كتب المحلل السياسي التركي يلدراي أوغور مقالة عن ملاحظاته في آخر جلسات اللجنة البرلمانية التي تم تشكيلها للبحث في الخطوات الإجرائية والقانونية في العملية السياسية الجديدة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. تلك العملية التي مضى على إطلاقها من قبل الزعيم القومي المتشدد دولت بهجلي ما يقارب العام، وتجاوب معها زعيم حزب العمال الكردستاني السجين عبد الله أوجلان، فأثمرت أولى نتائجها بحل حزب العمال الكردستاني بعد تخليه النهائي عن الكفاح المسلح. وباتت الكرة في ملعب الدولة التركية التي ينتظر منها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لدمج مسلحي الكردستاني في الحياة المدنية والسياسية بعد إصدار عفو عام عنهم، ونقل أوجلان من السجن المؤبد إلى الإقامة الجبرية، وربما إطلاق سراح زعيم حزب المساواة والديمقراطية السابق صلاح الدين دمرتاش وقادة آخرين من الجناح السياسي للحركة الكردية، إضافة إلى إقرار عدد من التعديلات الدستورية كإعادة تعريف الهوية الوطنية بما يستوعب الهوية الفرعية لكرد البلاد مع منحهم الحقوق الثقافية واللغوية، وربما شيئاً من الإدارة الذاتية في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية. من أجل إقرار هذه التغييرات الكبيرة إنما تم تشكيل اللجنة البرلمانية التي يشارك في عضويتها نواب من 13حزباً ممثلين في البرلمان التركي، باستثناء الحزب الجيد المنشق عن حزب الحركة القومية المتحالف مع العدالة والتنمية.
لاحظ الصحافي الاستقصائي المخضرم أوغور أجواء إيجابية جداً اتسمت بصراحة المتكلمين وعدم تحرجهم من تسمية الأشياء بمسمياتها بخلاف المناخ العام السائد في وسائل الإعلام حيث التشدد بشأن كل ما يتعلق بالمسألة الكردية، فيلقي بصحافيين في السجون بسبب عبارة قالوها أو كتبوها في هذا الإطار الشائك.
وعلى سبيل المثال كان المتكلمون في اللجنة، وفقاً لأوغور، يقولون «الزعيم أوجلان» أو «السيد أوجلان» بلا تحرج، في حين أن من يفعل ذلك في وسائل الإعلام يحاكم بتهمة «امتداح منظمة إرهابية» ويغيب وراء الشمس لفترات تطول أو تقصر وفقاً لمزاج القاضي.
وكانت الجلسة مخصصة هذه المرة للاستماع إلى خبراء ومديري مراكز أبحاث لهم باع طويل في دراسة المسألة الكردية وموضوع حزب العمال الكردستاني.
وقد خص أوغور أحد هؤلاء باقتباس طويل يتحدث فيه عن التغيرات الجارية في الرأي العام الكردي في السنوات الأخيرة، أرى من المفيد تلخيصه هنا لأهميته العابرة لحدود تركيا.
على السياسة أن تستجيب لهذه التغيرات وتفتح أمامها الطريق لخدمة الحل السلمي لمشكلة مزمنة كلفت عشرات آلاف القتلى من الجانبين، وسممت الحياة السياسية في تركيا
يقول روج غيراسون مدير مركز أبحاث راوست: «ينبغي عدم النظر إلى العملية السياسية الجارية اليوم باعتبارها تقتصر على التفاوض بين الدولة وحزب العمال الكردستاني. فقد أصبح المجتمع الكردي أكثر استقراراً ومدنيةً وتعليماً واندماجاً مع المجتمع التركي.
وفي الوقت نفسه الذي يرتفع فيه مستوى وعيهم الذاتي القومي يزدادون أيضاً اندماجاً بتركيا. هذا ليس تناقضاً كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو نوع من التركيب. يريد الكرد أن يصبحوا جزءاً من الهوية الوطنية لتركيا مع الحفاظ على خصوصيتهم القومية الثقافية» ويتابع غيراسون: «أدى هذا التغير السوسيولوجي إلى تغير النظرة إلى الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق المطالب القومية، فـ65 في المئة من الكرد يرفضونه بصورة قطعية، مقابل 15 في المئة من مؤيدي الكفاح المسلح، و20 في المئة من المترددين» وفقاً لاستطلاعات رأي أجراها مركز الأبحاث الذي يديره، مستنتجاً «أن على السياسة أن تستجيب لهذه التغيرات وتفتح أمامها الطريق لخدمة الحل السلمي لمشكلة مزمنة كلفت عشرات آلاف القتلى من الجانبين على مدى ما يقارب نصف القرن، وسممت الحياة السياسية في تركيا وجعلت الديمقراطية في تركيا معطوبة بنيوياً.
لا نعرف في سوريا ما هو المزاج العام الكردي أو المزاج العام السوري فيما يخص المسألة الكردية، لأننا نفتقر إلى مراكز أبحاث واستطلاعات رأي مماثلة، إضافة إلى اختلاف الشروط في البلدين. ومع ذلك ثمة فائدة في الاطلاع على المزاج الاجتماعي العام في تركيا بخصوص المسألة الكردية لفتح آفاق التفكير والتمرين الذهني على الأقل.
أما عن سبب تباطؤ هذه العملية السياسية فيعتقد أوغور أن القيادة التركية تنتظر تقدم عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في سلطة دمشق المركزية قبل نهاية العام وفقاً لمقتضيات اتفاق العاشر من آذار الذي تم توقيعه بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، كي يصبح حزب العمال الكردستاني (المنحل!) في موقع أضعف أمام الدولة التركية، فيضطر للقبول بأي شيء قد تقدمه الدولة إليه مقابل حل نفسه وإلقاء السلاح، إضافة إلى شروط إضافية قد يتم فرضها على الحركة السياسية الكردية (كالموافقة على تعديلات دستورية تتيح لأردوغان الترشح مجدداً لرئاسة الجمهورية بعدما استنفد كل فرصه الدستورية).
قيادة قسد بالمقابل تتباطأ في خطواتها في إطار اتفاق العاشر من آذار بانتظار تقدم العملية السياسية في تركيا، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تخفيف الضغط عن سلطة دمشق ليتاح لها التفاهم مع قسد بيسر أكثر. فما جرى في الساحل والسويداء من مجازر لا يشجع قسد على تسليم سلاحه والاندماج في السلطة المركزية قبل تحقيق اشتراطات وضمانات نص عليها الاتفاق المشار إليه. وثمة من يرون أن قسد تنتظر أيضاً حدوث تطورات إقليمية كوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وتطبيق الاتفاق الثلاثي بشأن السويداء، مما يؤثر بصورة مباشرة على موضوع النظام اللامركزي الذي يطالب به الكرد ومكونات أخرى.
المصدر القدس العربي