تتباين النقاشات في الأوساط الفكرية والسياسية السورية حول موقع العَلمانية في مستقبل البلاد، ومدى ملاءمتها كخيار للحل السياسي والاجتماعي، في ظل الانقسامات الحادة بين مكونات المجتمع السوري. ويأتي هذا الجدل وسط أزمات متراكمة عاشتها سوريا خلال العقود الماضية، جعلت من مسألة صياغة هوية الدولة وإطارها الدستوري سؤالاً ملحّاً على طاولة التسويات المقبلة.
ويرى مراقبون أن المصطلح، رغم جذوره الفكرية والفلسفية في التجربة الأوروبية، ما زال يثير إشكاليات عند تداوله في المجتمعات العربية عموماً والسورية خصوصاً، حيث يُربط أحياناً بمحاولات إقصاء الدين من الحياة العامة أو اعتباره مفهوماً مستورداً لا يتوافق مع البنية الثقافية والاجتماعية المحلية. وفي المقابل، يذهب آخرون إلى اعتباره أداة لضمان العيش المشترك والمواطنة المتساوية بعيداً عن الانتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية.
وفي هذا السياق، تتباين المواقف بين باحثين وخبراء. فبينما يشدد بعضهم على أن العلمانية قد تُشكّل إطاراً لضبط الحياة السياسية وصياغة دستور يساوي بين جميع المواطنين، يرى آخرون أن الأولوية تكمن في إعادة بناء الدولة والنظام من جديد على أسس مدنية، ثم مناقشة طبيعة النموذج الأمثل للحكم.
ويشير مراقبون إلى أن الجدل حول العلمانية في سوريا لا ينفصل عن الإرث التاريخي للاستعمار والصراعات الإيديولوجية التي شهدها العالم العربي. فالمصطلح يحمل أعباءً ثقافية من الماضي، حيث ارتبط في الوعي الجمعي بسياسات فصل الدين عن الدولة التي طبقتها بعض الأنظمة القومية والعلمانية بقوة، مما خلق هوة من الارتياب تجاهه. في المقابل، يرى دعاة العلمانية أنها الضمانة الوحيدة لتحقيق المساواة الحقيقية في مجتمع تعددي مثل السوري، مما يجعل النقاش أشبه بمعركة بين هوية تاريخية ورؤية مستقبلية.
العلمانية جزء من معضلة أكبر
يقول الدكتور حسام شعيب، إعلامي وكاتب وباحث استراتيجي ومتخصص بشؤون الجماعات المسلحة، لـ”963+”: “في البداية، تجدر الإشارة إلى أن الإشكالية الكبرى في العلمانية أن تفسيراتها مختلفة ومتضاربة، وبالتالي قد يكون تطبيق فكرة العلمانية حلاً للبعض، وإشكالية لآخرين. والجدير بالذكر أنها قد تؤسس وتكون سبباً لخلاف اجتماعي أو سياسي قادم في سوريا. ومن المهم الإشارة إلى أن المصطلح بعيداً عن المفاهيم الغربية التي تريد أن تصور العلمانية ضد الدين أو أنها فصل الدين عن الدولة. وإن كانت كذلك فهي الحل المناسب الضروري لمسألة العيش المشترك لأبناء الوطن، وهي من أفضل الحلول.
ويُلفت إلى أن المصطلح الأقرب للسوريين والذي يتفقون عليه فيما بينهم، وهو الأقرب لمسألة السوريين وإدراكهم، وبالتالي فإن الغاية من هذا المفهوم هي مسألة إحقاق القانون وتحكيمه بين مكونات المجتمع، والنظر إلى الجميع من خلال الانتماء والمواطنة. هنا لا تكون الفكرة قائمة على أساس مذهبي أو طائفي أو عرقي، ويؤكد أن المشكلة ليست في تناول أو طرح المصطلح إنما في تطبيقه، بغض النظر إذا كان علمانية أو مجتمعاً مدنياً. ومن هنا فإن التطبيق بالمعنى الحقيقي هو الأهم.
ويشير إلى أن إدراج العلمانية في التسوية السياسية في سوريا مطلب وارد لأطراف تراه ضرورياً في البلاد، لكن الأهم هو الوصول إلى دستور يحترم كل المواطنين في سوريا والعدالة، ويتعامل بسيادة القانون.
ويضيف أن أهم العقبات في تطبيق العلمانية في سوريا هو أن المفهوم لا يحمل إجماعاً لدى السوريين، وذلك لأن الفكر الديني ينظر إلى المصطلحات الغربية على أنها مستوردة وخارج إطار التاريخ الإسلامي. وبالتالي هي دخيلة على الاجتماعية التاريخية والسياسية. ويُؤكد أن الأمر يقع على عاتق المثقفين السوريين ورجال الدين لإقناع السوريين بهذا المفهوم بوصفه لا يحمل عداء تجاه أي من الأديان.
ويوضح أن المسألة مسألة حكم سياسي وليست تطبيقاً للشريعة الإسلامية، بمعنى أن المواطن يتعامل بموجب الحالة الوطنية والانتماء. وبالتالي فإن الحاكم هو القانون، والبعد والقرب من هذه المؤسسة أو تلك وكذلك تعامل الأشخاص بتطبيق واحترام القانون، وليس من منظار ديني أو مذهبي أو طائفي أو عرقي، وهذه قد تخلق إشكالات كبرى.
ويُشير إلى أن المجتمع غير مهيأ لطرح مثل هذه الأفكار، وذلك لأن البعض ينظر إلى هذه الأفكار على أنها حملها النظام البائد أو اليساريون العرب أو القوميون، وبالتالي هي امتداد تاريخي يراه البعض لا يتناسب مع الحالة الراهنة، ما يؤدي إلى عقبات.
ويُلفت إلى أن العلمانية أو تطبيقها يحتاج إلى مؤسسات تشريعية قائمة على أساس قانوني يحتكم لها الجميع، لذا يجب أن يتوفر مجلس نيابي (مجلس شعب) لسن تشريعات ومراقبة الحكومة ومحاسبتها وحجب الثقة عنها، بالتعاون مع وزارة العدل أو جهات قضائية أخرى. كما يجب أن تكون القوانين تحمل في طياتها الموضوعية والمسافة ذاتها بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي.
ويرى أنه توجد مشكلات في مسألة النموذج العلماني الأقرب للتطبيق، خاصة في ظل وجود أشخاص ملتزمين دينياً ويحملون أيديولوجياً ويرون أن الحكم هو الأقرب للإسلامي. وبالتالي يجب أن تعتمد القوانين والتشريعات على الحالة الدينية وأن يكون هناك صبغة تحمل وجهاً إسلامياً.
لكن هذا يتعارض مع وجهة نظر الغرب تجاه سوريا، خاصة أنهم يراقبون عن كثب الحكومة السورية الانتقالية. وبالتالي ما هي العلمانية التي نريد؟ هل هي ما تطبقه فرنسا التي تخالف العدالة الاجتماعية وتتدخل في الحريات وتمنع المحجبات؟ ويُشير إلى أن العلمانية الفرنسية واضحة لكنها تحمل تطرفاً. وكذلك العلمانية الروسية (الشيوعية) التي طُبقت في وقت سابق لكنها لم تعد موجودة، وهذه أيضاً كانت تعادي الدين لا سيما الدين الإسلامي.
ويضيف أن العلمانية الأقرب للتطبيق في سوريا هي في تركيا، لكن حزب العدالة هو الذي يحكم البلاد مع بقاء عنوان العلمانية للدولة التركية. ويُبين أن هناك علمانية جديدة وإن كانت غير معلنة وهي الأقرب للتنفيذ في سوريا، لا سيما عند الحديث عن “الإسلام الشامي”. وبالتالي الأقرب في هذه المرحلة هو الحالة السعودية بعد نفض الغبار عن حالة دينية مع وصول وبروز ولي العهد محمد بن سلمان الذي قام بنهضة فكرية في المملكة، وهذه الحالة تضمن حق الحريات للمرأة والاختلاط في المدارس والخوض في الكثير من الأمور مع البناء على أسس دينية. كما أن هناك حالة في مصر، ويُشير إلى أن الشعبين السوري والمصري يتشابهان في كثير من الأمور.”
إشكالية التطبيق وأولوية إعادة بناء الدولة
من جهته، يقول الدكتور ميشال الشماعي، كاتب ومحلل سياسي يقيم في بيروت، لـ”963+”: “إن المشكلة الكبرى في سوريا لا تكمن بأن تكون دولة علمانية أو مدنية، إنما في طبيعة تكوين النظام السوري من جديد وتكوين الدولة مرة جديدة.” ويضيف أن “تنظيم العيش بين الطوائف في المجتمعات الحضرية البشرية لا يكمن في إزالة الهوية الطائفية للمجتمع من خلال نظام علماني، بل من خلال تنظيم هذه الهوية وكذلك تنظيم طرائق العيش بين المجموعات الحضرية المكونة للشعوب.
ويُشير إلى أن الانتقال إلى العلمنة يحتاج إلى هوية جديدة اجتماعية بموافقة جميع المكونات الحضرية في أي بلد. لذا لا يمكن لأي مكون يدعو للعلمنة ويبشر بها، مقابل مكون آخر يدعو إلى التشدد والتطرف والأصولية الدينية، موضحاً أن هذه هي الإشكالية أو العقبة الأساسية في سوريا وبلدان الشرق الأوسط.
ويُلفت إلى أنه لا يمكن مقاربة مسألة العلمانية في سوريا مع أي نموذج في بلد آخر، وذلك لأن لكل بلد طريقته في العيش وطبيعة تكوينه. لذلك تحتاج سوريا إلى استعداد قبل مرحلة انتقالية، مشيراً إلى أنه “لا يمكن الانتقال من الأبيض إلى الأسود أو العكس بشكل مباشر. لذا تحتاج سوريا إلى مرحلة انتقالية للوصول إلى هذا النظام”. ويعتقد أنه “ليس النظام المناسب في هذه الحالة.
ويؤكد أن التسوية السياسية القادمة في سوريا يجب أن تكون قائمة على احترام الهويات المجتمعية الدينية والعرقية، وبعدها يمكن البحث في طبيعة النظام إذا كان علمانياً أم لا.” ويرى أن “النظام المدني هو الأقرب للتطبيق في سوريا، وهذا ما يسمح للمكونات الحضرية بالحفاظ على هويتها الطائفية والإثنية والجغرافية بدون حدوث أي نزاعات بينها، وهذا من شأنه تأمين الديمومة والاستمرار في الدولة السورية على المدى البعيد.” وأخيراً، أشار إلى أن “النظام الفيدرالي أو الكونفدرالي في هذه المرحلة هو الأمثل لطبيعة تكوين الدولة السورية.”
يظهر من خلال هذه الآراء أن النقاش حول العلمانية في سوريا يتجاوز الجدل الفلسفي ليصبح مرآة تعكس التعقيدات العميقة للمشكلة السورية. فالعلمانية هنا ليست مجرد خيار سياسي أو فكري، بل هي مؤشر على الصراع الأوسع حول هوية سوريا المستقبلية وشكل الدولة التي ستخرج من رحم الأزمة. يبقى السؤال المركزي: هل يمكن أن تكون العلمانية حلاً جامعاً في مجتمع ممزق، أم أنها ستكون عاملاً إضافياً في تقسيمه؟ الإجابة تبدو مرتبطة بشكل جوهري بقدرة السوريين على تحقيق مصالحة وطنية شاملة تسبق أي نقاش حول النموذج الدستوري أو السياسي الأمثل.
المصدر موقع ٩٦٣