يفتقر لبنان إلى سياسة خارجية واضحة بسبب الانقسامات الداخلية التي تمنع تبنّي استراتيجية موحّدة من جهة، والتدخلات الخارجية المتزايدة من بوابة التحالفات مع الطوائف من جهة أخرى. كما ساهمت الجهات غير الحكومية الفاعلة سياسياً وعسكرياً طوال أكثر من خمسين عاماً، وعلى رأسها “حزب الله” خلال العقدين الماضيين، في إفشال صنع السياسة الخارجية للدولة، واستبدالها بتحالفات إقليمية على حساب المصلحة الوطنية.
أصدر معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت ورقةً بحثية بعنوان “السياسة الخارجية للبنان: التحديات والتوصيات”، أعدّها مدير المعهد جوزيف باحوط، ووزير الخارجية اللبناني السابق ناصيف حتي، ومنسق الشؤون الإقليمية والدولية في المعهد يغيا طاشجيان. تُسلّط الورقة الضوء على الإشكاليات التاريخية والبنيوية للسياسة الخارجية اللبنانية، وتحلّل العوامل الداخلية والخارجية التي أفقدت لبنان دوره الإقليمي، وأضعفته دبلوماسياً، وحوّلته إلى ساحة للصراعات بالوكالة، مقدّمةً توصيات لتعزيز دوره.
يفتقر لبنان إلى سياسة خارجية واضحة بسبب الانقسامات الداخلية التي تمنع تبنّي استراتيجية موحّدة من جهة، والتدخلات الخارجية المتزايدة من بوابة التحالفات مع الطوائف من جهة أخرى. كما ساهمت الجهات غير الحكومية الفاعلة سياسياً وعسكرياً طوال أكثر من خمسين عاماً، وعلى رأسها “حزب الله” خلال العقدين الماضيين، في إفشال صنع السياسة الخارجية للدولة، واستبدالها بتحالفات إقليمية على حساب المصلحة الوطنية.
لكن الحرب الإسرائيلية على لبنان وسقوط نظام الأسد في سوريا دفعا إلى “التفكير في إبعاد لبنان عن الصراعات الإقليمية وحماية مصالحه الوطنية”. وتحاول الورقة تقييم ما إذا كانت للبنان “مبادئ في السياسة الخارجية” عبر تاريخه، وكيف أدت الاستقطابات الداخلية إلى تعطيلها، مع تأكيد أهمية “الحياد الإيجابي” و”الدبلوماسية الاستباقية”.
التاريخ والسياسات الخارجيّة المتغيّرة
تحدّد الورقة أربع سياسات خارجية اعتمدها لبنان في تاريخه الحديث: الأولى هي سياسة “التكيّف القسري”، إذ وجدت الدولة اللبنانية نفسها مجبرة على تقديم تنازلات للقوى العربية المهيمنة، من دون أن يكون لديها هامشٌ من الاستقلالية في صنع قراراتها الخارجية. والثانية هي سياسة “المواجهة”، خصوصاً في عهد الرئيس كميل شمعون، إذ وضعت الدولة نفسها في مواجهة حادّة مع محيطها العربي، وبخاصةً سوريا ومصر، عبر تحالفٍ مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية. وأدّت هذه السياسة إلى انهيار التوافق الوطني، واندلاع صدامات خطيرة، ودخول 14 ألف جندي أميركي إلى الأراضي اللبنانية في عام 1958.
ثم جاءت سياستا “التوافق الوقائي السلبي” و”التوافق الوقائي الإيجابي”، إذ حاولت الدولة اللبنانية من خلال “التوافق الوقائي السلبي” تجنّب الصدام مع القوى العربية المهيمنة من دون تبني مواقف واضحة، كما حاولت من خلال “التوافق الوقائي الإيجابي” التقارب مع هذه القوى لتعزيز الاستقرار الداخلي، كما في سياسات الرئيس فؤاد شهاب بين 1958 و1964. غير أن هذه السياسات لم تكن ثابتة، وكانت متداخلة ومتقلّبة، تتأثر مباشرة بالتحولات الداخلية، وباستغلال قادة الطوائف لتحالفاتهم الخارجية بهدف تعزيز نفوذهم المحلي، ما أدى إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الدولة.
التشابك القاتل بين الانقسامات الداخلية والتدخلات الإقليميّة
يؤكد التحليل انعدام الفصل بين الداخلي والخارجي في لبنان. فقد كانت الانقسامات الحادة حول القضايا الإستراتيجية (كالقضية الفلسطينية، والعلاقة مع سوريا والولايات المتحدة، ومقاومة إسرائيل) مدخلاً لترجمة الصراعات الإقليمية محلياً. واستخدمت الميليشيات اللبنانية الأيديولوجيات القومية والدينية في تحالفاتها الخارجية لتعزيز مواقعها الداخلية.
تتجلّى جذور هذا الغموض في إشكالية تأسيس “لبنان الكبير” عام 1920 والانقسام التاريخي حول هويته بين “لبنانية فينيقية” و”مشرقية عروبية”. وحاول “الميثاق الوطني” غير المكتوب عام 1943 بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، معالجة هذه الإشكالية بتصوير لبنان كدولة مستقلة ذات “وجه عربي”، لكن هذه الصيغة القائمة على “الخصوصية اللبنانية” ظلّت هشة.
أعاد اتفاق الطائف بعد الحرب الأهلية تعريف البوصلة الخارجية للبنان من خلال تأكيد “الهوية العربية” وترسيخ “علاقات خاصة” مع سوريا، إذ أصبحت السياسة الخارجية امتداداً للأجندة السورية مع الحفاظ على علاقات اقتصادية حيوية مع دول الخليج، فيما عُرِف لسنوات بـ “السين سين” (دلالة على التوافق السعودي-السوري). حتى أن العلاقات بين لبنان والولايات المتحدة كانت تمرّ مباشرة عبر دمشق.
شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، إلى جانب عدد من السياسيين المعارضين للوجود السوري في لبنان، نقطة تحولٍ جذرية. فأدّى الانسحاب السوري إلى تحوّل لبنان من دائرة نفوذ سورية إلى ساحة للحرب بالوكالة بين محورين: إيراني-سوري يمثله داخلياً تحالف 8 آذار بقيادة “حزب الله”، ومحور سعودي-غربي يمثله تحالف 14 آذار.
برز “حزب الله” كفاعل مركزي من خلال ثلاث أدوات: ترسيخ نفسه كقوة رادعة ضد إسرائيل بعد حرب 2006، وقوة مهيمنة داخلياً بعد أحداث أيار 2008 التي منحته حق النقض الحكومي، وقوة إقليمية بعد تورّطه في الحربين الأهليتين في سوريا واليمن، ما فاقم عزلة لبنان عربياً ودولياً. وصل لبنان إلى حالة من الشلل المؤسسي والعزلة الإقليمية والانهيار المالي، في ظل هيمنة واضحة للمشروع السياسي-العسكري لـ “حزب الله” على حساب سيادة الدولة.
وفي خضم الأزمة، وتخلّي دول الخليج العربي، أصبحت إيران اللاعب الرئيسي في لبنان، حتى إعلان “حزب الله” فتح الجبهة اللبنانية ضد إسرائيل ضمن “قواعد اشتباك” حدّدها الحزب بهدف “إسناد غزة”. لكن الحزب تعرّض لخسائر كبرى، ثم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وسقوط نظام آل الأسد في سوريا، أدى إلى انحسار الدور الإيراني في المنطقة وإضعاف الحزب في لبنان.
في التوصيات: حيادٌ إيجابي ودبلوماسية استباقية
تقدّم الورقة إطاراً نظرياً لصنع السياسة الخارجية اللبنانية، ينطلق من موقع لبنان الجيوستراتيجي. يبدأ هذا الإطار بنقد مفهوم “الحياد الذاتي” التقليدي لاستحالة تطبيقه في لبنان بسبب غياب التوافق الداخلي ورفض الفاعلين الإقليميين. فحتى لو أعلن لبنان حياده ذاتياً، فإن هذا الإعلان الأحادي لا قيمة فعلية له ما لم يتحول إلى وضعٍ قانوني دائم معترف به دولياً، كما هو الحال في النمسا وسويسرا، حيث اتفقت كل القوى الدولية والإقليمية على حيادهما، الذي أصبح أيضاً ملزماً قانونياً لكلَي البلدين.
لا ينطبق السيناريوهان السويسري والنمساوي على لبنان لغياب الضمانات الدولية واستمرار تأثير الفاعلين المحليين المرتبطين بأجندات خارجية. لذا، فالخيار العملي الوحيد هو السعي الىى صيغة توازن دقيق تحمي لبنان من تداعيات الصراعات من دون عزله عن محيطه. هذا الخيار يرتكز على مفهومي “الحياد الإيجابي” و”الدبلوماسية الاستباقية”.
يرتبط “الحياد الإيجابي” عضوياً بـ “الدبلوماسية الاستباقية” التي تهدف إلى منع الأزمات بدلاً من الانتظار السلبي لتفاقمها والاستجابة عليها من موقع رد الفعل، وذلك عبر تفعيل أدوات “القوة الناعمة”، والإصلاح المؤسسي للجهاز الدبلوماسي.
تستعرض الورقة نموذج سلطنة عُمان، التي لا تعترف بإسرائيل، كمصدر إلهامٍ محتمل لإقامة التوازن بين المحيط العربي وحاجة لبنان الى حماية من الصراعات الإقليمية. وتعتبر أنه “لا يمكن للبنان أن يسلك مساراً محفوفاً بالمخاطر مثل مسار أنور السادات في مصر، وأن يُدفع نحو تطبيع أحادي الجانب مع إسرائيل”.
“الحياد الإيجابي” على المستوى العملي
كمقترح عملي، يُعرَّف “الحياد الإيجابي” ليس باعتباره انعزالاً أو حياداً أيديولوجياً أو لا مبالاة، بل بوصفه موقفاً سياسياً متوازناً يرفض تحويل لبنان إلى مجرّد قطعة على رقعة الشطرنج الإقليمية، مع احتفاظه بحقه في إدانة أي عدوان على أي دولة أخرى، وبحقه أيضاً في الدفاع عن نفسه في مواجهة أي اعتداء. وقد انعكس هذا التوجّه في خطاب القسم للرئيس عون، وفي القمة العربية الطارئة، والبيان الوزاري لحكومة سلام.
تشير الورقة إلى ضرورة ترسيم الحدود على طول “الخط الأزرق” كهدفٍ مشروعٍ للدولة اللبنانية يحفظ مصالحها، وذلك استناداً إلى اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وإلى ضرورة استعادة سيادة الدولة من خلال عقد اجتماعي جديد يحمي لبنان من تبعات الحروب الإقليمية. كما تؤكد حق لبنان في عدم خوض أي حربٍ بمفرده، مُبرزةً أن أي حرب جديدة مع إسرائيل ستكون كارثية على الأمن القومي اللبناني، نظرًا الى الاختلال الكبير في الميزان العسكري والأوضاع الاقتصادية والدبلوماسية الهشة للبنان. غير أنها تُشير في المقابل إلى أن “الانفصال التام عن التطورات في المناطق الحدودية والجوار المباشر قد يكون وهمًا، إذ إنه أتى في أحيانٍ كثيرة بعواقب عكسية، وجلب صراعات إضافية إلى لبنان”.
“الدبلوماسية الاستباقية” تبدأ بإصلاح الجهاز الدبلوماسي
على رغم اختلاف الجغرافيا والمخاطر بين لبنان وعُمان، فإن النموذج العُماني في الدبلوماسية المتوازنة والاستباقية مكّنها من التحول إلى قوة مؤثرة في الخليج وخارجه، إذ لعبت أدواراً في الحرب اليمنية والمفاوضات النووية الإيرانية من دون أن تتنازل عن حقوق أو تساوم على مبادئ.
لعب لبنان أدواراً مشابهة على نطاقٍ مصغّر خلال الأزمة السورية، كوساطة الأمن العام اللبناني مع قطر لإطلاق سراح راهبات معلولا (2013-2014)، وكذلك المواطنين العرب والأميركيين والكنديين الذين اختطفتهم الجماعات المسلحة في سوريا والعراق. لكن هذه الأدوار بقيت هامشية لارتكازها على جهود فردية غير مؤسسية، ما يستدعي إعادة هيكلة الجهاز الدبلوماسي اللبناني وإعداد كوادره للتعامل مع التحديات الإقليمية والداخلية بشكل استباقي وفعّال.
حزمة توصيات
يُختتَم التحليل بحزمة توصيات عملية لإصلاح الجهاز الدبلوماسي كأداة تنفيذية لتحقيق “الحياد الإيجابي”، من خلال الانتقال إلى “الدبلوماسية الشاملة”، ومن أهم تلك التوصيات:
الدبلوماسية العامة: لبناء صورة إيجابية عن لبنان عبر الاستفادة من قوته الناعمة وحرية التعبير وبرامج التبادل الثقافي بتنظيم واستضافة منتديات حوار عربية ودولية، بخاصة في قضايا رئيسية غالباً ما تُهمَل، مثل تغير المناخ، والأمن المائي، وحماية المعالم الثقافية، والدبلوماسية الإنسانية.
توطيد العلاقة مع جاليات الاغتراب اللبناني: ويتم ذلك عبر وزارة الخارجية ومنظمات المغتربين، وتحويل المغتربين إلى سفراء غير رسميين يستخدمون شبكاتهم في جذب الاستثمارات والقيام بأنشطة ضغط (لوبي) لخدمة المصالح اللبنانية.
إنشاء أكاديمية دبلوماسية متخصصة: تابعة لوزارة الخارجية لتأهيل دبلوماسيين مستقبليين محترفين في مجالات معاصرة كالأمن السيبراني والدبلوماسية الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتذكر الورقة أمثلة طبقتها وزارات خارجية النمسا ومالطا وتركيا.
توسيع السلك الدبلوماسي: ليشمل خريجي الاقتصاد السياسي والتمويل الدولي لتعزيز وجود الملحقين الثقافيين والتجاريين. إذ لا يجب أن يقتصر التوظيف على الخلفية الأكاديمية في العلوم السياسية أو العلاقات الدولية فحسب. ويُعدّ وجود هؤلاء أساسياً لصنع الدبلوماسية الاستباقية وتحوّل لبنان إلى فاعلٍ وسيط في المنطقة، ما يوفّر له مظلة أمنية ويساهم في استقراره الداخلي.
تُشكّل هذه التوصيات حجر الزاوية في تحديث السياسة الخارجية اللبنانية استجابة للتحوّلات الإقليمية والدولية. فغياب التكيّف مع هذه المتغيّرات يُعرّض مؤسسات الدولة لخطر العجز عن حماية المصالح الوطنية والتخلّف عن ركب الدبلوماسية المعاصرة. لذا، يصبح اعتماد سياسة خارجية واضحة قائمة على “الحياد الإيجابي” و”الدبلوماسية الاستباقية” ضرورياً لفعالية العمل الدبلوماسي وتعزيز بناء الدولة في لبنان.