بشير البكر. شاعر سوري
…كتاب الدكتور مهند مبيضين “العثمانيون بعيون عربية.. الذهنيات والصورة المركبة، من الجهاد إلى الاستبداد” (دار جداول تموز/ يوليو، 2025) عمل ضخم يندرج ضمن إطار مشروع المؤرخ في تتبع فترة الحكم العثماني في العالم العربي، وفي هذا الكتاب يتجه إلى قراءة الصورة الذهنية التي تشكلت للعثمانيين من زاويتين، احتفائية بدولة الخلافة الإسلامية، وناقدة باعتبار العصر العثماني مرحلة طويلة من الاستبداد والانسداد.
يمثل الكتاب في المكتبة العربية إنجازًا مهمًا لبحث مسألة تاريخية معقدة لا تزال تلقي بظلالها على حاضر العرب والأتراك، وقد عادت إلى الواجهة بقوة بعد وصول الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحكم، ومحاولته استعادة العلاقات بين الطرفين بوحي من ذلك التاريخ، ووفق روحية جديدة تتجه إلى تكامل اقتصادي وتفاهمات سياسية من باب المصالح المشتركة، تعتمد المقاربة نفسها من الحاضر وأحداث التاريخ، وخاصة في فلسطين المحتلة، والمسجد الأقصى ذي المكانة الخاصة لدى المسلمين الأتراك.
يطمح الكتاب إلى مراجعة الخطاب التاريخي والصورة النمطية والذهنية التي تكونت عن العثمانيين في البلاد العربية منذ بسط سيطرتهم عليها في بدايات القرن السادس عشر، وجلائهم عنها على فترات متباعدة، ما بين بلدان المغرب والمشرق، وكان للخروج النهائي لهم مع نهاية الحرب العالمية الأولى أثره البالغ في الاتجاهين، لكونه حصل بالتحالف بين العرب والحلفاء من ناحية، ومن ناحية ثانية ساهم على نحو قوي في تقويض دولة الخلافة، ونشوء تركيا الحديثة، الأمر الذي خلق قطيعة ومرارة لدى الأتراك، ونهاية عهود من المرارة شكلت النظرة السلبية لدى العرب عن الأتراك.
يقوم الكتاب على قاعدة أن العلاقات العربية التركية لن تغادر التاريخ المشترك بين العرب والعثمانيين بسهولة، وتظل تحتفظ بدينامية وحيوية، بعد أن خفت حمولة الصور السلبية التي تشكلت في الذهنية والثقافة العربية عن العثمانيين، ومنها صورتان قويتان عن “التركي الشهواني”، و”التركي الرهيب”، اللتان هيمنتا لفترة طويلة في خطاب الرواية والأدب، لكنهما تراجعتا بفضل البحوث العلمية، والدراما التاريخية، والسجالات الإعلامية، وداخل الدوائر الأكاديمية في الجامعات العربية.
تدور حبكة الكتاب من حول الوعي التاريخي بالزمن العثماني المديد في بلدان عربية أساسية، من مصر، إلى بلاد الشام، والعراق، وتتجاوز بذلك التركيز على الصور النمطية في الاتجاهين، لتقرأ الأحداث بوصفها ذات مفعول تبادلي، فلا يمكن فهم تاريخ الولايات العربية بمعزل عن النزاعات التي خاضتها دولة الخلافة الإسلامية مع القوى الدولية، التي كانت تطمع في الهيمنة على المنطقة كفرنسا، وروسيا، وبريطانيا، واليونان، والصفويين. وعلى هذا، تحول العثمانيون من محتلين للعالم العربي، إلى مدافعين عنه في وجه الغزاة، وفي المركز من ذلك هويته الإسلامية، التي كانت مستهدفة.
ولا ينفصل عن هذا السياق ما شهده العالم العربي من تطورين مهمين، الأول هو العروبة مقابل العثمنة، والثاني هو الانتقال من الزمن العثماني إلى الوطنية. ويمر الكاتب في المسرى الأول على محطات مهمة، يوسف الحكيم، من الاستبداد إلى الانتداب، وجورج أنطونيوس، يقظة عربية من سبات عثماني، وفوزي القاوقجي، طورانيون وقحطانيون، ورستم حيدر من الاتحاديين إلى الحركة العربية. وفي المسرى الثاني، يسترجع صاحب كتاب “تاريخ الصعود العثماني” للكاتب أمين الريحاني، من الطوفان إلى الجمهورية، ويربط التراجع العثماني بثلاثة فتوحات حققتها المدنية في أوروبا، ثورة مارتن لوثر ضد الكنيسة 1517، اختراع حروف الطباعة ـ غوتنبرغ 1440، اكتشاف أميركا على يد كريستوف كولومبوس 1492، ومن منظور أوسع يقدم فيليب حتي، رؤية لتاريخ العالم ولبنان الكبير في زمن الصراع بين القوى المحلية التي أخذت بالصعود، في الوقت الذي كانت فيه السلطنة العثمانية تغيب وتحضر، في مناطق نفوذ الأمراء بشكل يراوح بين الفوضى والمركزية والسلطة المباشرة، أو عبر الوكلاء.
يتنقل الكتاب داخل الزمن العثماني في العالم العربي بين محطات عدة، البداية من سورية العثمانية، حيث الصورة لا تزال ملتبسة بين الفتح والغزو والسبات العميق، والسبب في ذلك هو أنه لم يكن من الممكن عزل أيديولوجية المؤرخ عن منتجه العلمي، وهو ما حصل بصورة مغايرة في التجربة اللبنانية، وتبدو النظرة أكثر موضوعية في الأردن وفلسطين. والمحطة الثانية هي شبه الجزيرة العربية، العثمانيون في الذاكرة الخليجية، التي تحتفظ بصورة سلبية، وهو ما ظهر في أعمال تاريخية درامية وأدبية، أو برامج ثقافية، وتبقى الحالة السعودية الأكثر تعبيرًا عن الصورة منذ نشوء الدولة السعودية الأولى عام 1727 التي أدرك العثمانيون خطرها، وحاربوها حتى القضاء عليها عام 1818 على يد جيش محمد علي باشا، ويشهد المؤلف بفرادة البحث العلمي التاريخي عن الدولة العثمانية عند المؤرخين السعوديين المعاصرين.
يتوقف الكاتب عند العلاقة بين الباب العالي ومنطقة الحجاز، وشريف مكة الحسين بن علي، الذي واجه الإجراءات العثمانية بفصل المدينة عن مكة، وتصاعد السياسة الطورانية، ومن ثم حملة عسير، وسعي الاتحاديين إلى زعزعة مكانه بعد حرب البلقان، ثم دخول السلطنة الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وهو ما دفع الشريف حسين إلى إطلاق رصاصة الرحمة على الحكم العثماني في الحجاز، وإعلان الثورة العربية الكبرى، عندما أيد ميثاق دمشق الذي صاغه الأحرار العرب.
وما يلفت الانتباه هنا هو تأييد السلطنة مولد دولة قطر عام 1868 بموجب معاهدة السلم البحري بين قطر وبريطانيا، التي انتزعها الشيخ محمد آل ثاني. ويعود مبيضين إلى تفاصيل دراسة علمية أنجزها الدكتور محمد صالح المسفر، وميسر مروان سليمان، والتي يتحدث فيها الباحثان عن عوامل الشخصية والهوية الوطنية القطرية، حيث لاحت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدايات تشكل الكيانية السياسية القطرية، والتي اكتملت في مطلع السبعينيات في القرن التاسع عشر، وانتهت بإعلان المشيخة على يد محمد بن ثاني وابنه جاسم. ويقر الباحثان بأن تأسيس الكيانية القطرية كان مدعومًا بشكل محدود من قبل العثمانيين، و”أصدر الباب العالي فرمانًا” باعتماد قائمقام على مشيخة قطر، وكان ذلك هو الأساس القاعدي لتشكيل مشيخة مستقلة.
العثمانيون في اليمن حالة خصوصية، فالبلد لم يخضع لهم بسهولة، بل شكل مصيدة للغزاة، في حين أنه لم يكن يتمتع بوحدة سياسية، وتغيرت حدوده مرات عدة، وعاش ظروفًا سكانية معقدة بين قوى الشوافع، والزيدية، والإسماعيلية، والجبل، والشمال، والجنوب، وذلك يبرز عدم استقرار السيطرة العثمانية.
مصر العثمانية، التاريخ والأيديولوجيا: وفي ذلك يجتهد الكاتب في إعلاء شأن الدراسات العلمية التي درست شؤون العلاقة بين مصر والسلطنة، بعيدًا عن الأيديولوجيا والعاطفة، ويخص المؤرخ محمد أنيس صاحب كتاب “العالم العربي في العصر العثماني”، والمؤرخ أحمد عزت عبد الكريم في كتابه “دراسات في تاريخ العرب الحديث”، الذي يستخدم فيه لغة علمية موضوعية بعيدة عن الأيديولوجيا، واضعًا مسألة الحكم العثماني في سياق التطور الطبيعي لتاريخ البلاد العربية. ويرى أن وصول العثمانيين للمشرق والمغرب العربي نتيجة الفراغ المملوكي، وينظر إليه في سياق إيجابي.
العراق العثماني، بين الصفويين والعثمانيين والأعيان المحليين، وهنا تلعب الأيديولوجيا دورًا في الكتابة التاريخية، والنظرة تجاه العثمانيين على أنهم أنقذوا العراق من احتلال صفوي. وهنا يبدو الحكم العثماني قريبًا إلى حد ما بدمشق التي حكمها آل العظم، وقد تم تمييز الموصل التي حكمها آل الجليلي لمدة 168 سنة تداول عليها 16 واليًا من العائلة. وتعد هذه التجربة فريدة نظرًا لقربها من العاصمة العثمانية وعدو العثمانيين شرقًا المتمثل بحكام إيران الصفوية. ومن قراءة تاريخ العراق الغارق في الفوضى تبرز نتيجة مهمة، وهي أنه لا توجد محطات نافرة عن العثمانيين، بل هنالك صورة إيجابية، بفضل تطور العراق في القرن السادس عشر ثقافيًا واجتماعيًا.
فلسطين في عصر الإقطاع، حيث تختلف القراءة نتيجة التأثر بالمدرسة الروسية للتاريخ التركي، وهذا ما يتجسد في كتاب إميل توما “فلسطين في العهد العثماني”، الذي عد الحكم العثماني استيلاءً على المشرق العربي، بالتركيز على الفوضى والنهب والحركات الاجتماعية والمظاهرات الفلاحية. ويتناول حكم المعنيين في فلسطين ونزاعهم مع السلطنة، ومن حكم الدولة الزيدانية، وأميرها طاهر العمر، الذي أقام دولة في شمال فلسطين، وبعد فترة تولى أحمد باشا الجزار زمام الأمور بعد اغتيال العمر، لتعيش فلسطين مرحلة شديدة التعقيد، ومن بعد ذلك دخلت في حقبة جديدة مع حكم محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا، تفككت فيها العلاقات الإقطاعية، وهو ما انتهى بالدولة العثمانية إلى تثبيت أقدامها.
العثمانيون في الشمال الأفريقي، بين الجهاد والاستبداد، وقد وصلت السلطنة إلى كل من الجزائر وتونس وليبيا، لكنها فشلت في دخول المغرب. وعلى العموم، أخذ التاريخ في هذه المنطقة أطوارًا مختلفة، منها ما هو غير واضح، كالجزائر بسبب سرقة الأرشيف من قبل فرنسا، في حين أن الدراسات والاهتمامات التونسية بالتاريخ العثماني بدأت بشكل مبكر، وقادت إلى بداية تأسيس جهد عربي جديد في الدراسات العثمانية عن الولايات العربية.
في الختام، لا يقرأ المؤرخ أحداث التاريخ ببرود وحيادية، بل يتفاعل معها من موقع الناقد بموضوعية، ويظهر في مروره بين المحطات التاريخية متفهمًا لكثير من الأخطاء التي سجلت ضد السلطنة، ويلخص ذلك في رده على أمين الريحاني، الذي وصف القرن التاسع بالزمن العثماني المضطرب، ومن أسوأ الأزمنة التي عرفها العالم العربي. فهو في نظر مبيضين ليس إنتاجًا عثمانيًا وحسب، بل كانت الفوضى والمذابح عنوان القرن التاسع. ونوه الكاتب بعدد من الدراسات والبحوث والرسائل العلمية عن العرب وولاياتهم في ظل الحكم العثماني، التي تميزت بالرصانة تحت إشراف مؤرخين كبار، مثل محمد شفيق غربال، وزين نور الدين زين، وأحمد عبد الرحيم مصطفى، وعبد الرحيم عبد الرحمن، وعبد الكريم رافق.
بكلمة أخيرة، يشكل الكتاب جهدًا معرفيًا مهمًا لأسباب عدة، الأول نفض الغبار عن ملفات مهملة رغم قيمتها التاريخية الكبيرة. الثاني قراءة الماضي على ضوء تطورات الحاضر وتنامي العلاقات بين تركيا والعالم العربي. الثالث تصحيح النظرة الخاطئة، واستبعاد الصور المسبقة التي تعيق ارتقاء التفاهم بين العالم العربي وتركيا إلى مستويات متقدمة.