المنافسة بين القوى العظمى تعود اليوم بصورتها القديمة بين المنظورين القاري والبحري: الأول يرى في الأرض مصدر القوة ويقود إلى الحروب والقمع، والثاني يعتبر الثروة والتجارة أساس النفوذ ويبني شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة. مصير النظام الدولي يتوقف على قدرة الولايات المتحدة على التمسك برؤيتها البحرية القائمة على التجارة والمؤسسات، وعدم الانزلاق إلى النهج القاري الذي أغرق قوى كبرى سابقة في التمدد والانهيار.
مرة أخرى، تحدد المنافسة بين القوى العظمى معالم العلاقات الدولية. لكن المعالم الدقيقة لهذه المنافسة الراهنة لا تزال موضع جدل. فبعض المراقبين يركزون على السوابق الأيديولوجية من حقبة الحرب الباردة، بينما يركز آخرون على تحولات ميزان القوى العسكرية، في حين يسلط غيرهم الضوء على القادة وخياراتهم. في الحقيقة، تنبع الصراعات الحديثة حول النظام الدولي من خلاف قديم وغير معلن، حول مصادر القوة والازدهار. وهذا الخلاف ينشأ أساساً من الجغرافيا، وقد أدى إلى ظهور منظورين عالميين متناقضين: أحدهما قاري والآخر بحري.
في العالم القاري، تعد الأرض المقياس الرئيس للقوة. وتعيش معظم الدول، بحكم الجغرافيا، في عالم قاري له جيران متعددون. وكثيراً ما كان هؤلاء الجيران، تاريخياً، الخصوم الرئيسين لبعضهم بعضاً. أما القوى التي امتلكت ما يكفي من النفوذ لغزو غيرها، على غرار القوى القارية المهيمنة مثل الصين وروسيا، فهي تعتقد بأن النظام الدولي يجب أن يقسم بينها إلى مناطق نفوذ ضخمة. وتوجه هذه القوى مواردها إلى جيوشها لحماية الحدود، وغزو الجيران وترهيبهم في حروب مدمرة للثروات، وترسخ الحكم الاستبدادي في الداخل لإعطاء الأولوية للحاجات العسكرية على حساب المدنية. والنتيجة حلقة مفرغة. فمن أجل تبرير قمعهم والاحتفاظ بالسلطة، يحتاج الطغاة إلى عدو كبير، ويختلقون تهديدات أمنية تفضي إلى مزيد من الحروب.
على النقيض من ذلك، تتمتع الدول التي تحيط بها المحيطات بأمن نسبي من الغزو. بالتالي، يمكنها التركيز على تراكم الثروة بدلاً من الانشغال بمحاربة جيرانها. وترى هذه الدول البحرية أن المال، لا الأرض، هو مصدر القوة. فهي تعزز ازدهارها داخلياً من خلال التجارة الدولية والصناعة، مما يقلل من المفاضلة بين الحاجات العسكرية والمدنية. فبينما تنجذب القوى القارية المهيمنة نحو استراتيجيات “اللعبة الصفرية” التي يحصل فيها الفائز على كل شيء وتكون نتائجها كارثية على المهزوم، يفضل أصحاب الرؤية البحرية “اللعبة المفتوحة” القائمة على تراكم الثروة والمعاملات ذات المنفعة المتبادلة. إنهم ينظرون إلى جيرانهم بصفتهم شركاء تجاريين، لا أعداء.
وتعود جذور هذه الرؤية البحرية للأثينيين القدماء الذين اعتمدت إمبراطوريتهم الساحلية على تراكم الثروة من التجارة البحرية. في الواقع، تسعى هذه الدول إلى التعامل مع المحيطات باعتبارها مشاعات، بحيث يتمكن الجميع من الاستفادة منها والتجارة بأمان. وليس من قبيل المصادفة أن هوغو غروتيوس، الأب المؤسس للقانون الدولي، جاء من الجمهورية الهولندية، وهي إمبراطورية تجارية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، طورت الدول ذات التوجه التجاري مؤسسات إقليمية وعالمية لتسهيل التجارة وتقليل كلف المعاملات وتراكم الثروة. كما نسقت خفر سواحلها وقواتها البحرية للقضاء على القرصنة وضمان انسياب التجارة، مما أدى إلى نشوء نظام بحري قائم على القواعد، آخذ في التطور، ويضم عشرات الدول الأعضاء التي تطبق معاً لوائح تحميها جميعاً.
إن المنافسة اليوم تمثل النسخة الأحدث من الصراع بين القوى القارية والبحرية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، عكست استراتيجية الولايات المتحدة موقعها كقوة بحرية. فبفضل بنيتها الاقتصادية، لدى واشنطن مصلحة في الحفاظ على التجارة والتبادلات التجارية. وبفضل جغرافيتها وقوتها، يمكنها منع الدول من تقويض سيادة دول أخرى. في المقابل، تسعى الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا إلى تقويض النظام القائم على القواعد لأن قادتها يعتبرون المجتمعات الأكثر ليبرالية تهديداً وجودياً لحكمهم ورؤيتهم للأمن القومي.
ومن خلال التزام استراتيجيات القوة البحرية الناجحة، تستطيع الولايات المتحدة الانتصار في الحرب الباردة الثانية، مثلما فعلت في الأولى. لكن إذا انزلقت نحو المنظور القاري، من خلال إقامة الحواجز وتهديد الجيران وتقويض المؤسسات العالمية، فمن المرجح أن تفشل. وقد تعجز حينها عن التعافي.
فنون التجارة
طورت المملكة المتحدة الاستراتيجية البحرية الحديثة لمواجهة القوى القارية خلال الحروب النابليونية. فلم تتحول لندن إلى القوة المهيمنة في العالم عبر نشر جيشها لسحق خصومها، بل من خلال تراكم ثروتها من التجارة والصناعة، فيما كانت الدول الأوروبية الأخرى تدمر بعضها بعضاً عسكرياً. لقد كان على جميع الدول القارية الاحتفاظ بجيوش ضخمة، إما لغزو الآخرين أو لتجنب الغزو. وغالباً ما نظمت هذه الدول اقتصاداتها بما يخدم حاجات جيوشها لا مصالح تجارها. في المقابل، فإن المملكة المتحدة، المحمية من كل الجهات بالمياه وبقواتها البحرية المهيمنة، لم تكُن تخشى الغزو بالقدر نفسه. لذلك لم تكُن بحاجة إلى قوة برية كبيرة ومكلفة، قد تغري بانقلابات عسكرية. وركزت بدلاً من ذلك على تراكم ثروتها من خلال التجارة، معتمدة على أسطولها البحري لحماية طرق الشحن.
وحدها المملكة المتحدة، من بين جميع القوى العظمى، شاركت في كل تحالف متعاقب ضد فرنسا. وبعدما هزمت البحرية الملكية نابليون في معركة ترافالغار [الطرف الأغر]، لجأ الأخير إلى استراتيجية اقتصادية، ففرض حصاراً قارياً على التجارة البريطانية عرف بـ”النظام القاري”، وهي الاستراتيجية التي وصفها نابليون بـ”فرنسا أولاً”. لكن هذا الحصار أضرّ باقتصادات فرنسا وحلفائها أكثر بكثير مما أضر بالمملكة المتحدة التي تمتعت بإمكان الوصول البحري إلى أسواق بديلة في أنحاء العالم شتى. ودفع الحصار نابليون إلى شن غزوه الكارثي لروسيا التي واصلت تجارتها مع البريطانيين.
في العالم القاري، الأرض هي عامل القوة الرئيس
وعوضاً عن مواجهة جيش نابليون الضخم مباشرة، استخدمت المملكة المتحدة ثروتها المتنامية لتمويل وتسليح النمسا وبروسيا وروسيا وعدد من الدول الأصغر التي قيدت معاً الجزء الأكبر من قوات نابليون على الجبهة الرئيسة في وسط أو شرق أوروبا. ثم فتح البريطانيون جبهة ثانوية في شبه الجزيرة الأيبيرية، تلك التي وصفها نابليون بـ”قرحته الإسبانية”، وهي منطقة كان الوصول إليها بحراً أسهل من براً، مما رجح كفة الاستنزاف لمصلحة البريطانيين. وفي نهاية المطاف، أثقلت الخسائر المتراكمة في هذه الجبهة والجبهة الرئيسة كاهل نابليون، مما أدى إلى انهيار جيشه حين تكاتف خصومه ضده في وقت واحد. وعانت كل دولة أوروبية تقريباً أضراراً جسيمة من الحرب، لكن الاقتصاد البريطاني خرج سالماً. والأمر نفسه تكرر مع الولايات المتحدة في كلتي الحربين العالميتين.
وبعد الحروب النابليونية، أطلقت الثورة الصناعية نمواً اقتصادياً تراكمياً ومستمراً، مما جعل الكفة تميل أكثر لمصلحة القوى البحرية. وفجأة أصبح اكتساب القوة من خلال الصناعة والتجارة والتبادل التجاري أسهل بكثير من محاولة انتزاعها عبر الحروب المدمرة للثروات. وكان تحقيق ذلك يعتمد على خطوط الاتصال الخارجية التي توفرها البحار، لا على الخطوط الداخلية التي اعتمدت عليها القوى القارية مثل فرنسا النابليونية للدفاع عن إمبراطورياتها وتوسيعها. ونتيجة لذلك، أصبح النظام العالمي اليوم ذا طبيعة بحرية، على رغم أن قلة من الناس تدركه على هذا النحو. فنحو نصف سكان العالم يعيشون بمحاذاة البحار، وتنتج المناطق الساحلية ما يقارب ثلثي الثروة العالمية، وتصل نسبة 90 في المئة من السلع المتداولة (مقاسة بالوزن) إلى وجهتها النهائية عبر المحيطات، فيما تنقل الكابلات البحرية 99 في المئة من حركة الاتصالات الدولية. وتنظم الهيئات والمعاهدات الدولية التجارة. إن البحار تربط الجميع بكل شيء، ولا يمكن لدولة واحدة أن تبقيها مفتوحة، لكن ائتلافاً من الدول الساحلية قادر على جعلها آمنة للعبور.
وأفاد هذا النظام عموم شعوب العالم. فقللت قواعد التجارة من نقاط الاختناق، مما خفض الكلف. وسهلت البحار الآمنة والمفتوحة النمو الاقتصادي فارتفعت مستويات المعيشة. ويستطيع الناس السفر والعمل والاستثمار في الخارج. ويعد أصحاب المليارات أكبر المستفيدين من النظام البحري لأن اختفاء القواعد يعرض ثرواتهم للمصادرة قبل غيرهم، ولأن مصالحهم الاقتصادية ذات طابع عالمي. والدول المنضوية في النظام البحري أكثر ثراء بكثير من تلك التي تسعى إلى تقويضه. وحتى الذين سعوا إلى قلب هذا النظام استفادوا منه. فالصين، مثلاً، لم تصبح ثرية إلا بعد انضمامها إلى النظام البحري مع نهاية الحرب الباردة. أما الاقتصادان الإيراني والروسي فلا يمثلان سوى جزء ضئيل مما كان يمكن أن يكونا عليه لو التزما القانون الدولي وبنيا مؤسسات تحمي مواطنيهما بدلاً من حماية حكامهما المستبدين.
الغزو والانهيار
في العالم القاري، تقاس القوة بحجم الأراضي. والجيران يشكلون خطراً دائماً. وبما أن الأقوياء قد يشنون غزواً، تعمل القوى القارية المهيمنة على زعزعة استقرار الدول المجاورة. وفي العصر الحديث، تقوم بذلك عن طريق إغراق هذه الدول بالأخبار الكاذبة لتأجيج الاستياء الداخلي والخلافات الإقليمية. كذلك يشكل الجيران الضعفاء تهديداً، إذ يمكن للإرهاب والفوضى أن يتسربا عبر الحدود المشتركة. ومن أجل حماية نفسها وزيادة نفوذها، غالباً ما تغزو الدول القارية جيرانها وتبتلعهم، مما يقضي على التهديدات المحتملة عن طريق محوهم عن الخريطة.
وفي سعيها إلى التوسع في الحجم والقوة، تتبع القوى القارية المهيمنة الناجحة قاعدتين: تجنب الحروب على جبهتين في آن واحد، وتحييد القوى العظمى المجاورة. لكن النظرية القارية للأمن لا تقدم أي إرشاد في شأن متى يجب التوقف عن التوسع، كما أنها لا تؤدي إلى تحالفات دائمة. ويدرك الجيران أن القوة المهيمنة تمثل على المدى الطويل مصدراً للمشكلات. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تجد القوى القارية نفسها مفرطة التمدد ومعزولة، وفي النهاية معرضة لخطر الانهيار. فالحروب من أجل الأرض وزعزعة استقرار الجيران تدمر الثروة بسرعة.
على سبيل المثال، كان بإمكان ألمانيا أن تهيمن على القارة الأوروبية اقتصادياً خلال القرن الـ20، نظراً إلى معدل نموها الاقتصادي الأسرع مقارنة بجيرانها. لكن بدلاً من ذلك، خاضت حربين عالميتين توسعيتين. وفي كلتيهما، انتهكت قواعد الإمبراطوريات القارية بخوضها قتالاً على جبهات متعددة ضد قوى كبرى عدة. ولم تؤدِّ هذه الحروب إلى ترسيخ هيمنة ألمانيا، بل أخّرت صعودها لأجيال، وبكلفة هائلة في الأرواح والثروات عبر أوروبا.
وبالمثل، ازدهرت اليابان في ظل نظام بحري تجاري. ثم، في ثلاثينيات القرن الـ20، تبنت نموذجاً قارياً واستولت على إمبراطورية كبيرة في البر الآسيوي. وكما حدث مع ألمانيا، حقق سعيها في البداية مكاسب إقليمية، لكنه أفضى إلى تعدد الأعداء وتوسع عسكري واقتصادي مفرط دمر اليابان والدول التي غزتها. وبعد الحرب، عادت اليابان للنموذج البحري، فعملت عبر المنظمات الدولية وفي إطار القانون الدولي. وأدى ذلك إلى المعجزة الاقتصادية اليابانية، إذ تحولت دولة مدمرة بسرعة إلى واحدة من أغنى دول العالم. (كذلك، شهدت هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان معجزات اقتصادية خلال الحرب الباردة بفضل النظام البحري أيضاً).
وكان التوسع المفرط أيضاً عاملاً أساساً في سقوط الاتحاد السوفياتي. فذلك الكيان لم يكتفِ بابتلاع أوروبا الشرقية في نهاية الحرب العالمية الثانية، بل فرض نموذجاً اقتصادياً ملائماً للحكم الديكتاتوري، لكنه غير قادر على تحقيق النمو. ثم وسع هذا النموذج ليشمل أكبر قدر ممكن من دول العالم النامي. وفي النهاية، لم يكُن الاقتصاد السوفياتي البطيء قادراً على تحمل مغامرات موسكو الإمبريالية ومشاريعها غير العملية.
وفي الحرب العالمية الأولى، اتبعت كل القوى الأوروبية، بما فيها المملكة المتحدة، استراتيجيات قارية تطلبت استخدام جيوش ضخمة لإقامة إمبراطوريات متنوعة ذات أراضٍ متداخلة. وكان لكل دولة خصوم رئيسون وجبهات أساسية متعددة، حتى ضمن كل نظام تحالف. وأدى ذلك إلى سلسلة من الحروب المتوازية غير المنسقة. كما واجهت القوى الأوروبية، بما فيها المملكة المتحدة، صعوبات لأنها سمحت لضباط الجيش بالإشراف على المجهود الحربي من دون إسهام كافٍ من القادة المدنيين الذين امتلكوا فهماً أعمق للأسس الاقتصادية للقوة. وأصر الضباط العسكريون على مواصلة الهجمات المتعثرة لأشهر طويلة، مما أهدر مئات آلاف الأرواح الشابة، بدلاً من الاعتراف بعبثية استراتيجيتهم.
ويمكن القول إن أياً من الدول الأوروبية لم تتعافَ تماماً من خسائر الحرب العالمية الأولى. فقد دمرت الحرب الإمبراطوريات القارية التي أصرت على خوضها، أي النمسا- المجر وألمانيا وروسيا. وعلى رغم انتصارهما، خرجت فرنسا والمملكة المتحدة من الحرب في وضع أسوأ. أما الولايات المتحدة فخرجت وقد ضاقت ذرعاً بالتشابكات الأوروبية، مما أفسح المجال أمام رواد حركة “أميركا أولاً” الذين فرضوا رسوماً جمركية عمقت الكساد الكبير ومهدت الطريق لاندلاع حرب عالمية ثانية. وعلى النقيض من ذلك، خلال فترة السلام الطويلة بين الحروب النابليونية والحرب العالمية الأولى، تراكم رخاء أوروبا على نحو متواصل. وبالمثل، عندما تبنت الولايات المتحدة النموذج البحري للفوز في الحرب العالمية الثانية، أعقب ذلك ازدهار غير مسبوق. وخلافاً لما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، لم تنزلق واشنطن إلى العزلة، بل تولت زمام القيادة عبر مساعدة شركائها في إعادة الإعمار، وقامت بدور الضامن لنظام دولي أنشأته بالتعاون مع حلفائها بعد الحرب للحفاظ على السلام. ونجحت هذه المؤسسات في أوروبا حتى أقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا.
شياطين الحرب
معظم الدول ذات طبيعة قارية من الناحية الجغرافية. فهي لا تمتلك حواجز مائية تحميها وتعزلها كلياً عن التهديدات. بالتالي، فإن النظام البحري القائم على القواعد هو وحده ما يوفر لهذه الدول الحماية الكاملة. فالمؤسسات وأنظمة التحالف تدمج القدرات المتنوعة لدول كثيرة من أجل احتواء تهديدات القلة. إنها بمثابة برنامج تأمين للنظام القائم على القواعد. ولا يمكنها القضاء على الأخطار تماماً، ولكن إذا نسق الأعضاء جهودهم لتعظيم نموهم الاقتصادي وكبح القوى القارية، فإنهم يستطيعون تقليص هذه الأخطار إلى حدها الأدنى.
لكن العالم ما زال يضم عدداً كبيراً من القوى القارية المتشبثة بهذا النهج. فقد أوضح بوتين أنه يعتزم توسيع حدود روسيا. وكان هدفه الأول هو السيطرة على أوكرانيا، بوصفها مجرد مقبلات قبل الطبق الرئيس. وقال بوتين، عارضاً قائمته: “هناك قاعدة قديمة مفادها بأن أي مكان تطأه قدم الجندي الروسي يصبح لنا”. وتشمل هذه القائمة، في الأقل، وسط وشرق أوروبا التي احتلتها القوات السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية. وربما تحمل تصريحاته أيضاً دلالات على رؤى بالسيطرة حتى على باريس التي وصلت إليها القوات الروسية في نهاية الحروب النابليونية.
وكما كانت الحال خلال الحرب الباردة الأولى، تسعى موسكو إلى تفكيك الغرب من الداخل والخارج. فمنذ الثورة البلشفية، برع الروس في الدعاية. واستخدموها بنجاح لتسويق الشيوعية حول العالم، مما كلف دولاً عدة عقوداً من النمو. واليوم، تستخدم روسيا الدعاية للترويج لوهم مفاده بأن “الناتو” يهدد روسيا وليس العكس. (فدول “الناتو” لا تطمع في أراضي موسكو، بل تريد من روسيا أن تعالج فوضاها الداخلية البائسة وتصبح عضواً بناء في النظام الدولي).
لقد قلصت قواعد التجارة من نقاط الاختناق، فخفضت الكلف
وضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة من قدرة روسيا على زرع الفتنة في الخارج، عبر تأجيج الكراهية بين طرفي القضايا المثيرة للانقسام. وسعت موسكو إلى تحويل الحرب في أوكرانيا إلى قضية خلافية تفصل الولايات المتحدة عن أوروبا وتفرق بين الدول الأوروبية نفسها، مما يضعف كلاً من “الناتو” والاتحاد الأوروبي. كما ساعدت في الترويج لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما أضعف علاقات المملكة المتحدة بالقارة. كذلك أسهمت في خلق تدفقات هائلة من المهاجرين بدعمها قوات الديكتاتور بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية، وأخيراً عبر زعزعة استقرار أفريقيا، مما دفع اللاجئين إلى التدفق نحو أوروبا. وكانت هذه التدفقات مزعزعة بشدة للاستقرار، ومهدت لصعود اليمين الانعزالي في القارة.
وهناك قوى قارية أخرى ترغب بدورها في قلب النظام العالمي الحالي. فكوريا الشمالية تريد السيطرة على كامل شبه الجزيرة الكورية وإلغاء وجود كوريا الجنوبية. أما المسرح الرئيس لإيران فهو الشرق الأوسط، حيث تسعى طهران إلى بسط نفوذها على غزة والعراق ولبنان وسوريا.
ثم هناك الصين. فأوحى قرارها بالاندماج في النظام العالمي القائم سعياً وراء الثروة بأنها قد تتبنى رؤية بحرية، على رغم حكومتها الاستبدادية. حتى إنها بنت أسطولاً بحرياً كبيراً. لكن بكين لا يمكنها أن تنشر هذا الأسطول بصورة موثوقة في زمن الحرب بسبب البحار الضيقة والضحلة والمكتظة بالجزر والمغلقة التي تحيط بسواحلها. وهذا يجعلها شبيهة بألمانيا التي بنت أساطيل بحرية ضخمة لكنها لم تتمكن من استخدامها بفاعلية في أي من الحربين العالميتين. فقد فرضت المملكة المتحدة حصاراً على بحر الشمال وبحر البلطيق الضيقين، مما قضى على حركة التجارة الألمانية وخفض نشاط بحريتها إلى حد كبير ليقتصر على الغواصات. وخلال الحرب العالمية الثانية، احتاجت برلين إلى السواحل الفرنسية والنرويجية الطويلة لتأمين منفذ أكثر موثوقية لغواصاتها، لكن ذلك لم يكُن كافياً لبحريتها، ناهيك عن أسطولها التجاري. أما الصين، فهي أكثر اعتماداً على التجارة والواردات مما كانت عليه ألمانيا آنذاك، خصوصاً في مجالي الطاقة والغذاء. وأية نقاط اختناق اقتصادية ناجمة عن تعطيل تجارتها البحرية من شأنها أن تشل اقتصادها.
وكما أظهرت أوكرانيا من خلال إغراقها سفناً روسية، فإن الطائرات المسيّرة قادرة على إغلاق البحار الضيقة. ولدى الصين 13 جاراً برياً وسبعة جيران بحريين، ولا تخلو علاقاتها معهم من الخلافات. فمن خلال الغواصات والمدفعية الساحلية والطائرات المسيّرة والطائرات الحربية، يمكن لهؤلاء الجيران إيقاف حركة التجارة الصينية وجعل مرور أسطولها البحري محفوفاً بالأخطار. في المقابل، لا يحتاج كثير من جيرانها الساحليين القريبين إلى عبور بحر الصين الجنوبي للوصول إلى المحيط المفتوح، فإندونيسيا وماليزيا والفيليبين وتايلاند، إضافة إلى تايوان، جميعها لديها سواحل بديلة على البحار المفتوحة، مما يجعل حصارها أمراً صعباً.
ومثل روسيا، تحتفظ الصين برؤية قارية. فإضافة إلى مطالباتها الإقليمية باليابان والفيليبين، وتهديدها باستخدام القوة للاستيلاء على كامل تايوان، تسعى بكين إلى ضم أراضٍ من بوتان والهند ونيبال. وعندما يذكر المواطنون الصينيون أراضيهم التاريخية، فإنهم يشيرون إما إلى أسرة يوان المغولية التي امتدت حتى المجر، أو إلى إمبراطورية تشينغ التي أسسها المانشو والتي شملت أراضٍ تسعى “مبادرة الحزام والطريق” اليوم إلى انتزاعها من دائرة النفوذ الروسي. ولا يزال الصينيون يستخدمون اسمين لأنفسهم: “المملكة الوسطى” أو الاسم الأكثر طموحاً “كل ما تحت السماء”، وهو تصور لنظام عالمي قائم بذاته ويشمل جميع الأراضي التي يغزونها.
لكن بخلاف موسكو، لم تشن بكين حتى الآن حروباً عدوانية صريحة، غير أنها تخوض حرباً مالية عبر قروضها الجشعة في إطار “مبادرة الحزام والطريق” التي تترك الدول المستفيدة منها غارقة في ديون طائلة. كما تشن حرباً إلكترونية، فتخترق بنى تحتية حيوية في دول أخرى وتسرق أسرارها. وتشن حروباً على الموارد عبر الحد من صادرات المعادن النادرة، وحروباً بيئية من خلال بناء السدود على نهر ميكونغ في جنوب شرقي آسيا ونهر يارلونغ تسانغبو في جنوب آسيا، وحروب مخدرات عبر إغراق الولايات المتحدة بالفنتانيل، حتى إنها دخلت في حروب غير نظامية، من خلال توغلاتها في الأراضي الهندية التي أودت بحياة جنود هنود. وهذا نموذج قاري ينتهي بالتمدد المفرط.
تجنب الكارثة
لمواجهة القوى القارية، لا تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إعادة اختراع العجلة. فالاستراتيجية التي حسمت الحرب الباردة السابقة ما زالت صالحة بالقدر نفسه اليوم. وتبدأ هذه الاستراتيجية بالاعتراف بأن هذا الصراع، مثل سابقه، طويل الأمد. فبدلاً من محاولة الوصول إلى حل سريع، مما كان يمكن أن يشعل حرباً نووية، نجح المنتصرون في الحرب الباردة الأولى في إدارة الصراع على مدى أجيال. وتنطبق النصيحة نفسها اليوم: يجب على القوى البحرية التحلي بالصبر وإبقاء الصراع الحالي بارداً. ويجب عليها، على وجه الخصوص، أن تتجنب الحروب الساخنة في ميادين تفتقر إلى منفذ بحري كافٍ، أو في دول محاطة بدول معادية يحتمل أن تتدخل، أو في دول لا يبدي سكانها المحليون استعداداً واسعاً لتقديم المساعدة. هذه الخصائص انطبقت على أفغانستان والعراق، مما يفسر إخفاقات واشنطن في تلك الحروب.
وبدلاً من خوض الحروب الساخنة، على الولايات المتحدة وشركائها أن يوظفوا أعظم نقاط قوة لدى العالم البحري ضد أكبر نقاط ضعف لدى القوى القارية: قدرتها المحدودة على توليد الثروة. فعليهم حرمان هذه القوى من فوائد النظام البحري من خلال فرض العقوبات عليها إلى أن تكف عن انتهاك القانون الدولي وتضع الحرب جانباً وتلجأ إلى الدبلوماسية. وخلافاً للرسوم الجمركية، وهي ضرائب تفرض على الواردات لحماية المنتجين المحليين، فإن العقوبات تجعل معاملات محددة غير قانونية لمعاقبة الجهات الخبيثة. وحتى العقوبات المتساهلة التي تبطئ معدلات النمو بنقطة أو نقطتين مئويتين، يمكن أن تترك آثاراً تراكمية مدمرة على المدى الطويل، كما يظهر في المقارنة بين كوريا الشمالية الخاضعة للعقوبات وكوريا الجنوبية غير الخاضعة لها. فالعقوبات بمثابة علاج كيماوي اقتصادي، لا يزيل الورم كلياً ربما، لكنه في الأقل سيبطئ تقدمه. ويمكن أن تكون فاعلة للغاية في عرقلة التطور التكنولوجي، كما اختبر السوفيات بأنفسهم.
وعلى واشنطن وشركائها أن يستوعبوا الدول التي لا تسعى إلى تغيير النظام القائم. فقد أدرك المنتصرون في الحرب الباردة السابقة أن التحالفات تضيف قوة تراكمية، إذ إن الشركاء يجلبون قدرات جديدة تساعد في إنهاك الأعداء. ثم تعبئ المؤسسات الخبرات لتقديم الخدمات ومنع الأزمات، بما يمكن الدول الأعضاء من مواجهة القوى القارية. لذا ينبغي على الولايات المتحدة أن تعزز شبكتها وتوسعها. وعليها ألا تركز فقط على الحفاظ على ازدهارها، بل أيضاً على ازدهار شركائها، لكي يتمكنوا من التكتل في مواجهة المعتدين. كذلك، فإن أنظمة التحالف يجب أن تساعد الدول التي تتعرض لضغوط من القوى القارية لأن مقاومتها تضعف الخصوم. وكما عمل الغرب على تسليح أعداء موسكو إلى أن انسحب الاتحاد السوفياتي من حربه في أفغانستان، يجب على الغرب الآن أن يواصل مساعدة أوكرانيا مهما طال الأمر. فكلما طال أمد الصراع في أوكرانيا، ازدادت موسكو ضعفاً، مما يجعلها عرضة لافتراس محتمل من الصين.
وفي حال سقوط النظام الحالي في روسيا، فإن صراع الخلافة الناتج سيجبرها على تقليص التزاماتها الخارجية، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الكورية، عندما عجل موت جوزيف ستالين بإنهاء ذلك الصراع. وإذا تخلى أي من القوى القارية عن أطماعه في أراضي الدول الأخرى، وأسهم بدلاً من ذلك في تحسين القوانين والمؤسسات الدولية سلمياً، فعندئذ يتعين على الولايات المتحدة وشركائها أن يرحبوا بهذه الدول في النظام القائم على القواعد. لكن إذا لم تغير هذه الدول سلوكها، فالحل هو الاحتواء. فلقد انتصرت واشنطن في المواجهة السابقة مع موسكو لا من خلال نصر عسكري حاسم، بل عبر ازدهارها في وقت كان الاتحاد السوفياتي يعاني انحداراً اقتصادياً صنعه بنفسه. فخلال ثمانينيات القرن الماضي، بينما كان السوفيات يصطفون في طوابير للحصول على السلع الأساسية، كان الأميركيون يقضون إجازات عائلية. ويجب أن يكون الهدف الأميركي اليوم هو الحفاظ على ازدهار الديمقراطيات والشركاء الآخرين مع إضعاف القوى القارية. ومن المحتمل ألا تختفي هذه القوى في وقت قريب، لكن إذا عجزت عن مجاراة معدلات النمو الاقتصادي للدول المؤيدة للنظام البحري، فسيتقلص التهديد النسبي.
أخطاء قاتلة
لم تكُن تبعات الصدام بين النظام القاري والنظام البحري القائم على القواعد أخطر مما هي عليه اليوم. فهناك اليوم عدد كبير من القوى النووية، والولايات المتحدة تبدي تردداً متزايداً في الاضطلاع بدور الضامن الأخير للنظام العالمي القائم من خلال دعم الحلفاء وتوسيع مظلتها النووية. وإذا اتسعت الصراعات في أوكرانيا وعبر أفريقيا وبين إسرائيل وإيران وتداخلت معاً، فقد تندلع حرب عالمية ثالثة كارثية. وعلى خلاف الحروب السابقة، سيكون الجميع عرضة للضربات النووية وتداعياتها السامة.
لقد اتخذت الولايات المتحدة بالفعل خطوات كبيرة لهزيمة خصومها القاريين، ففرضت عقوبات صارمة وضوابط على الصادرات، ومولت الدول التي تواجه خصوماً مشتركين وسلحتها. لكن منتقدي النظام القائم على القواعد يزدادون قوة. فهم يرون عيوب النظام الكثيرة، لكنهم لا يرون فوائده الأهم، وفي مقدمتها الكوارث التي حالت القواعد دون وقوعها. فهذا النظام يستفيد منه الأفراد والشركات والحكومات، ليس من خلال تسهيل تدفقات التجارة وحسب، بل أيضاً من خلال ردع السلوكيات الخبيثة. ولسوء الحظ، نادراً ما يقدر الناس الكارثة التي جرى تجنبها.
واليوم، حتى كبار المسؤولين الأميركيين باتوا ينتقدون النظام الحالي. فعلى مدى العام الماضي، انجذبت واشنطن نحو نهج قاري. وصحيح أن الولايات المتحدة ستظل تمتلك دائماً خندقين طبيعيين، هما المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، لحماية برها الرئيس، لكنها أيضاً تشترك في حدود طويلة مع كندا والمكسيك، وبدأت بفتح جبهات نزاع مع كلتيهما. لقد وبخت عدداً من الديمقراطيات الصديقة وفرضت رسوماً جمركية على شركاء تجاريين وأعاقت المؤسسات الدولية التي تسهل النمو الاقتصادي من خلال وضع القواعد وتنفيذها. أما الأحاديث الصادرة من واشنطن عن ضم كندا، أو انتزاع غرينلاند من الدنمارك، أو استعادة قناة بنما، فستؤدي في الحد الأدنى إلى تغييرات دائمة في خيارات الاستهلاك وخطط العطلات لدى الكنديين والأوروبيين، وفي أسوأ الأحوال إلى تمزق التحالفات الغربية.
كان التمدد المفرط عاملاً أساساً في سقوط الاتحاد السوفياتي
يمكن لاستراتيجية سيئة أن تحول الولايات المتحدة من قوة محورية إلى قوة هامشية، فيما يشكل شركاؤها السابقون تحالفات جديدة تستثنيها. ومثل هذا التحول سيستغرق وقتاً، لكن إذا حدث، فستكون آثاره طويلة الأمد. فسوف يزداد الأوروبيون قوة معاً، تاركين الولايات المتحدة أضعف وأكثر عزلة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تصبح واشنطن الخصم الرئيس المشترك للصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا، من دون أن يبقى لها حلفاء يساعدونها. وحتى إذا لم تصل الأمور إلى هذا الحد، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى منافسة بكين بمفردها. وفي هذه الحالة، ربما تجد صعوبة في الانتصار. فالصين تملك عدداً من السكان يقارب ثلاثة أضعاف سكان الولايات المتحدة، وقاعدة صناعية أكبر بكثير. كما تملك أسلحة نووية قادرة على بلوغ الأراضي الأميركية، ومن الممكن ألا تتردد في استخدامها. وقد تجد الولايات المتحدة نفسها هي الأخرى أقل تحفظاً في اللجوء إلى ترسانتها النووية. فإذا كانت دولة ما على وشك خسارة صراع مع قوة عظمى، فربما يكون لديها الحافز للتصعيد النووي، محولة كارثة ثنائية إلى كارثة عالمية.
وبالنسبة إلى واشنطن، فإن سيناريو تجد فيه نفسها وحيدة ومهزومة سيكون خاتمة مأسوية لـ80 عاماً مضت. فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت كسبت أصدقاء في مختلف أنحاء العالم. لكن هذا الرصيد الأخلاقي الذي جرى تحصيله بكلفة باهظة، يهدر اليوم. وكما كانت حال فرنسا النابليونية بشعارها “فرنسا أولاً”، فإن العودة الأخيرة لشعار “أميركا أولاً” تستعدي الحلفاء في كل مكان. ومن دون شك، سيبتهج أعداء واشنطن برؤية الولايات المتحدة منكسرة.
لقد اعتبر كثير من الأميركيين فوائد النظام البحري أمراً مسلّماً به، وانشغلوا بالحديث عن عيوبه، فأهدروا بذلك مزاياهم الجغرافية والتاريخية. ومثل الأوكسجين من حولهم، لن يشعروا بقيمة النظام العالمي إلا إذا اختفى. ويذكرنا هذا بما قاله الزعيم الأثيني بريكليس، متحسراً قبيل سلسلة من الأخطاء الأثينية التي أنهت بصورة دائمة عظمة مدينته: “أنا أخشى أخطاءنا أكثر مما أخشى مكائد أعدائنا”.
مترجم عن “فورين أفيرز” 19 أغسطس (آب) 2025
سارة سي. إم. باين هي أستاذة فخرية في التاريخ والاستراتيجية الكبرى في جامعة ويليام أس سيمز، في كلية الحرب البحرية الأميركية. الآراء الواردة هنا تعبر عن رأيها الخاص.
