في الذكرى الأولى لمقتل حسن نصرالله، الأمين العام السابق لحزب الله، بغارة إسرائيلية استهدفته في بيروت، أصرّ الحزب على تحدّي قسم كبير من اللبنانيين، وتحدّي قرارات الحكومة اللبنانية، وتجاوز كل المساعي والوساطات، فجمع جمعاً غفيراً من أنصاره قبالة صخرة الروشة، أحد أهم معالم لبنان السياحية قبالة ساحل العاصمة بيروت، وأضاء الصخرة بصورة نصرالله وخليفته هاشم صفيّ الدين الذي اغتالته إسرائيل بعد اختياره أميناً عاماً إثر مقتل نصرالله.
ففي تحدٍّ سافرٍ للقرار الحكومي اللبناني، فعل “حزب الله” ما يريد، غير عابئٍ بالرفض الشعبي والحكومي لخطوته هذه، وغير آبهٍ لما يمكن أن يحدث من تداعيات سياسية وأمنية جرّاء فعلته هذه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: “هل يستحق هذا الأمر كل هذا الاحتقان، في ساحة مشدودة لا تحتمل؟”.
يبدو أن الأمر يستحق، لكن ليس الهدف تخليد ذكرى “أمينهم العام الأسطوري”، إنما لأمرٍ في نفس يعقوب. فما الإصرار على إضاءة صخرة الروشة إلا دليل فاقع على إفلاس سياسي نادراً ما وصل إليه حزب سياسي في لبنان، إن استثنينا أحزاباً ألغتها الحرب اللبنانية مثل تنظيم “المرابطون” الناصري السني. فإفلاس “حزب الله” بعد هزيمته في حرب “إسناد” غزة ضد إسرائيل أضعفه إلى درجة ما بقي له معها من حيلٍ لافتعال المشكلات إلا مع الحكومة اللبنانية، وهي أضعف الأطراف اللبنانية، أو أن يستفزّ الطوائف اللبنانية الأخرى. فإسرائيل أنهت أسطورة “درة تاج محور المقاومة”، وادعاء “اللاعب الإقليمي الأقوى في الهلال الشيعي”، وأتت على وهم “المقاومة”. وما تحدّي رئيس الحكومة نواف سلام إلا متنفسه الوحيد اليوم. ولا داعي للتنويه بأن الحزب لن يسلّم سلاحه للدولة اللبنانية، رغم أنه مهزوم ومتصدّع. فقيادة الحزب تعيش – وتُعيِّش بيئتها – حالةً من الإنكار السياسي ـ الأمني ـ الاجتماعي، تجعلها أكثر ميلاً إلى التحدّي غير المجدي والعنف العشوائي، وما التلويح الدائم بالحرب الأهلية إلا دليل على ذلك.
اليوم، وبعد “تكويعة” أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم في مسألة فتح صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية، يبدو أن تحدّي قرارات الحكومة اللبنانية هو السبيل الوحيد المتوفر له كي يشدّ عصب الشيعة الذين بدأت نخبة منهم تنفكّ عنه، بعد اتهامه بجرّ الطائفة ولبنان إلى صراعات عبثية خدمةً للمحور الإيراني.
ما يظهر اليوم فعلياً هو أن هذا التحدّي هو “سقف” الحزب، إذ ما عاد قادراً على المواجهات التي كان يهدد بها. فوضع صورة ضوئية لنصرالله على صخرة الروشة مسألة نافلة، لكن الحزب يصوّرها كأنها غايةٌ تماثل سيطرته على البلد، أو سيطرته السابقة على البلد. لكن هذه الأيام ولّت إلى غير رجعة.
تذكيراً، مسألة وضع صورة ضوئية لنصرالله وصفيّ الدين على صخرة الروشة أثارت جدالاً واسع النطاق في لبنان، في الأيام القليلة الماضية، بعدما رفض نواب العاصمة اللبنانية، وأغلبيتهم من الطائفة السنية، هذا الأمر وعدّوه استفزازاً لمشاعرهم، واستعادةً لغزوة الحزب لبيروت في 8 أيار/مايو 2008، حين اجتاحت جحافله المسلحة أحياء بيروت “السنية” في عملية عسكرية، سمّاها نصرالله نفسه لاحقاً بعملية “اليوم المجيد”.
وبعد إصدار سلام تعميماً يمنع استخدام الأملاك العامة في أي مناسبة إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهات المختصة، ويكلّف فيه القوى الأمنية بتحمّل مسؤولياتها في هذا الشأن، توصّلت الوساطات مع رئيس البرلمان نبيه بري، أحد الثنائي الشيعي، إلى تسوية تسمح للحزب بإقامة حفله وتمنعه من وضع صورة ضوئية لنصرالله على صخرة الروشة. وهذا ما لم يتم.
وهكذا، لبنان مفتوح على شتى الاحتمالات. فليس بعيداً أن ترى إسرائيل في صورة نصرالله على الصخرة مؤشراً إلى هيمنة الحزب على الدولة، فتذهب حينها مبادرة المبعوث الأميركي توم براك أدراج الرياح، بحجّة لا يمكن ردّها: حكومة لبنان ضعيفة، لا تستطيع تحجيم الحزب. أليست هذه حجّة كافية لإسرائيل كي تعود إلى لغة الحرب؟. المصدر موقع ٩٦٣