مع انطلاق مسار الانتخابات غير المباشرة لمجلس الشعب الانتقالي في سوريا، عجّـت وسائل التواصل الاجتماعي بالبرامج الانتخابية للمرشحين، والتي غَلَب عليها الكثافة في الأهداف، أو طُرِّزت بالوعود العامة التي لا تحمل خطط عمل واقعية، أو معايير للمتابعة والمحاسبة الشعبية. كما ظهر أغلبها مُفتقراً للرؤية والهوية السياسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، الواضحة، أو أي طرح قابل للعمل الجماعي المستقبلي الذي تتطلبه الحدود الدنيا من العمل النيابي السليم سياسياً.
وفي ظل غياب الأحزاب السياسية، ووجود طريقة انتخابية غير مباشرة، تحوّل المشهد إلى تنافس بين أفراد يقدّم كل منهم نفسه عبر قائمة مطوّلة من الأهداف التي لا يملك أصلاً الوسائل لتحقيقها، ويغيب عن كثير منها احتياجات المواطن السوري الأساسية، المواطن الذي تأكد عدم اهتمامه بالخطب الطويلة ولا بالوعود الشاملة، بقدر ما يحتاج إليه من وضوح صريح بالارتباط بواقعه الصعب معيشياً، هذا المواطن الذي قد لا يجد وازعاً أو وقتاً في قراءة صحيفة منمقة، أشبه ببروشور تسويقي لسلعة ذات استخدامات لا تخصه.
إن غياب الأحزاب يجعل المرشح الفرد، مهما كانت نواياه وقدراته، عرضة للعزلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال للعمل الجماعي العابر للمناطقية أو التنسيق المصلحي.
وعلى ما يبدو، فإن قلة قليلة من المرشحين وعَوا أن الاقتصار على هدف أو هدفين فقط لا يعني التبسيط المُخلِّ بإرادة الإنجاز، بل يعني التركيز والواقعية والارتباط بأولوية يراها ضرورية لبيئته ومجتمعه وبلده. فمن يَعِد بتحقيق العدالة الانتقالية، ومحاربة الفساد، وتحسين الكهرباء، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والأمن الاجتماعي، في آن واحد، إنما يقدّم نفسه كحكومة مصغرة أو حزب طامح بتشكيلها، لا كنائب، في حين أن النائب الناجح هو من يعرف حدوده، ويحدد ملفاً أو ملفين يخوض فيهما معركة انتخابية، ثم تشريعية ورقابية حقيقية. هذا الملف يمكن أن يكون إصلاح التعليم الأساسي حيث تشير الأرقام إلى أن نحو مليون ونصف مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، أو ملف الكهرباء حيث ما زال المواطن يعاني من انقطاعات تصل إلى عشرين ساعة يومياً، أو ملف الشفافية المالية في بلد خسر وقد يخسر عشرات المليارات من الليرات، وربما بالدولار، في عقود غير مُحكَّمة. مثل هذه الأهداف الواقعية تجعل من السهل على الناخب في الهيئة الناخبة، أو المواطن، أن يسائل ممثله لاحقاً: ماذا فعلت في هذا الملف؟ وما الذي أنجزته؟
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الأحزاب يجعل المرشح الفرد، مهما كانت نواياه وقدراته، عرضة للعزلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال للعمل الجماعي العابر للمناطقية أو التنسيق المصلحي، حيث يجتمع مرشحون، والنواب فيما بعد، من دوائر مختلفة حول قضايا مشتركة، كالدفع نحو قانون وطني للشفافية المالية، أو تشجيع الاستثمار المحلي لتخفيف معدل البطالة الذي يزيد عن ربع القوة العاملة، أو تطوير تشريعات الطاقات المتجددة لتأمين حاجة البلاد المتزايدة للكهرباء. مثل هذه التكتلات الانتخابية والنيابية لاحقاً، وإن لم تكن أحزاباً، يمكن أن تؤدي وظيفة بديلة وتعيد بعض الروح السياسية إلى الانتخابات والمجلس.
ومع ذلك، يظل هذا التعويض مؤقتاً. فلا حياة سياسية صحية من دون أحزاب حقيقية، قادرة على صياغة برامج عميقة تتجاوز الأفراد والدورات الانتخابية. الأحزاب هي ضامن أساسي لانتقال السياسة من الشخصنة إلى المؤسساتية، ومن الوعود الفردية إلى الرؤى الجماعية، من خلال دورها الجوهري في ترشيح من تراه مؤهلاً للعمل في الإدارات العامة وتحمل المسؤولية السياسية والاجتماعية، وربما القانونية، عن ذلك الترشيح. فمن دون عودة الأحزاب وفق قانون عصري يتيح التعددية والمنافسة، ستبقى التجربة الانتخابية ناقصة، مهما حَسُنت نيات الأفراد وتنوعت مهاراتهم.
الشفافية هنا تشكل ركناً أساسياً أيضاً. فلن يكون مجلس الشعب قادراً على استعادة الثقة من دون أن يفتح أبوابه للرأي العام، بدايةً عبر نشر جلسات العملية الانتخابية، ثم محاضر جلساته، وجداول أعماله، وكيفية تناول العقود الكبرى، وميزانيات المؤسسات العامة بلا استثناء. والإعلام بدوره يجب أن يتجاوز دور التغطية الاحتفالية إلى الرقابة الحقيقية، فيتابع العملية الانتخابية ثم النيابية من جميع زواياها، ويُسلِّط الأضواء على أداء النواب، ويمنح المواطن فرصة لمساءلتهم علناً. فالصحافة الحرة والإعلام المسؤول شرط من شروط سلامة وشرعية العملية برمتها وليست عبئاً عليها.
إن الطريق إلى مجلس الشعب فعّال ليس عبر التضخيم الإنشائي ولا عبر الشعارات العامة، بل عبر التركيز على أهداف واقعية محددة، وبناء تكتلات جماعية تعوّض غياب الأحزاب.
وإذا وضعنا هذا كله في السياق السوري الراهن، بعد عشرة شهور على سقوط النظام السابق وتشكّل الحكومة الانتقالية، ندرك أن البلاد تمر بلحظة اختبار حقيقية. فملفات العدالة الانتقالية لم تُحسم طريقة معالجتها بعد، ولا تزال القضايا الخلافية حول اللامركزية والعلاقة مع القوى المحلية عالقة، وفي مثل هذا الظرف يصبح مجلس الشعب المقبل أكثر من مجرد مؤسسة تشريعية؛ إنه امتحان لقدرة السوريين على صياغة عقد اجتماعي جديد. فإذا فشل النواب في تحويل وعودهم إلى أهداف محددة وعمل جماعي منظم، فلن ينظر المجتمع إليهم إلا كنسخة معدلة من مؤسسات الماضي.
إن الطريق إلى مجلس الشعب فعّال ليس عبر التضخيم الإنشائي ولا عبر الشعارات العامة، بل عبر التركيز على أهداف واقعية محددة، وبناء تكتلات جماعية تعوّض غياب الأحزاب، والعمل في الوقت نفسه على استعادة حياة سياسية طبيعية تقوم على التعددية الحزبية والشفافية والإعلام المسؤول. هكذا فقط يمكن للمجتمع السوري أن يجد في الانتخابات خطوة جادة نحو المستقبل، لا مجرد باعث جديد لخيبات الأمس، مجلس شعب نُصفق له، وليس مجلس مصفقين.
المصدر تلفزيون سوريا