
في فجر الثالث والعشرين من تموز/يوليو 2012 ارتجّ بيت الحاج نصر مريود في قرية أوفانيا بريف القنيطرة الشمالي تحت وقع المداهمات الأمنية حين اقتحمت عناصر النظام السوري البائد منزله في حملة مسعورة أحكمت قبضتها على شبان كانوا يجلسون في غرفة واحدة، ستة أرواح أبناؤه وأربعة من ضيوفهم ابتلعتهم سراديب صيدنايا كما ابتلعت آلاف السوريين وتركت خلفها جدراناً موحشة وأبواباً مشرعة على الانتظار.
ومع مضي ثلاثة عشر عاماً على الغياب لم يكن العم نصر يظن أن لعنة الفقد ستعاود الطرق على بابه، لكن ليل السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2025 جاء ليكمل المأساة إذ طوّق جيش الاحتلال الإسرائيلي المنزل ذاته، وتردّد الصوت عبر مكبّراتهم المعدنية “أخرجوا… المنزل محاصر”. لم يكن المشهد هذه المرة صيداً لأبنائه بل مطاردة لأحفادهم أبناء الغياب محمد ومحمود لم يبلغا بعد ربيع الثامنة عشرة، وحين سأل الجد بوجل ماذا تريدون منهم؟ جاءه الرد كالصقيع “إنهم يثرثرون كثيراً سنعاقبهم يومين ثم نطلق سراحهم”. ومع انسحاب الآليات في الخامسة فجراً كان الفتيان يساقان إلى المجهول، ومنذ ذلك الصباح تلاشى أثرهما.
مريود مرآة لوجع القنيطرة
قصة مريود ليست سيرة بيتٍ واحد بل مرآة لوجع القنيطرة كلها محافظة تنزف على ضفّتين، الأولى من سياط نظام الأسد، والثانية من أنياب الاحتلال. تغيّر السجّان لكن القضبان بقيت نفسها والقهر ذاته يتربّع على صدور العائلات التي حلمت بالحرية فوجدت نفسها في متاهة أسر متجدّد.
وليس آل مريود وحدهم في هذا الجرح، ففي الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2024 خطفت قوات الاحتلال الإسرائيلي الصبي صدام سعد الدين من بلدة جباثا الخشب، الفتى الوحيد لعائلته لم يتجاوز السادسة عشرة كان يرعى أغنامه حين شدّته الأصفاد وما يزال منذ ذلك اليوم خلف القضبان رغم صرخات والده التي جابت مكاتب المنظمات الدولية بلا مجيب حتى قال مكلوماً: “أرهقني البحث عن خيط أمل تركته لله فهو الأعلم بحاله”.
لا تزال قوات الاحتلال تحتجز 39 سورياً بينهم ثلاثة قاصرين، ليبقى ملف المعتقلين شاهداً دامغاً على أن القنيطرة لم تعرف الأمان، وأن سجونها تبدّلت أسماؤها لكن أبوابها ظلّت مشرعة لابتلاع المزيد.