لم تكن حياة هوبز الشخصية هي القلقة، ودارسو سيرته يؤكدون بأنه عاش حياةً مرحةً وغنية، وبأن القلق الذي شهد عليه كان القلق الذي فرضته صراعات المجتمع الإنكليزي وحربه الأهلية. ساهم ذلك المناخ في توسيع الهوة التي تفصله عن مقولات الفيلسوف المعلم، فما يقترحه أرسطو يبدو أنسب لأيام السلم، ويعطي للسياسة عمقاً أخلاقياً لتتمركز حول مقولة الفضيلة، ويجعل المدينة ميدانَها وسعادة المواطنين القائمة على قدرتهم على ممارسة الفضيلة غايتَها. مؤكِّداً بأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بمعيّة الأخلاق والصداقة، فالأخلاق تسمح بتأهيل أناس فاضلين بما يؤهلهم لممارسة السياسة والصداقة، بما يسمح لهم بتوسيع حلقات تأثيرهم وزيادة فاعليتهم.

لا يوجد ما يساعد على هضم ذلك في عالم هوبز المشحون بالصراعات، فقد كان العالم الرأسمالي يعلن عن ولادته عبر صعود البرجوازية الإنكليزية وولادة الفردانية الاستحوذاية، والتي كان هوبز أحد أشهر ألسنتها. في هذه المرحلة، تمكَّنَ سكان المدن، البرجوازيون، من زيادة ثروتهم وقوتهم بفضل مهاراتهم التجارية وانفتاحهم على التقانة والعلوم والمغامرة والسفر، لتتصاعد اعتراضاتهم على استبداد الملك وتعسفيته وتقاليد المجتمع الإنكليزي وسُننه التي أرساها العالَم الإقطاعي بأمرائه وكنسييه، وهو ما تحوّلَ تدريجياً إلى صراع ديني وسياسي عاصف انتهى باشتعال الحرب الأهلية الإنكليزية، بين الملك وداعميه والتيار البرلماني الراغب بإرساء سيادة البرلمان على إقرار الضرائب، والذي تدعمه البرجوازية والأرستقراطية المُستنيرة بالإضافة إلى معتنقي البيوريتانية الراغبة بتطهير الكنيسة الإنكليزية من كل آثار الكاثوليكية، بعد استفحال استبداد الملك وفرضه ضرائب جديدة.

بكلمات أخرى، كان للفوضى والانفلات الأمني الذي عرفته إنكلترا في ظل الحرب الأهلية أثرٌ تأسيسيٌ في فكر هوبز، ولعلها أكثر ما دفعه إلى تبني تصوره المتشائم عن الطبيعة الإنسانية، بخاصة وأن هذه الحرب التي قد لا تكون شديدة الغرابة في العنف الذي ميّزَ الكثير من فصولها، كانت شديدة الغرابة في ختامها، حيث لم يقتل الملك في معركة أو بالسم على ما عهده الناس في تلك العصور، وإنما قام الشعب بقطع رأسه، وفي محاكمة، لتشهد أوروبا ولادة أول جمهورياتها.

* * * * *

تُشكِّلُ السعادة واحدة من غايات السياسة عند هوبز، ولكن الحرب الأهلية التي كان شاهداً عليها تبدو وكأنها قد دفعته إلى الافتراق عن السعادة الأرسطية القائمة على الفضيلة لصالح تَصوُّر يربطها بالرغبة، بل ولعلّ وطأة الحرب هي ما قاده إلى اعتبار السلام والأمن غاية السياسة الأولى، التي تسبق السعادة والحرية، ليكون هدف السياسة الأسمى هو ابتكار الأطر التي تسمح بإرساء سلام المواطن وأمنه، بما يُمكِّنه من التمتع بحريته والسعي وراء سعادته.

بذلك، يبرز دور الحرب الأهلية في ترتيب قيم منظومة هوبز وغايات السياسة لديه، وقد تكون لحظة الحرب، والتي تبدو أقربَ إلى لحظةِ الختام لنمط من الاجتماع وفرصةً نادرة لبداية جديدة، هي ما جعلت سياسته مسكونةً بهاجس التأسيس، وأقرب لهندسة اجتماعية، متمحورة حول سؤال الأمن والسلام، وهو ما يبدو وكأنه قد ترك أثره على النظرية السياسية الحديثة برمتها وما قد يساهم في تفسير ولع اليسار عموماً بمقولات الثورة والدولة وبكل ما يساعد على إعادة التأسيس، أو برغبتنا الراهنة بـ«إعادة هيكلة سورية تعاقدياً» على حد تعبير ياسين الحاج صالح في مقاله عن «الوطنية السورية وبدائلها»، ولكنه أيضاً ما قد يساهم في تفسير عجز اليسار عن التفكير وقلة جاذبية مقولاته خارج لحظات التحوُّل الكبرى، وبعيداً عن قُمرة القيادة.

عندما يتعاهد الجميع على الإذعان

قام هوبز بدراسة الطبيعة الإنسانية وقدّمَ ما يعتبره تصوراً علمياً لها، ليقدم خلاصات متشائمة تعتقد بأن النفس البشرية مفطورة على خشية الموت المفاجئ والعنيف وعلى التعطّش للسلطة. بسبب هذه الطبيعة، لا يمكن أن تنتهي الحالة الطبيعية/البرّية للاجتماع البشري إلا بـ«حرب الجميع على الجميع»، وهو ما يجسد معضلةً طبيعيةً لا بد من التفكير بحل اصطناعي للفَكَاك من براثنها، والدولة وحدها هي ما يمكن أن يسمح بذلك.

قبل الأزمنة الحديثة، حاول البشر اختراع الدولة ولكن هذه المحاولات لم تحظَ بتأسيسٍ علمي مدروس، فكانت دولاً ناقصة وغير قادرة على إتمام مهمتها والخروج بالبشر من دومات العنف. كان «العقد الاجتماعي» هو ما ينقص هذه المحاولات، فكي تتمكن الدولة الحديثة من الولادة وفَرض سيادتها، يقوم هوبز بإعادة إحياء هذه المقولة الدارجة في عوالم البرجوازية الأوروبية ومنذ قرون، ليُحوِّلها إلى مقولة تأسيسية في نظامه ويكونَ أول منظري التعاقدية الحديثة، ويُلهم الكثيرين من بعده، من جون لوك إلى جان جاك روسو وجون رولز، وتتحوَّلَ هذه المقولة إلى واحدة من المقولات الأساسية في عالمنا الحديث والمعاصر.

بالمقابل، يختلف العقد الاجتماعي الهوبزي عن تصوراتنا المعاصرة، بل ويبدو أقرب لإذعان جماعي يجتمع فيه الجميع على شخص أو هيئة/مجلس، ويتعهد فيه كل فرد لآخر، لا لصاحب السيادة، بأن «يمنح هذا الشخص أو الهيئة/المجلس ويتنازل له عن حقه بحكم نفسه، بشرط أن يمنحه الآخرون ذلك الحق وكل ما يقتضيه ذلك من أفعال». 1

يمكن لصاحب السيادة أن يكون فرداً، كالملك الإنكليزي ويمكن أن يكون مجلساً كالبرلمان، ولكنه يجب أن يكون في الحالتين من تصدر عنه الأقوال ومن يقوم بالأفعال. يقترح هوبز لذلك «نظرية الشخص»، والذي يُعرّفه بوصفه كل من يقوم بالأفعال ومن تصدر عنه الأقوال، وهو ما يجعل الشخص إما طبيعياً كالمواطنين الذين يتنازلون عن حقهم بحكم أنفسهم أو اصطناعياً/اعتبارياً كصاحب السيادة. يستوحي هوبز «مقولة الشخص» من عوالم المسرح، ولكنه يستوحي من هذه العوالم أيضاً «مقولة التمثيل»، والتي لا نتوقف عن استخدامها اليوم في عوالم السياسة والديمقراطية «التمثيلية»، حيث يمكن للشخص أن يكون مُؤلِّفاً للأقوال والأفعال ويمكن أن يكون مُمثِّلاً لهذه الأقوال والأفعال، وهي حال صاحب السيادة بوصفه مُمثِّلاً للشعب، وبوصف أقواله وأفعاله أقوالاً وأفعالاً صادرةً عن الشعب.

اجتماع إرادات الأفراد في عقد أو عهد جماعي يحولهم إلى وحدات أولية، أو قطع ليغو، في جسد وحش الليفياثان وهو الوحش البحري الذي «ما من شيء يفوق سلطته»، على حد تعبير سفر أيوب في العهد القديم، والذي يؤكد هوبز على طابعه المركّب أو الاصطناعي، ليكون جسده مُركَّباً من أجساد المواطنين وطاعتهم، ولتكون قوته مجموع قواهم، ولتكون السيادة روحه، وهو ما يسمح له بالسمو فوقهم والتعالي عليهم والتحول إلى «إله غير خالد»، قادر على فرض السلام والأمن وتأمين الإطار اللازم للأفراد للعيش بما يمكن من الحرية والسعي وراء السعادة.

* * * * *

يبدو «مؤتمر النصر» الذي عقدته الفصائل العسكرية السورية بقيادة الجولاني بعد سقوط نظام الأسد واحداً من أكثر الأمثلة تجسيداً للرؤية الهوبزية، ليكون أعضاء المؤتمر اللبنات التي تبني الليفياثان السوري وليكون الرئيس السوري الجديد تجسيداً للسيادة، المطلقة، وممثلاً لسوريا الجديدة.

قد يدفع ذلك إلى الاعتقاد بأن ما تعيشه سوريا اليوم يحمل في جوانبه وعد الدولة الحديثة، نظراً لاقترابه من الرؤية الهوبزية، إلا أنه لا بد من التذكُّر بأن الرؤية الهوبزية وولادة الليفياثان تشترط أن يقوم كل مواطن بالإمضاء على عقد اجتماعي مع بقية المواطنين، لا مع صاحب السيادة، ليعلن فيه عن موافقته على الخضوع لصاحب السيادة. لا بد أيضاً من التذكُّر بأن هوبز وإن كان واحداً من الآباء المؤسسين للدولة الحديثة ومقولاتها، إلا أن هذه الدولة تدين لورثته الليبراليين بالكثير، وأن الطابع المطلق للسيادة التي يبتغيها هوبز ومؤتمر النصر لم يعد واحداً من أبعاد سيادة الدول المعاصرة والحديثة.

بكل الأحوال، لا يسمح استحضار هوبز بمنح «مؤتمر النصر» ما قد يحتاجه من شرعية نظرية، ولم نَقُم باستحضاره إلا للتأكيد على مفتاحية الحرب الأهلية وضرورة فهمها بعمق لفهم المخيال الهوبزي والجذور الاجتماعية والسياسية لأفكاره، ولفهم الهوبزية الصاعدة لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري، في الأرياف السنية خصوصاً، وعُمق تماهيها وإذعانها للسلطة الجديدة، بعد أن شهدت عبثيةَ الحرب والقاع الهائل الذي يمكن أن تنحط له الطبيعة البشرية، وبعد أن أصبح السلام والأمن مطلبها الأول. قد يساعد ذلك أيضاً الشغوفين بالفكر السياسي على النظر للحظة السورية بعيون جديدة، بوصفها واحدة من أكثر المخابر عيانيةً للسياسة، والنظرية السياسية الحديثة!

* * * * *

أعيش منذ سنوات في أوروبا، والتي تمكَّنَ أبناؤها من تحويل بعض دولهم إلى التجسيد الأبرز لمقولة الدولة الحديثة والتي تأسست وفقاً لرؤية أقلَّ إذعاناً وأكثر ليبرالية من التعاقدية الهوبزية. بالمقابل،  تجربة العيش في هذه الدولة الحديثة، وبصفة لاجئ خصوصاً، والتجربة البيروقراطية الهائلة التي تَسِمُها، قد تقودنا إلى الاعتقاد بأن تعاقدية هذه الدول تحتوي من الهوبزية أكثر مما نعتقد بكثير، وأن هذا الليفياثان، يبدو اليوم، في ترهله وتآكل جاذبيته، أقربَ إلى وحش تصنعه أوراق المعاملات البيروقراطية، والتي تبدو التجسيدَ الأكثر عيانية للعقد الاجتماعي الهوبزي الراغب بإذعان المواطنين للدولة صاحبة السيادة.

* * * * *

تعتقد حنا آرنت في نقدها لهوبز بأن الليفياثان عاجز عن التوقف عن التضخّم والنمو، وأن السلطات الشمولية والإمبريالية ليست إلا الامتداد الفعلي لهذا الوحش، لتكون ولادة الدولة الحديثة الدينامية هي التي تسببت بولادة الإمبريالية والشمولية النازية والستالينية. ولكن، وإن كان لأطروحة التمدد الشمولي لِلّيفياثان كثيرٌ من الوجاهة، فإن لوك فوانو يعتقد بأن في هذا الاتهام بعض التعسف، فإن كانت الدولة الشمولية أقربَ إلى كائن كلي القدرة والحضور، لا يعترف للفرد والمواطن بأي حيّزٍ خاص، بل وتعمل على قولبة حياته كما تريد، فإن الليفياثان الهوبزي لا يشترط السيادة المطلقة إلا في الفضاء العام، ولا يقوم بذلك إلا لضمانة السلام والأمن التي يحتاجها الفرد في فضائه الخاص، للسعي وراء رغباته ومصالحه وكل ما يمكن من حقوقه الطبيعية، وللتمتع بما يمكنه من الحرية.

بالمقابل، حتى ولو اتفقنا مع هذا الاعتراض، فإن محاولة تأمُّل اللامبالاة والعجز الهائل الذي يعيشه مواطنو العالم اليوم تجاه الإبادة التي تتعرض لها غزة، وغرقهم في «حيزهم الخاص» في ظل سلطات و«دول عميقة»، كلية السيادة على الحرب والسلام داخل أراضيها وخارجها، تجعل هذا العالم المعاصر شديد الالتصاق بالطوبى الهوبزية وتجعل هذه الطوبى مدعاةً للاحتقار ونموذجاً مضاداً لا بد من تهشيمه.

* * * * *

يتفق بروفيسور جامعة يال والأناركي الأميركي، جيمس سكوت، والذي اشتهر بكتابه الموسوعي عن تاريخ الدولة الأول هومو دوميستيكوس، مع المفكر الألماني كارل شميت، أحد أهم نقاد النظرية السياسية الحديثة في القرن العشرين، وأحد أكبر مُستلهمي هوبز ونُقّاده، بأن الأخير قد قام بثورة كوبرنيكية في الفكر السياسي عبر قيامه بتحويل الدولة إلى كيان اصطناعي، يخلقه الإنسان ليعيش تحت رحمته. ولكنه بالمقابل، يعتقد بضرورة القيام بثورة كوبرنيكية في الاتجاه المضاد، بل ويعتقد بأن هذه الدولة الهوبزية، الباحثة عن الأمن والسلام، لم تجد لها تجسيداً يُذكَر في التجارب التاريخية التي أمضى حياته في دراستها، وأن محاولات تجسيدها لا يمكن أن تعرف نهايات سعيدة، بل ويعتقد بأن مقولة العقد الاجتماعي الهوبزية تصلح لأن تكون واحدة من الحكايا السحرية التي نرويها لأطفالنا قبل النوم.

اليوم، وعلى اعتبار أن سوريا قُبالة لحظة إعادة تأسيس بالغة التعقيد وأن الأسئلة لا تتوقف عن التناسل، تجد الوطنية السورية نفسها في موقع لحظة ضعف كبرى وهو ما دفع ياسين الحاج صالح إلى الدفاع عنها ونقد بدائلها، مؤكداً على ضرورة «بناء طيف واسع داعم لوطنية سورية ديمقراطية» لـ«إعادة هيكلة سورية تعاقدياً» عبر «مؤتمر إعادة تأسيس وطني ومصالحة وطنية» على أمل أن تتمكن هذه الوطنية من «تجاوز الفصام بين الكيان ووعيه»، وليؤكد على «المبدأ الجمهوري» الذي «لا يتقابل فقط مع المبدأ المُلوكي السُّلالي، الأسدي أو غيره، ولا مع نزعات نخبوية تحديثية تُفضِّلُ حكماً تسلطياً أو حتى إبادياً ما دام معادياً للإسلاميين، ولكنه كذلك ضد إسلامية طائفية، من صنف ما لدينا في الحكم اليوم».

ورغم الاتفاق الكامل مع ضرورة الدفاع عن الوطنية السورية والمبدأ الجمهوري اليوم، إلا أن هذه الأطروحة التعاقدية تبدو، كما كانت أيام هوبز، شديدة النظرية وغير قادرة على أي شكل وازن من الفاعلية السياسية، وتُخاطر بأن تنتهي بالوطنيين السوريين كما انتهت الحال بهوبز وهو يشاهد كيف يبقى حلم الليفياثان، الوحش التعاقدي كلي السيادة والقادر على إغلاق الباب نهائياً على الحرب الأهلية، كلاماً على ورق، ولا يتمخّضُ الصراعُ على السلطة إلا عن نظام صَلِفٍ وتعسفي، أو «بهيموث»، 2قادر على معاودة احتكار العنف والشرعية وعلى إعادة البلاد إلى الاستقرار دون القضاء على أسباب الحرب ليكون ذلك الاستقرار هروباً إلى الأمام، كما كان استقرار سوريا الأسد في الثمانينيات أو كما هي حال الاستقرار الذي تحاول السلطة الحالية إرساءَه.

وإن كان جيمس سكوت لا يجد في التاريخ العميق للدولة أي أثر لهذه التعاقدية، فإن التاريخ الحديث أيضاً لا يوحي بتحوّل هذه التعاقدية إلى أطروحة قادرة على جمع أسباب تَحقُّقها، فالدساتير التي تكتبها جمعيات تأسيسية منتخبة ومؤتمر وطني لم تتمكن من إجبار المجتمع وقواه على الالتزام بورق الدستور وكلامه، وهو ما شهدت عليه التجربة التونسيّة التي لم يتمكن نجاحُها في إنتاج دستور نموذجي من حماية انتقالها الديمقراطي من قيس سعيّد.

من جانبٍ آخر، لم تَقُم أبرز الدول الحديثة وأكثرها نموذجيةً، كما في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، بكتابة دساتيرها، إن وجدت، في جمعيات تأسيسية نموذجية، وغالباً ما قام «آباء مؤسّسون»، لا يعكسون في أي حال الحد الأدنى من تنوع مجتمعاتهم، وغالباً ما يمثلون سلطة أو قوة ظافرة بعد ثورة أو حرب،  بكتابة دساتير بلدانهم، وهو ما يدفع إلى المُحاججة بأن الدستور لا يتحوُّلُ إلى نص تأسيسي ووثيقة لمبادئ الاجتماع الوطني وبداهاته إلا بقوة السلطة أولاً وبعد تاريخ طويل من الصراعات والهيمنة، وأن بداية التحوُّلِ الديمقراطي لا تكون من إنجاز لحظة دستورية، تشتمل على حوار وطني وانتخابات لجمعية تأسيسية ومؤتمر وطني وكتابة الدستور، وإنما بتبلور قوة ديمقراطية أو بالأحرى «قوة انتقال ديمقراطي» قادرة على إجبار من لا يحترم كلمات الدستور على دفع الجمرك.

اليوم، لا يوجد ما يَعِدُ بأي لحظة تعاقدية نموذجية، وإذا اختلَّ ميزان القوى في جولات الصراع على السلطة الحالية فإن اللحظة التعاقدية التي ستنالها سوريا، بموجب 2254، لن تختلف في خوائها كثيراً عن اتفاق الطائف اللبناني. بالإضافة، لا يوجد في سوريا اليوم أي قوة انتقال ديمقراطي تُذكَر، ولكن الأكيد أن عودة السياسة إلى المجتمع بعد سقوط النظام ستدفع نحو مشهد جديد قد يسمح بتشكل هكذا قوة، وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً، وما قد يحتاج روحيةً استثنائية في لحظات يكاد فيها مشروع سلطوي جديد أن يقوم بتفجير سوريا وهو يحاول الفوز بسلطتها، ويبدو فيها «المبدأ الجمهوري» والطوبى الديمقراطية في أسوأ أيامها، بعد الأزمة الديمقراطية الهائلة التي تحكم البلدان التي تسودها وعودة الحرب والإبادة وصعود السلطوية النيوفاشية. يحتاج ذلك أيضاً الانتقالَ بالوطنية السورية من مخيال تعاقدي إنشائي إلى «وطنية ديمقراطية عملية»، قوامها شغلٌ نظري يسمح بتلافي أفخاخ الوطنية الإنشائية والخروج من مخيالها وفعالية ميكروية دؤوبة، لا تنتظر بسلبية لحظةً تاريخيةً جديدة يعاود فيها المجتمع التمرّد على سلطته ليقدم فرصة تعاقد جديد.

نظامٌ فلسفي لكل هذه الفوضى؟

من الظلم اختزال هوبز بالليفياثان، فكتاب «الليفياثان، أو المادة والشكل وسلطة الدولة المسيحية والمدنية»، المنشور عام 1651 والذي قام بكتابته بالإنكليزية، خلافاً لما هو سائدٌ في عصره، وبما يُظهر رغبتَهُ بأن يحقق كتابه هذا انتشاراً شعبياً يتجاوز الأوساط الأكاديمية، وليعطي اللغة الإنكليزية أحد أوائل كتبها الفلسفية الكبرى، لم يكن إلا اللؤلؤة التي  تتوج نظاماً فلسفياً شديد التعقيد والشمول. وقد كان هذا النظام الفلسفي الذي أطلق عليه هوبز اسم «عناصر الفلسفة» حدثاً مفصلياً في سيرته كما يقول، فهو المشروع الذي سيسمح بالتأسيس للسياسة كعلم. تَوزَّعَ المشروع على ثلاثة أقسام: «في الجسم»، «في الإنسان»، و«في المواطن»، ليقدم «أول أونطولوجيا مادية ميكانيكية شاملة متكاملة» على حد تعبير صادق جلال العظم في كتابه دفاعاً عن المادية والتاريخ.

رغم نشره كتاب في الجسم عام 1655 وفي الإنسان 1658، بعد كتابَي في المواطن والليفياثان، إلا أن الكثير من مسودّاتهم كانت قد كُتبت منذ سنوات طويلة، وكان الهدف من هذه الكتب التمهيد لكتبه السياسية، أو بناء الأرضية الصلبة التي تسمح بمقاربة علمية للسياسة أو بالأحرى بتأسيس علم السياسة، بكل ما تطلَّبته كلمة علم من مسلمّات وتمهيد وتعاريف وبراهين، على طريقة الهندسة الإقليدية، والتي كان اكتشافها أحد الأحداث المُؤسِّسة في حياة هوبز.

قام هوبز بنشر كتابه في المواطن عام 1642، وهو العام الذي أعلنت فيه الحرب الأهلية الإنكليزية عن بدايتها الرسمية، وهو ما قد يفسر قيام هوبز بإنهاء هذا الكتاب قبل الأقسام التي كان من المفترض أن تسبقه وتُمهّد له فلسفياً. سمحت هذه الصفحات، المكتوبة باللاتينية، بجذب انتباه الوسط العلمي والأكاديمي في عصره، ولكن النقلة الكبرى في مسيرته تحققت بعد قيامه بنشر الليفياثان، والذي يتألف من أقسام وفصولٍ عديدة، تُعيد إنتاج بعض مقولات في المواطن، مع فصول إضافية يناقش فيها موقع الدين في المجتمع وضرورة سيادة صاحب السيادة على تأويل النص المقدس، بعد فصول طويلة يشرح فيها نظريته المادية في المعرفة والأنثروبولوجيا التي يبني عليها تصوره لضرورة عقد اجتماعي يعلن فيه المواطنون إذعانهم لصاحب السيادة، بما يسمح بولادة الدولة الحديثة، بوصفها «إلهاً دنيوياً» أو الليفياثان.

* * * * *

على عكس الفرنسي جان بودان، لم يعش هوبز في فرنسا أثناء الحروب الدينية 1562-1598 التي أعقبت الإصلاح البروتستانتي، والتي لم تتوقف فيها الزعامات الدنيوية والروحية عن الاقتتال وتكريس أبشع أشكال العنف والكراهية بين الجماعات الأهلية والدينية الأوروبية، ليبدو المشهد قابلاً للاشتعال في أي لحظة وفاقداً لأي هرميةٍ صلبة. مقولة السيادة، والتي كان بودان أول من قدَّمها، جاءت لتؤكد على ضرورة طيّ صفحة التمزق الديني وتَعدُّد الرؤوس عبر منح السلطة السياسية كامل السيادة، لتكون سيادةً واحدة غير قابلة للتجزئة، ولتكون أبديةً ومتصلة بكل شؤون الحكم، بما يمنع السلطات الدينية، سواء كانت الكنيسة الكاثوليكية أو غيرها من الزعامات الروحية من جرِّ البلاد والعباد إلى أتون حربٍ همجيةٍ لا تنتهي.

من جهةٍ ثانية، وبالتزامن مع نهاية الحرب الأهلية الإنكليزية التي عاصرها هوبز، أعلنت معاهدة ويستيفاليا نهاية حرب الثلاثين عاماً والتي جمعت الكثير من قوى القارة الأوروبية، وهي المعاهدة التي تُعتبر اليوم بمثابة البداية الرسمية للدولة الأمة عبر تأكيدها على ضرورة احترام الجميع، وبخاصة السلطات الكنسية، لسيادة السلطات السياسية على أرضها، ليكون بروتستانت فرنسا على سبيل المثال رعية السلطة الفرنسية الكاثوليكية أولاً، ولا يكون اضطهادهم سبباً في اشتعال الحرب مع السلطات بروتستانتية الهوى.

لم تكن إنكلترا معنيةً بشكل مباشر بمعاهدة ويستيفاليا، إلا أن هوبز كان أوروبياً مُعتاداً على عوالم البلاطات وعلية القوم وأخبارهم ومحيطاً بالكثير من مجريات عصره ومناخاته، فإن كان قد عاش أغلب طفولته في ظل عائلة متواضعة وفقيرة، تحت رعاية عمّه بعد وفاة أبيه، إلا أن عمه قام بالاهتمام بتعليمه، وهو ما أثبت جدواه، فتحصيله العلمي الرفيع كان المدخل الذي سمح له بتحقيق واحدة من النقلات الكبرى في حياته، ليساعده عمله كمربٍ ومُرافق لبِكر عائلة أرستقراطية، لا يصغره إلا ببضعة سنوات، على التسلل إلى مجتمع النخبة، لينتقل إلى حياة حيوية قوامها السفر، وليلتقي عليَة القوم وكبار المفكرين والعلماء في عصره، ويزور الحواضر الأوروبية ويلتقي بعض أبرز وجوهها ونوابِغها.

في خمسينياته، وخلال الحرب الأهلية الإنكليزية 1642-1649، وخشيةً من عواقب مواقفه المُناصِرة للملكية، لجأ هوبز إلى باريس ليقضي بعض السنوات الغنية فكرياً، وليعمل مربياً لولي العهد الإنكليزي تشارلز الثاني، وهي العلاقة التي ستؤمن له بعض الحصانة وستوفر عليه بعض المحاكمات التي طالب بها بعض خصومه بعد عودته إلى إنكلترا.

في بداية الحرب، نشر كتابه في المواطن، وبعد نهاية الحرب الأهلية وقطع رأس الملك تشارلز الأول وانتصار كرومويل وجمهوريته الاستبدادية نشر الليفياثان. كان الكتاب دعوةً إلى سيادةٍ مطلقة، وهو ما قاد البعض إلى اتهام هوبز بتغيير الدفة ومحاباة كرومويل نظراً لدعوة الكتاب إلى إذعان المواطنين إذعاناً مطلقاً لصاحب السيادة. بالمقابل، ولأن السيادة المطلقة التي يدعو إليها هوبز ترتكز على مقولة العقد الاجتماعي، تعرض لنقد المعسكر المَلَكي نظراً لتناقض هذه المقولة مع مقولة «الحق المقدس» الذي ترتكز عليها الشرعية المَلَكية.

لم يوجد في ما تركه هوبز ما يدلل على جمهوريته أو كرومويليته، بل وتشهد كثيرٌ من كتاباته وتفاصيل سيرته على مَلَكيته، ولكن هذا الاتهام يمكن أن يكون فرصةً للتذكير بأن الحرب الأهلية الإنكليزية كانت شديدة الانقسام وشديدة الجذرية، فمن نَصِفُهُم اليوم بأنصار البرلمان لم يكونوا قد سيطروا على البرلمان، بل وكان قرابة نصف البرلمان مَلَكياً، وهو ما يُظهِرُ حدّة الانقسام الذي ميّزَ هذه الحرب الأهلية التأسيسية والتي اندلعت بعد ازدياد حدة التناقضات بين البرجوازية الصاعدة حديثاً والأرستقراطية الإقطاعية التقليدية، وما قد يجعلنا أقدرَ على فهم إصرار هوبز على ضرورة الخروج من حالة الانقسام وعلى واحدية صاحب السيادة، بل وتعاليه، قبل ترديد الاتهامات، المشروعة، لمقولاته ونظامه الفلسفي، بوصفه أحد الجذور النظرية للمَلَكية المطلقة والشمولية الحديثة.

في البدء كان الجسم؟

لفهم أُسس العمران السياسي العقلاني الذي اقترحه هوبز للدولة الحديثة، لا بدَّ من الاهتمام بالأنطولوجيا المادية والأنثروبولوجيا المتشائمة التي اشتملَ عليها نظامه الفلسفي، والتي استلهمها من الفتوحات المعرفية التي عرفها عصره.

عاصر هوبز غاليليو كما كان صديقاً مقرباً من الطبيب البريطاني ويليم هارفي، وكان التصور الميكانيكي والثورات المعرفية التي ساهم غاليليو في التأسيس لها عبر دفاعه ومساهمته في التَصوُّر الفلكي الكوبرنيكي القائم على مركزية الشمس ودوران الأرض حولها، والمُناقِض لكوسمولوجيا بطليموس وأرسطو والمؤسسة السكولائية، أو التصور الميكانيكي لعمل جسم الإنسان والذي توحي به  الدورة الدموية التي اكتشفها هارفي، هو ما جعله شديد الإيمان بـ«أنها تدور» وبأن الثورة الميكانيكية التي تشهدها عوالم الفيزياء والفيزيولوجيا تحتاج إلى ولوج عوالم السياسة والاجتماع.

لذلك أصبح الجسم والحركة موضوعي الفلسفة ومَتنَها في الأنطولوجيا 3 المادية التي اقترحها هوبز،  فـ«كل شيء هو جسم، كل شيء يتغير بفضل الحركة، وكل شيء يتغير بالضرورة»، وهو ما يبدو وكأنه يُحوِّلُ الفلسفة إلى أحد علوم الميكانيك التطبيقية. الإنسان، والدولة والله،  وكل شيء آخر هو في النهاية جسم، والمشاعر تعبير عن الحركة الداخلية للجسم، فكما اكتشف هارفي أن الدم يدور داخل الجسم، قد يكتشف آخرون ما يعبر عن هذه المشاعر ويسمح بمعاينة حركتها الفيزيائية.

وإن كانت علوم الميكانيك واحدةً من ميادين شغف الفيلسوف الإنكليزي، فإن رغبته بالتأسيس لقطيعة منهجية مع علوم الأولين، أرسطو وأتباعه من السكولائيين، كانت أيضاً واحدة من هواجسه الكبرى، فمفهوم الجسم الهوبزي والذي يبدو شديد البراءة، هو في صُلبه قطيعة فلسفية مع المقاربة الأرسطية، والتي تعتبر بأن الجسم corps هو مادة substance مكونة من شكل ومادة «أولية» matière، وهو ما يمكن تبسيطه بتحويل الجسم إلى بَدَن وروح باللغة اليومية المعاصرة، لتبقى الروح علّةَ البدن ومبدأه. مقاربة هوبز، بدورها تؤكد على أسبقية المادة على الروح، وتُحوِّلُ الأخيرة إلى مجرد خاصّة أو وظيفة من وظائف الجسم الحي ولاحقةٍ عليه، فلا تعود الروح مُحرِّكَ الجسد وعلّته ولا يجدر استخدامها إلا كتعبير، مجازي، عن الخصائص النفسية والذهنية التي تتميز بها المادة الحيّة، وهو يؤهله ليكون رائدَ الفلسفة المادية في العصر الحديث.

لا تتوقف هذه النزعة المادية الميكانيكية عند ذلك، فالحرية تحظى كذلك بتصور ميكانيكي قائم على النفي، وهو ما حافظ على بعض الأثر في مقاربة الليبرالية الحديثة عموماً لمفهوم الحرية، فهو يعتبر بأن الحرية تتلخّصُ في غياب العوائق أمام الحركة، لتبدو أقربَ إلى سوائل تجري في العقل كما يجري الدم في الدورة الدموية التي اكتشفها هارفي. وما قد يُعيق الحرية هو بذلك تلك الهواجس والمشاعر التي تسكننا، وتمنع عنا ما قد تمنحه هذه الحرية من سلامٍ داخلي.

من ناحيةٍ ثانية، تمتاز نظرية المعرفة الهوبزية بمَيلٍ مساواتي فترفضُ المقاربةَ الدينيةَ التي تعطي الإنسان موقعاً مركزياً واستثنائياً في الكون، وتحاول أن تتحلَّى بأكبر قدر من المساواة بين الأجسام. على هذا النحو، لا يختلف الإنسان عن الحيوان كثيراً، وتتشارك هذه «الأجسام المتحركة» في أغلب المَلَكات الذهنية والحركية، فهي تفكر وتمتلك العاطفةَ والإرادة… واللّغةُ هي وحدها ما يميز الإنسان عن الحيوان. الناس فيما بينهم متساوون أيضاً وإن بطرائق مختلفة، لا يختلفون عن بعضهم فكراً إلا بسبب التباين في التعليم والخبرات التي حظوا بها، وأضعفُ الناس عضلياً قد يمتلك من الحيلة والدهاء ما يسمح لهم بالقضاء على من يتفوقون عليه بالقوة العضلية، وهو ما يُمكِّنُ كل فرد من التسبب بالأذى للآخرين.

* * * * *

غاليليو 1564-1642، رائدُ التصوُّرِ الميكانيكي، لم يكن مجرّد مُلهِم من مُلهِمي توماس هوبز، بل كان صديقاً قابله مراتٍ عديدة. فقد قام هوبز برحلاتٍ عديدة في القارة الأوروبية، زار خلالها فرنسا وألمانيا وإيطاليا والكثير من الحواضر الأوروبية. كانت باريس محطته المفضلة، وقضى فيها فترات مُعتبَرة من حياته، كما التقى في جولاته بالكثير من الشخصيات التي أَلهمته وأثَّرَت في تفكيره، فقد تعرَّفَ على الإنسانوي الكبير الأب ماران ميرسين، والذي اجتذبَ حوله بعض أبرز وجوه أوروبا ونوابغها في تلك الحقبة، من ديكارت إلى هوبز مروراً بباسكال وفيرما. سِجالاته مع ديكارت كانت أقلَّ إلهاماً بكثير وهو ما تشهد عليه مراسلاتٌ عاصفة، يبدو فيها أن أحداً منهما لم يفهم الآخر بِجدّية، وأشهر ما يميزها عبارة هوبز اللاذعة في احتقارها لكوجيتو ديكارت، والتي استلهمت «أنا أفكر إذاً أنا موجود» للقول «أنا أمشي إذاً أنا نزهة».

جان تيريل، الاختصاصي الفرنسي في فلسفة هوبز، يؤكد بأن لقاء هوبز مع غاليليو والفيزياء الميكانيكية كان أحد العناصر الثلاثة الأكثر تأثيراً على فكره ومساره، وهو ما تُظهره وبشكل صريح الكثير من كتابات هوبز، الراغب بالتحول إلى «غاليليو السياسة»، والانتقال بها إلى حالة العلم، على حد تعبيره به في كتابه في المواطن، والذي اعتَبَرَهُ بأنه أول كتاب في علم الدولة.

* * * * *

لا تقتصر الرؤية الميكانيكية على هوبز وفلسفته، بل ونجدها طاغيةَ الحضور في فلسفة ديكارت المعاصر له، بل وتُحافظ مقولاتُ السببية والحتمية على حضورها في الكثير من العوالم الفلسفية اللاحقة. الماركسية مثلاً، تحولت على يد أغلب تنويعاتها العربية والسوفييتية إلى اقتصادوية ميكانيكية رثّة تقارب واقعاً محكوماً بالحتميات.

تُقارب السببيةُ الميكانيكية الواقعَ الفيزيائي الذي تشتغل فيه بوصفه مُكوَّناً من أجسام وعناصر وذرات تتحرك وفق قوانين يمكن تجسيدها بمعادلات رياضية سكونية، وهو ما يعطيها طابعها الميكانيكي والحتمي، وهو ما يُلهم العلوم الاجتماعية في مقاربتها للإنسان بوصفه فرداً ذرياً، وهو ما يبدو اليوم شديد التهافت، حيث تقودنا الفيزياء الكمومية إلى مقاربة الواقع الفيزيائي بوصفه جُسيماً وموجة، يسوده مبدأ اللايقين الهايزنبرغي والرياضيات الاحتمالية. على سبيل المثال، لا يمكن فهم استقرار المادة التي تُكوِّنُ الطاولة أو أي شيء آخر إلا عبر مبدأ هايزنبرغ وغيره من مقولات الفيزياء الكمومية والاحتمالية، ولا يمكن للطاولة إلا الانهيار أو الانفجار إن التزمت بحدود عوالم الفيزياء الميكانيكية. هذه المفاهيم التي تسللت إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، تدعونا لمقاربة الظواهر الفيزيائية والاجتماعية باستخدام مقولة «النظام المعقد»، الذي يتألف من عدد كبير من العناصر، والتي يسمح تَفاعُلها بإنتاج سلوك مستقر، لا يمكن التنبؤ به عبر الاكتفاء بدراسة سلوك العناصر لوحدها، والذي يكون فيه لكل عنصر سلوكٌ مفارقٌ لسلوك الجسم الكلي.

يسمح هذا التصور الظافر في عوالم الفيزياء بتخيل الإنسان بوصفه كائناً علائقياً، وهو ما قد يبدو شطحاً شعرياً أو صوفياً يريد أن يقارب الإنسان بوصفه كائناً فسيحاً كما يقول والت ويتمان، أو بوصفه مجرة كما يقترح الصوفيون، ولكن التقاليد الفلسفية السبينوزية، وبعض الفلاسفة المعاصرين كإدغار موران وبعض المدارس السوسيولوجية كمدرسة شيكاغو، مضت في هذا الطريق وهو ما منحها الكثير من الحيوية وما يبدو شديد الوجاهة عند التفكير في أنظمة معقدة كالفرد والمجتمع والوعي، وما قد يسمح بمقاربة أكثر تواضعاً وعيانية لتعقيد الوجود الإنساني ومعضلاته.

أرسطو وأساطير الأولين؟

لم تكن المقولات العلمية التي أنتجها علم الميكانيك كُلَّ ما أثار اهتمام هوبز بغاليليو، فقد أدركَ أن مواجهة الأخير للتصور البطلمي والأرسطي لانتظامِ الكواكب والكون، وللاحتضان الكنسي والسكولائي لهذه الأطروحات بفضل تماشيها مع المقولات الدينية القائمة على مركزية الإنسان في الخلق، كانت أكبر بكثير مما يبدو وأحد فصول ثورة معرفية شاملة سبق وشهد فصلاً آخر من فصولها، فقد عمل قبل ذلك مع فرانسيس بيكون، والذي دشّنَ في كتابه المنشور في عام 1620، الأورغانون الجديد، قطيعةً منهجيةً أخرى مع الأرسطية والسكولائية في مجال المنهج والإبستمولوجيا، وذلك عندما اقترحَ استبدال المنهج الأرسطي القائم على الاستنتاج والمنطق، بـ«منهج علمي» قائم على الملاحظة والتجريب والاستقراء. ردودُ الأفعال على عمل بيكون سمحت له أيضاً بمعاينةِ رجعيةِ الوسط السكولائي وجامعاته، وهو ما زاد من نفوره من هذا الوسط والذي بادله النفور طوال عمره، بل وقام الكثير من رجالاته بملاحقته ووصمه، والمطالبة بمحاكمته على «الإلحاد» و«نشر الفتنة». وإن نجحت علاقة هوبز بالملك في توفير بعض الحصانة قبالة هذه الهجمات، إلا أن جامعة أوكسفورد قد قامت بعد وفاة الفيلسوف بسنوات قليلة بإدانة بعض كتبه وحَرْقِها في مراسم احتفالية.

* * * * *

تختلف رؤية هوبز للطبيعة الإنسانية عن رؤية جون لوك الليبرالية السائدة في أيامنا، والتي تضع مقولة الإرادة الحرة في صلب الطبيعة البشرية، فهوبز يعتقد بأن الإنسان مفطورٌ على القلق من الموت، وبخاصة العنيف والمفاجئ، وأن رغبته بالانتصار على الموت تقوده إلى البحث عن المجد وهو ما يجعله ميالاً للغرور ومسكوناً بروح التنافس وبرغبته في زيادة سلطته، ما يجعل «الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان»، على حد تعبير مقولته الأشهر، والتي لم تَرِد إلّا مرة واحدة في أعماله.

بالمقابل، يتفق هوبز مع أرسطو على الطابع الاجتماعي للإنسان، ولكنه يُحوِّلُ ذلك إلى امتداد للفطرة القائمة على القلق، فالإنسان ليس اجتماعياً لأنه مفطور على ذلك، وهو ليس كذلك إلا لأنه لا يستطيع أن يُشبِعَ غروره وحاجته للسلطة والتقدير والاعتراف أو أن يروض إحساسه بالقلق، إلا بوجود الآخرين وعلى حسابهم، أي أن لقاء الإنسان بالآخرين مدفوعٌ بالضرورة برغبته بإخضاعهم والانتصار عليهم وهو ما يمكن أن يقود الاجتماع الإنساني، في الحالة الطبيعية، إلى حالة من الصراع، أو ما يسميه هوبز بـ«حرب الجميع على الجميع»، والتي لا تَعِدُ الإنسان إلّا بـ«حياة قصيرة ومتوحشة يسودها الشرّ والعزلة والعازة».

* * * * *

فيما يبدو استكمالاً لقطيعته مع أرسطو، وأحدَ عناصر جِدّته التاريخية، قام هوبز بالتأسيس لنظريته في السياسة بالاعتماد على الأنثروبولوجيا المتشائمة التي اقترحها. أراد صاحب كتاب عناصر القانون الطبيعي والسياسي 1640 للسياسةِ أن ترتكز على مقاربة علمية «للطبيعة البشرية»، لتكون تفكيراً كونياً عابراً للزمان والمكان، ودحضاً لمذهب استقراء التاريخ وعِبَرِه، لتصبح دراسة أرسطو الحثيثة لتجارب المدن والمجتمعات وأنظمة الحكم التي وصلته أَخبارُها حجةً عليه، لا نقطة قوة ارتكزت عليها كتابته «في السياسة».

قام هوبز بذلك بقطع العرى بين  التاريخ والسياسة، ليربطها بحتميات الطبيعة البشرية، ليبدو وكأنه كان في ذلك ممن ساهموا في حبس السياسة في مخيال وضعي عِلموي، يختزلها في قوالب جاهزة، ويمنع عليها التورط، ولو نظرياً، في مغامرة حية ومفتوحة المجهول، أملاً بالانتقال من فن السياسة إلى علم السياسة.

* * * * *

تعتقدُ حنا آرنت بأن هوبز يقوم بتأسيس رؤيته للطبيعة البشرية من خلال تأمُّل ابن طبقته، الفرد البرجوازي، فقط لا غير، أي الفرد الغارق في حُبّ ذاته والمتمركز حولها والمسكون بهاجس الجري وراء مصالحه وإشباع حاجاته وهواجسه. الإنسان الذي يتحلَّى بقيم المروءة أو الكرم أو الغيرية لا يمكن وفق هذه الرؤية الهوبزية أن يكون تعبيراً أصيلاً عن الطبيعة البشرية، أو لا يمكن لقيمه هذه إلّا أن تكون قشرةً رقيقة تغطي مصالح المرء وشهواته وهواجسه. ولكن اختزال الإنسان بذلك وإنكار وجود الطابع العلائقي الاجتماعي، كمعطى أنثروبولوجي وليس بوصفه نتيجةً لسعي الإنسان لتلبيه حاجاته ومصالحه، أي عبر العودة إلى أرسطو، والذي تُعبِّرُ عنه آرنت بميل الإنسان الفطري نحو الفضيلة المدنية، يُفقِدُ الحياة السياسية تَنوُّعَها ويتسبب باختصار السلطة في الهيمنة، واختصار الصراع على السلطة إلى صراع من أجل الهيمنة.

السؤال الذي تطرحه غزة على السوريين يبدو بدوره مَدخلاً آخر لفهم جوانب أخرى من نقد حنا آرنت لهوبز، فبعد سنوات الحرب الطويلة، وبعد أن اتضح بأن «كل ما عليها فانٍ»، وبأن «الإنسان لا يعيش إلا حياةً واحدة»، يفقد السوري قدرته على الإحساس بالآخر، ويصبح أكثر «برجوازيةً» مما اعتاد، مسكوناً بضرورة الالتفات لنفسه والجري وراء مصالحه، والاكتفاء ببناء الدولة وتأسيس السيادة وفق مُحدِّدات العصر، حتى لو اقتضى ذلك التطبيع والسلام مع المحتل الإسرائيلي، والذي يقوم هذه الأيام بإبادة غزة. قد نتفق مع هذه الرؤية وقد نختلف معها، وأغلب الظن أننا لن نتمكن اليوم من تقديم رؤية أكثر إقناعاً من هذه الرؤية «البراغماتية» فيما يتعلق بالسلطة والسيادة، ولكن الكثير منا، وبخاصة الفلسطينيين السوريين، سيحاولون، كاليهودية حنا آرنت، التفكير بسياسة مختلفة عن هذا الأفق الذي لا يمكن للمخيال السياسي الحديث، الهوبزي نوعاً ما، تجاوزه.

السيادة المطلقة وضرورة العلمانية

وُلِدَت مقولة السيادة، والتي تجسد روحَ الدولةِ الليفياثان، إثرَ صراعاتٍ طويلة ومريرة بين السلطات الكنسية وباقي سلطات القارة الأوروبية العديدة، والتي لم تتوقف عن الاحتراب طيلة مرحلة القرون الوسطى المتأخرة. كانت في أغلبها صراعات بين السلطات الروحية المُمثَّلة بالكنيسة الكاثوليكية والسلطات السياسية المُمثَّلة برأس الإمبراطورية الجرمانية المقدسة والأمراء والملوك المُوزَّعين على أقاليم أوروبا وأراضيها. ساهمَ الإصلاح البروتستانتي في مطلع القرن السادس عشر في نقل هذه الصراعات إلى مستوى آخر، شعرت فيه الكنيسة الكاثوليكية بتهديدات وجودية، وبضرورة الصراع على جميع الجبهات. كانت المجتمعات الأوروبية وقودَ هذه الصراعات وميدانَها وقد عاشت بسببها بعض أحلكِ مراحلها، وهو ما جعل التفكير بأسئلة السياسة والسيادة شديد الإلحاح. لم تكن الحرب الأهلية الإنكليزية غريبةً عن هذه المناخات أيضاً، ولم تتوقف على بُعدها السياسي والاجتماعي، وإنما رافقتها كثيرٌ من الصراعات الدينية في ظل كنيسة أنجليكانية عاجزة عن فرض هيمنتها على المشهد الديني، وهو ما دفع هوبز للتفكير مطولاً في السيادة والدين وعلاقتهما ببعضهما.

دفع ذلك هوبز إلى افتتاح فصل جديد من فصول التفكير في مفهوم السيادة، ليستكمل ما بدأه الفرنسي جان بودان، أملاً بنقل ما تبقى من سيادة السماء إلى الأرض وبطريقةٍ نهائية. أكد جان بودان بأن الجمهورية هي من تحكمها سلطة ذات سيادة تستحق اسمها، وبأن السلطة السيّدة هي السلطة القادرة على القيادة، والتي تتمتع بسلطات مطلقة وأزلية، وغير قابلة للتقسيم. أثرّت أفكارُهُ على الوزير الفرنسي ريشليو، وهو ما جعله العرَّاب النظري للملكية المطلقة الفرنسية. ولكنه، ورغم كل هذه الفتوحات، عجز  عن انتزاع كامل السيادة من السماء، لتبقى سيادة صاحب الجلالة، في المطاف الأخير، تابعةً لسيادة صاحب العُلى، وهو ما قد يتحول إلى نافذة تعاود الكنيسة من خلالها التسلُّسل إلى المشهد.

تمسَّكَ هوبز أيضاً بالسيادة المطلقة وحَوَّلها إلى واحدة من مقولاته الكبرى لتبدو وكأنها غاية نظامه الفلسفي الشاهق، وروح الدولة والسبيل الوحيد لحماية المجتمع من ويلات حالة الطبيعة وحرب الجميع على الجميع، وأراد أن يذهب بالمقولة إلى نهاياتها المنطقية عبر تقديم رؤية علمانية لعلاقة الدولة السيّدة بالدين والسماء.

كانت العلمانية التي اقترحها هوبز مدفوعةً برغبته في انتزاع كامل السيادة للدولة من السلطة البابوية، وهو ما يظهر مدى حيوية التفكير بالعلمانية وارتباطها الشديد بمفهوم الدولة صاحبة السيادة. يَظهر ذلك في مناقشته النقدية لأفكار الكاردينال بيلارمين في كتاب الليفياثان، والذي قام فيه بدحض حجج الكاردينال المدافعة عن سمو بابوية الكنيسة، وسيادتها، قبالة الدول، وما يسمح به ذلك من تدخل في شؤونها الداخلية. لدحض هذه الحجج، كثيراً ما ارتكز هوبز على النص المقدس، باحثاً عمّا يؤكد بأن «الإنسان هو خليفة الله على الأرض»، وبأن صاحب السيادة الدنيوي هو وحده من يمتلك الحق في تأويل النص المقدس، ليكون واجباً على السلطة الكنسية الخضوع للسلطة الدنيوية، لا العكس.

* * * * *

رفضَ هوبز المَثنوية الديكارتية والأرسطية وأسَّسَ أول أنطولوجيا فلسفية مادية، ولكن ذلك لا يسمح لنا بمعرفة إن كان هوبز ملحداً أم لا. بالمقابل، هناك ما يسمح بالتأكيد على أن سجاله لم يستهدف الدين والتدين، وإنما المؤسسة الدينية والمقولات والتقاليد الثيولوجية التي تؤسس لشرعيتها وشرعية سلطتها، والتي ترغب بتكريس سموها فوق السلطات الدنيوية وتشريع هذا السمو والتنظير له. بالإضافة إلى ذلك، يذهب جان تيريل إلى أن هذا الفيلسوف، الذي عَرَّضتهُ سجالاته وتأمّلاته الفلسفية في الدين وعلاقته بالدولة للكثير من المحاكمات بتهم الإلحاد والفتنة، كان يعتقد بأنه إن كان القلق هو الرفيق الأزلي للإنسان في وجوده، وإن كانت السياسةُ الوسيلةَ الأجدى للحد من سطوته وتوفير السلام والأمان، فإنها لا يمكن أن تنجح في مهمتها هذه بشكلٍ كامل، والدين وحده هو ما يمكنه استكمال ما تعجز السياسة عن توفيره من سلامٍ وسلوان.

* * * * *

تجد العلمانية الهوبزية القائمة على ضرورة اتباعِ المؤسسة الدينية للسلطة السياسية مثالها الحي في تركيا ومصر وسوريا وأغلب الدول العربية، بطرق غير مباشرة أحياناً وبأساليب قامعة لحرّية الضمير في عُمقها في أغلب الأحيان، أو ما تعرفه بعض الدول الاسكندنافية بطرق أكثر دستورية ونعومة. قد يسمح هذا الشكل من العلمانية للدول باستكمال سيادتها، بل ويبدو شرطاً من شروط هذه السيادة عند وجود مؤسسة دينية قوية كالكنيسة الكاثوليكية، ولكنه بالمقابل ينزع عن الأديان الكثير من حيويتها، ولعلها إحدى الديناميات التي تسببت بتغييرات وازنة في الظاهرة الدينية في عوالم الحداثة، فهذه العلمانية الدولتية، الأكثر تَسامُحاً مع الدين والمؤسسة الدينية من اللائكية الفرانكوفونية، لا تقبل في نهاية المطاف إلا بتدجين الدين وتطويعه، وهو ما تعطي عليه سوريا الأسد مثالاً فاقعاً، عبر رعايتها لبعض المذاهب الامتثالية، كالمذاهب الصوفية الطرائقية، ومحاربتها لكل ما لا يمكن التحكم به. انتهى ذلك بتبني شرائح وازنة من المجتمع تَديُّناً سلفياً، لا يختلف في نهاية المطاف عن الروح الامتثالية التي يمليها التدين الطرائقي، أو في انصبابه على التقاليد والشعائر والطقوس وانصرافه عن أسئلة الإيمان والتقوى، ليفقد التدين السوري، بأغلب تنويعاته، قدرته على خلق تَديُّن فرداني ومشهد ديني حيوي فكرياً وروحياً يسمح لمن يتابعه بتنمية ذاته وضميره والتفاعل مع عصره.

العودة إلى أرسطو؟

يتنازع هوبز مع ديكارت على أبوة الفلسفة الحديثة، ويحتكر أبوةَ تقاليدها المادية، وهو بلا أدنى شك الأبُ المؤسس للنظرية السياسية الحديثة وأحد أكبر عرابي المخيال السياسي المعاصر، الذي تسكنه نزعةٌ خلاصية تعتقد بضرورة الثورة للخلاص من هذا الواقع وإعادة اختراعه وفق عقدٍ اجتماعيٍ جديد، أو نزعة ليبرالية، متصالحة بدرجة أكبر بكثير مع الواقع وراغبة بإصلاحه وتحسينه دون المساس بأسس العقد الاجتماعي القائم. وفقاً لهذا المخيال، لا يمكن للسياسة إلا أن تمر بالصراع على السلطة للوصول إليها والتحكُّم بالدولة، والتي لا يمكن أن تكتسب شكلها دون عقد اجتماعي ودستور. بالمقابل، وإن كانت معادلات الصراع على السلطة والوصول إليها قد اكتسبت الكثير من المرونة والديناميات التي تسمح للمجتمع بإيصال أكثر أصواته حيويةً وحضوراً، فإنها حتى في أكثر المجتمعات ليبراليةً لا تزال خاضعة للكثير من الديناميات الغريبة عن إرادة المجتمعات وتَطلُّعاتها، فلا تزال الميديا التلفزيونية والشبكات الاجتماعية والصناعة الثقافية مثلاً منحصرة في أيدي قلّة تنتمي للشرائح الأكثر ثروةً في المجتمعات، وما زال لها دور وازن وفعّال في التأثير على الصراعات السياسية وفي التلاعب بالعقول والتأثير على اللحظات الانتخابية …

أزمة الديمقراطية التمثيلية التي يعيشها العالم اليوم، في غربه قبل شرقه، والتي أعطت أول ملامحها في محدودية لحظة الـ 68 الفرنسية، ومحدودية وإخفاقات ما تلاها من ثورات وحركات اجتماعية، تعاود طرح السؤال عن ضرورة ابتكار أشكال جديدة من الفاعلية السياسية، من خارج معادلات الصراع على السلطة وقيادة الدولة، ولو مؤقتاً، بهدف الخروج من حالة الاستعصاء التي تخلقها الهيمنة النيوليبرالية.

اليوم، وبعد أن قام الغربيون ببناء دُوَلهم الحديثة، وبعد تَحوُّلها إلى قوى استعمارية وإمبريالية وإمبراطورية، وبعد تَراكُبها جميعاً في جسد الليفياثان الأميركي، وصعودِ ليفياثان صيني … واستمرار هذه الوحوش بالتضخم واتّضاح عجز مجتمعات إقليمنا عن بناء وحوشها، كما حصل مؤخراً في المشروع الإيراني، وغياب أي أمل ببناء دولة سورية حديثة في ظل وجود هكذا وحوش، يصبح الكلام عن بناء الدولة، على الطريقة الهوبزية/الحديثة، أقربَ إلى إهدار للوقت والطاقة، بل وقد ننتهي في حال نجاحنا في بناء الليفياثان الخاص بنا إلى خلق عقبة جديدة وكبيرة أمام كل محاولة للتحرُّر والعيش الطيب.

مُعاودة التفكير في الأرسطية، والتي حاول هوبز طردها كلياً من عوالم السياسة الحديثة، قد تُساعدنا على تفكير مختلف، يصالحنا مع مقولات غريبة نوعاً ما، كالأخوّة، والتي تشكل إحدى شعارات الثورة الفرنسية، والمقابل الأكثر قُرباً من مقولة الصداقة الأرسطية، أو عبر مصالحة السياسة التحررية مع جذرها الوجداني، بوصفها فعالية فطرية وتجسيداً للإحساس بالآخر، وعبر العمل على هامش ديناميات الصراع على السلطة، بطموحات أصغر وأكثر ميكروية، على أمل التحول إلى قوىً قادرةٍ على صناعة عقد اجتماعي جديد أكثر تشاركية، لا الاكتفاء بالإذعان أو التفويض والتمثيل.