شهدت سوريا مؤخرًا انتخابات برلمانية وُصِفت بأنها تمثل تجربة جديدة في مسار إعادة تشكيل الحياة السياسية بعد سنوات من الحرب والانقسام.
فقد جرى التصويت في الخامس من تشرين الأول بمشاركة نحو سبعة آلاف ناخب يمثلون الهيئات الناخبة، موزعين على ستين هيئة، كان من المقرر أن تختار عبرها 140 عضوًا من أصل 210، لكن ما تم انتخابهم كان 119 عضوًا من أصل 140، وتُرك 21 مقعدًا آخر شاغرًا لمناطق سورية مُستثناة من التصويت الأولي لعدم خضوعها لسيطرة الحكومة بعد، في حين سيُعيَّن الباقون وعددهم 70 عضوًا بمرسوم رئاسي لاحقًا. وقد توزعت المقاعد وفق نسبة محددة: سبعون في المئة من الأكاديميين، وثلاثون في المئة من الأعيان والشخصيات المجتمعية.
أشارت النتائج إلى تمثيل غير متوازن للسوريين بين النساء والرجال، وحتى بين الجماعات السورية نفسها.
ورغم تأكيد بعض الحاضرين أن إجراءات العملية الانتخابية جرت بنزاهة نسبية من دون تزوير، فإنها لم تخلُ من التحالفات السياسية الموجهة والدعم الحكومي الذي حسم النتيجة لصالح المجموعات “المنظمة” رغم أن الترشيحات كانت على أساس فردي، في حين خسر المرشحون المستقلون معظم مقاعدهم. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار هذه الانتخابات تجربة أولى في بيئة سياسية غير مستقرة، لكنها ما تزال أسيرة منطق الانتقاء وفق اعتبارات عديدة تشمل الظروف السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
لم تشهد البلاد كرنفال “الانتخابات” المعروفة سابقًا، حيث اقتصر الأمر على المرشحين والهيئة الناخبة وعدد من المهتمين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعود ذلك جزئيًا إلى الصورة المشكلة لدى السوريين عن ما يعرف بالانتخابات في عهد الأسدين، حيث النتائج معدة مسبقًا حسب الولاء والرشوة، وإلى ضعف الثقة العامة بالعملية السياسية، ناهيك عن محدودية عدد الناخبين.
أشارت النتائج إلى تمثيل غير متوازن للسوريين بين النساء والرجال، وحتى بين الجماعات السورية نفسها، إذ طغى تمثيل الجماعة السنية ومن الرجال على الجسم الجديد، فعدد النساء قليل (6) وضعفهم لباقي الجماعات، مما يطرح السؤال التالي، هل نشهد تجربة حكم ديمقراطي بما تمثله من حكم الشعب، أم حكم جماعة؟ وهل تشير النتائج إلى استمرارية ذهنية انتقاء الأعضاء؟ وما الدلالات الاجتماعية التي يمكن استكشافها من تلك النتائج؟
ثمة مخاوف يمكن قراءتها من نتائج الانتخابات، وهي ما يتوجب على الحكم وعلى الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات المجتمعية العمل على تداركها، وتتمثل في خوف الجميع من الجميع وبالتالي شن الحرب، التي لا تقتصر فقط على السلاح، فحرب الكلمات تحفر عميقًا في النفوس، كما تقتل الرصاصات. قد يكون من المفهوم خلال الأعوام الماضية حيث القتل والتهجير وارتكاب الفظائع من الأسديين أن ينتشر الخطاب التعبوي القائم على الانقسامات، لكن اليوم، لا بد من السعي نحو إعادة البناء، وهذا يشمل عموم القطاعات، وشرطه الأساسي الابتعاد عن خطاب التميز الذي يرافق المنتصر، والانتقال نحو التشارك.
وأهم تلك المخاوف دخول سوريا حقبة تهيمن عليها “الجماعة” السنية، كونها تمثل الأكثرية العددية من جهة، ومن جهة ثانية أكثر الجماعات التي تعرضت للفظائع في عهد الأسدين، من دون نكران ما تعرضت له الجماعات الأخرى، حيث عُمم العنف والقتل تجاهها وحتى تجاه الجغرافيا التي تخصها، في حين كان العنف في أماكن أخرى انتقائيًا. وبعد الخلاص من حكم الأسدية، برز خطاب رسمي وشعبي يدعو لحق الجماعة السنية بأحقية الحكم واستعدادها النفسي لخوض أي معركة في حال تهدد “حكمها”، على الرغم من أنه لا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن الحكم للسنة إلا من منظور “طائفي”، وهو ما يمثل خطرًا حتى على الطرح نفسه الذي يدعي بأن الجماعة هي نفسها الأمة.
ومن الجوانب الإيجابية لهذه الانتخابات أنها أعادت السياسة -ولو جزئيًا- إلى المجال العام. فمجرد خوض المنافسة، حتى ضمن شروط محدودة، يعني بداية استعادة الناس لحقهم في المشاركة وفي التعبير عن مصالحهم. لكن هذه العودة لا تكتمل إلا بتنظيم العمل السياسي ضمن أطر قانونية شفافة تتيح قيام الأحزاب والنقابات بحرية، وتمنع الاحتكار أو التلاعب بالتمثيل. فتنظيم العمل السياسي وتعزيزه يساهم في دعم وبناء مؤسسات الدولة، ومحور العمل هذا ترسيخ مفهوم الوطنية والدولة الوطنية بعيدًا عن أي أجندات ما دون وما فوق وطنية أياً كانت، وخاصة ضمن المؤسسات السيادية في البلاد. وأكثر ما يعيق وطنية الدولة هو التفرد في الحكم لأي جماعة كانت، فقوتها تنبع من حفاظها على التعدد ضمن وحدة قانونية، واعتمادها على المؤسسات، وصون الحريات العامة والفردية التي تشكل جوهر الدولة وتعطي معنى لوطنيتها.
وأخيرًا، يمكن القول إن الانتخابات الأخيرة رغم جوانب قصورها، لكنها شكلت حافزًا على السعي نحو بناء مؤسسات الدولة. لكن العملية الديمقراطية يجب ألا تقتصر على العمليات الإجرائية رغم أهميتها، فجوهر الديمقراطية هو الحكم والسيادة للشعب من خلال الانتخابات، والاكتفاء بالعملية الإجرائية قد يدخل البلاد في طريق استبداد الأكثرية. فما يعزز العملية الديمقراطية، حيث إحدى تجسيداتها الانتخابات، هو الذهاب أبعد من عملياتها الإجرائية نحو جوهرها، وهو احترام حقوق الخاسرين، وحتى مشاركتهم في صياغة مستقبل البلاد.
إن التحديات التي تواجه سوريا كبيرة جدًا، وأولى الخطوات لتذليلها أو التقليل من مخاطرها، هي مشاركة الجميع بصياغة مستقبل البلاد ضمن الأطر القانونية العادلة، بما يضمن توفير الشروط الإنسانية للحياة الكريمة من خلال السعي لتطبيق العدالة الانتقالية النقيض للعمليات الانتقامية الفردية والجماعية، والسعي لبناء حياة سياسية منظمة قائمة على احترام الحريات العامة والفردية بعيدًا عن الهياكل القائمة التي لا تنتج إلا على شاكلتها. وكلنا أمل بأن تكون هذه التجربة المحدودة بداية لولادة سياسية جديدة، لا تكرر أخطاء الماضي، بل تتجاوزها نحو مستقبل يليق بتضحيات السوريين جميعًا.
