عمر شبانة.. كاتب
بين الشعر والفلسفة، علاقة قديمة وعميقة جدًّا. ولا بدّ لكلّ شاعر أن يمتلك فلسفة ما عميقة في كتابته. فلا كتابة بلا فلسفة، وخصوصًا في الشعر. هذه العلاقة القديمة والعميقة تجعلنا نقف أمام كتاب صدر حديثًا للدكتور الأب هاني بيوس حنا بعنوان “الوجود المعذّب: حوار في دهاليز الكينونة في شعر بدر شاكر السيّاب وفلسفة سورين كيركجارد” (عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2025). ويذكر مؤلف هذا الكتاب أننا يمكن أن نلمس جذور العلاقة بين الشعر والفلسفة “في أغاني الأساطير وفي التراتيل الطقسيّة التي كانت تُرتَّل للآلهة على شكل “مناجاة شعرية”، حيث إن تلك الأغاني والتراتيل لم تكن تخلو من بُعد فلسفيّ وجوديّ”.
لن أخوض مع المؤلف في تاريخ العلاقة وتحوّلاتها، فهي متاهات لا تعني سوى المختصّين، وسأكتفي بهذه الإشارة إلى الجذور، وأنتقل مباشرة، وباختصار شديد، إلى العصر الحديث حيث، كما يقول المؤلف “واصل الشعراء والفلاسفة… مهمّتهم في “الانخراط في حوار عمليّ مشترك” يجمع كلا الميدانين، فقام شعراء من الشرق والغرب، مثل والاس ستيفنز، و ت. أس. إليوت، وبدر شاكر السيّاب، ونازك الملائكة، وغيرهم، قاموا بتطوير مفهوم وجوديّ يعالج مسألة الإنسان، استنادًا إلى مفهوم الشعر الحرّ. ومن جهتهم، اقترب فلاسفة مثل فريدريك نيتشه، ومارتن هايدغر (الذي استند إلى معطيات الشاعر فريدريش هولدرلين) ولودفيج فتجنشتاين، من أسلوب الشعراء، عندما منحوا اللغة دورًا أساسيًّا في بناء معنى “شموليّ” (Universal) للحقيقة وتجسيدها من خلال الشعر”.
الوجودية بين الشاعر والفيلسوف
ينظر المؤلف الأب حنّا إلى الفيلسوف الدانماركي الشهير كيركجارد (1813 ـ 1855)، بوصفه “الأب للوجودية الحديثة”، وأحد الفلاسفة الوجوديين المهمّين “لكونه من فتح الطريق أمام الوجوديين الجدد”. ولتأكيد نظرته ورؤيته هذه، وهو الذي سبق وأصدر كتبًا عن الوجودية وعدد من فلاسفتها، مثل كتابه عن “عمانوئيل مونييه”، أو كتابه “مدخل إلى تاريخ المفاهيم الفلسفية من عصر النهضة إلى الفكر المعاصر: من فرانسيس بيكون إلى عمانوئيل ليفيناس”، وغيرهما، فإن مؤلّف هذا الكتاب الأب حنّا يرجع هنا إلى عشرات المراجع الفلسفية (المراجع والمصادر ومعجم الأسماء تقع وحدها في حوالي 50 صفحة من 280)، التي تدرس فكر كيركجارد وفلسفته من جوانب شتّى، متأمّلًا في “هوّة الوجود والبعد الداخليّ” لدى كيركجارد، ويغوص في المفاهيم الأساسية التي شكلت فكر هذا الفيلسوف وفلسفته، مفاهيم الأخلاق والحرية والثورة، بدءًا من ثورة عام 1848، ليبلغ في أحد فصوله تناول التأثير الأوغسطيني على كيركجارد تحت عنوان “لامحدودية ألم الحرية”، فضلًا عن تأثيرات مصادر أخرى على تكوين الفيلسوف.
ومن أهم المفاهيم الكيركجاردية التي يتناولها المؤلف مفهوم “الداخلية” المتعلق بالقلق الوجودي للإنسان، أو علاقة الإنسان بذاته و(داخله)، ومن خلال نقده هذا المفهوم لدى كيركجارد، يستعين المؤلف بالفيلسوف الفرنسي عمانوئيل مونييه الذي يرى أن خبرة كيركجارد مع “الداخلية” خبرة مزدوجة: إضاءة ووعي، ولكنها في الوقت نفسه حصار وظلمة داخلية، وكأنها سجن. ومن خلال هذا النقد أيضًا ينظر المؤلف في الفرق بين الفيلسوفين كيركجارد وليفيناس في تناولهما المختلف لمفهوم الداخلية. ويتعلق الاختلاف بالنظر إلى موقف ليفيناس المحارب لأزمة الإنسانويّة المعاصرة، يعني الأنانيّة، من خلال وصف معاناة الإنسان الذي تم طمره تحت أنقاض أكداس من مفاهيم أنظمة “لاإنسانية”، فبدأ “خطر فقدان الإنسانية يهدد الإنسان”، كما يتعلق اختلافهما بأن “داخلية” ليفيناس تشدد على المسؤولية الأخلاقية والتعاطف مع الإنسان، مع الآخرين، وليس على الحقيقة، أو المعنى الشخصي. كما يفترض ليفيناس إعادة بناء “الخارجية” التي أهملها كيركجارد، وثمة أيضًا غير ذلك من أوجه الاختلاف حدّ التصادم، وهي كثيرة.
وفي إطار دراسته لفلسفة كيركجارد، وضمن دراسة “الزمن والداخلية”، والزمن وأطوار الوجود، يتوقّف الأب حنّا لقراءة الشخصيتين الروائيتين “دون خوان” (دونجوان) بوصفه الغاوي المبتدئ، و”فاوست” الغاوي الداهية، من منظور كيركجارد. أما دراسة أوبرا دون خوان، فتأتي من منطلق اعتبار إنسان كيركجارد يهتم بالملذّات وبلا مبالاة، وما يسمّى “عمى الرغبة”، حسب مفهوم جديد للزمن يسمّيه “زمن الرغبة” الداعي إلى التحرر من صرامة العقل. وفي المقابل، يتناول المؤلف رؤية كيركجارد إلى شخصية فاوست في الرواية الشهيرة بوصفه إنسانًا “لا يشبع من البحث عن المعرفة والإلمام بما يخفيه المستقبل”. ويظهر فاوست “إنسان أحلام لا وجود له، يهيم في دهاليز المعرفة، بون الاهتمام بروحه كإنسان… إلخ”.
الداخلية والخارجية
وما بين الداخل والخارج، ومع ذكر مفهوم “الخارجيّة” سابقًا، وفي مقابل مفهوم “الداخلية”، ننتقل إلى عوالم السيّاب ضمن ما يسمّيه المؤلف في عنوان “الخارجانيّة لدى بدر شاكر السيّاب بين ضيق الوجود الخانق واتّساعه المروّع”، ولكنه السيّاب في علاقته مع كيركجارد، حيث الفيلسوف يفرد ظلاله على الشاعر. وهنا يكشف المؤلّف عن وجودية السيّاب لأن شعره ينطوي على مواضيع الفلسفة الوجودية؛ القلق والحب والعبث والموت والانبعاث، وحتّى السوداوية من جهة، وهو، من جهة ثانية، من الوجوديين بالتأكيد “لكونه قد عثر في الوجودية على أرضيّة ينطلق منها، وجسر ينقله من الفكر الفرديّ الشخصيّ إلى “خبرة وجودية” إنسانية شاملة”. وهكذا نكون حيال بحث عن الاختلاف والائتلاف بين الشاعر (السيّاب) والفيلسوف (كيركجارد)، بخصوص وجودية كلّ منهما.
ويبرز الخلاف الرئيس ما بين الفيلسوف والشاعر، في علاقة كل منهما بما يُدعى “الداخلية” و”الخارجانيّة”، حيث ينضوي كيركجارد تحت لواء “الداخلية”، ويركّز على الذات الفردية، ويهرب من نقيضها الخارجانية “الموحشة، وذلك على النقيض من السيّاب، الذي يهرب من الداخلية نحو الخارجانية، التي عادة ما تشير إلى اتجاه في علم الاجتماع، أو الفلسفة، يركز على الفرد مقابل المجتمع. ولكن، وعلى الرغم من اختلاف مساريهما، تنصبّ نظرة كلّ منهما إلى الإنسان في صفة مشتركة لدى غالبية الوجوديين: يبقى الوجود محكومًا بكونه “ألمًـا/ مأزقًا”؛ إنها نظرة سوداوية (Melancholia) إلى الوجود لضبابيته. فدأب الفيلسوف والشاعر على البحث عن “صيغة حياة” تتعامل مع “قلق أصليّ” يسببه الزمن والموت وحرية الاختيار والآخر. فتجذّرت غايتهما في ضرورة “احتضان واقع الخبرة البشرية من كل جوانبها”؛ القابلة للقياس وغير القابلة”.
ويعتقد المؤلف أن هذا التعامل مع “قلق أصليّ” هو ما اضطرّهما إلى رفض “تسليم” خبرة الفرد إلى نظريات ومفاهيم جامدة. فـ”إنسانُ كيركجارد” تمسّكَ بالإيمان الفرديّ ـ العلاقة بالله ـ في تعامله مع قلق الوجود؛ في حين عَبّر “إنسانُ السيّاب” عن ألم وجوده الفردي في “سياق اجتماعيّ وتاريخيّ مضطرب”، واستمد رموزه من الطبيعة: الموت والأرض والاغتراب وحرية الاختيار. كما يرى المؤلف أن السيّاب وكيركجارد يجتمعان في نقطة محورية: تفرض خياراتنا أن نجازف في أن نغوص في “نفق” الوجود المظلم وأسراره العميقة. وستظل خياراتنا تتأرجح بين رغبتنا بالاكتفاء بـ”حياة زمنية” محدودة و”شوق حالم إلى ما هو أكثر”، إلى الأبدية والخلود.
ولأن الغربة والاغتراب من ثيمات الوجودية، يقتطع المؤلّف مقطعًا من قصيدة للسياب يدلّ على شدّة اغترابه، يقول فيه:
يا غُربة الروح في دنيا من الحجرِ
والثلج والقار والفولاذ والضجرِ
يا غربة الروح لا شمسٌ فأئتلقُ
فيها ولا أفقُ
يطير فيه خيالي ساعةَ السحرِ.
نارٌ تضيء الخواءَ البردَ، تحترقُ
فيها المسافات، تُدنيني بلا سفر
من نخل جيكور أجني دانيَ الثمرِ.
وبحسب المؤلف، فإن السيّاب الشاعر البصْري الشرقي المتأثر بالغرب وفكره وشعره، لم يكن يبحث عن النجاح، بل كان همّه الأساس هو التعبير بأمانة عن ضرورة الدخول إلى الحياة من باب ضيّق يرى فيه الألم وسيلة وحيدة لاحتضان أسرار البشرية بأمانة، فهو يشعر أنه لا ينتمي إلى هذا العالم، ولن يبقى فيه، فالإنسان مسافر وعابر، لا يمكنه التشبث بالعالم مهما حاول.
خاتمة
ربّما كان ما عرضناه، وباختصار شديد، أبرز ملامح البحث الذي يقدمه الأب حنّا، وهو يختتم بحثه هذا بحديث عن لقاء أعماق النفس البشرية بأسئلة الوجود المصيرية، وكيف يقوم حوار خفيّ بين فيلسوف دانماركي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وشاعر عراقيّ عانى آلام القرن العشرين… ما يكشف عن أنماط متشابهة في رؤية الوجود رغم تباعد الزمان والمكان، ومع تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، إذ حفر كل منهما في أعماق الوجود الإنسانيّ باحثًا عن معنى في عالم يبدو عبثيًّا في بعض الأحيان. ولكن التقاطع عند إشكالية الزمن والموت، وخصوصًا موت الأم بالنسبة إلى الفيلسوف والشاعر، شكّل عاملَ توحيد بينهما.
في الخاتمة، تتكثّف الخلاصات في ما يتعلق بالقضايا التي شغلت الفيلسوف والشاعر، وفي واحدة من هذه الخلاصات، يتوقف الباحث ـ المؤلف عند ما يرى فيه إشكالية “المرأة ـ الآخر”، بالنسبة إلى كل من الفيلسوف الغربي والشاعر العربيّ، فهي لدى كيركجارد تترجم مأزق الفرد في تواصله مع “الآخر”، فقد كانت علاقته مع المرأة معقدة، واختبر مرارتها طيلة حياته في علاقاته التي اختلطت في نظرته إلى المرأة بين الأبعاد الجمالية والأخلاقية والدينية. أما في ما يتعلّق بالمرأة عند السيّاب، فقد بقي عاشقًا لها، وباحثًا عن حنانها، في صورها المتعددة، الأمّ الراحلة، الحبيبة المفقودة، ورمز الخلود، سعيًا إلى الوصول إلى “المرأة المثالية”، أو المتخيّلة.