تتوضح خطة حكومة دمشق لبناء سوريا موحّدة في مرحلة جديدة وفق بندين: الأول، حصر السلاح في كل سوريا ضمن سلطة الدفاع، ليكون بعدها الحوار مفتوحًا بين القوى السياسية والمجتمعية دون اعتماد أي طرف على مصدر قوة خاص به لفرض رأيه ومصالحه. والثاني، الاقتصاد والبدء بالمشاريع والإعمار وفق ما تراه دمشق الأنسب لكل منطقة، دون محاصصة أو شراكة. طبعًا، هذان البندان تقف خلفهما قوى إقليمية ودولية تدعمهما لإنجاحهما، وبالوقت نفسه توجد قوى تعرقل ذلك إن لم تجد مصالحها في سوريا المستقبل. وربما كانت الحكومة قادرة على إنجاح خطتها لو أنها لم تسابق الزمن وتتوسع بخطوات أخرى نحو مؤتمر وطني محصور، ولجان منفردة، ومجلس شعب. تلك الخطوات غالبًا كانت السبب في فقدان الثقة بين الحكومة والأطراف المختلفة، التي ترسّخ لديها مفهوم أن دمشق ذاهبة للانفراد بالسلطة، لا سيما أن الأحداث أثبتت حتى الآن في سوريا أن الخضوع لا يعني القبول.
على أرض الواقع، كانت سوريا مقسمة قبل سقوط الأسد. ففي حقبة حافظ الأسد، زرع الكراهية والعنصرية ومفهوم الطائفية ليشتت وحدة الشعب ويمنع اصطفافه في موقف موحّد ضد نظامه وإسقاطه، وبالتالي تبقى قبضته الأمنية هي الموحدة والسيف. وفي حقبة الأسد الابن، ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، تمسّك بسياسة والده واستخدام القبضة الأمنية والعسكرية لحكم الشعب. لكنه فشل في استمرارية ذاك النهج، فانحصر حكمه ضمن مناطق محددة، حيث كان يسيطر فقط على مربع دمشق والساحل وجزء من حلب، بينما بقيت بقية المناطق خارج سيطرته. كانت سوريا مقسمة إلى ثلاث مناطق جغرافية، واستمرار الأسد في الحكم كان سيثبّت ذلك التقسيم وربما يزيده.
سقط النظام بعد 14 عامًا من الثورة، وانتهى دوره ودور المعارضة السياسية في آن واحد. وبات توحيد البلاد وإنهاء مشروع التقسيم هدف القوى الدولية والإقليمية التي ساهمت في تغيير النظام. لكن من خلال القوة والمصالح الاقتصادية لن ينجح ذلك ما لم يُسعَ إلى وضع أسس سليمة وتوافقات وتفاهمات بين جميع أطياف الشعب السوري. بل إن الاعتماد على القوة قد يزيد تقسيم البلاد ويحوّل المنطقة إلى بركان لن تُحمد عقباه.
خطة حكومة دمشق لبناء سوريا موحّدة تتوضح عبر حصر السلاح بيد الدولة والانطلاق بمشاريع الإعمار لكن خطواتها المتسارعة نحو مؤتمر وطني ولجان منفردة رسّخت لدى الأطراف الأخرى أن دمشق تسعى للانفراد بالسلطة
لا بد من توضيح نقاط أساسية تساهم في الحل، ولا سيما في المناطق التي شهدت مواجهات مسلحة وأدت إلى وقوع ضحايا وتفتقد إلى تمثيل حقيقي:
الساحل: منقسم بين السنة والعلويين وطوائف أخرى، ولا توجد هيئة موحدة تمثلهم. ورغم وجود معارضة في الخارج ادعت تمثيل الساحل، إلا أنها أثرت سلبًا على الداخل وكانت خطوة متسرعة غير مدروسة فشلت في هدفها.
السويداء: منقسمة بين أبناء الطائفة الواحدة، حيث يوجد أكثر من مرجع وقيادي في الوقت نفسه، مع اختلاف في الفكر والمصير.
شمال شرق سوريا: رغم وجود قوة عسكرية موحدة متمثلة بقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن الخلاف السياسي قائم، وهناك أكثر من طرف يحاول الظهور كممثل وحيد لحقوق الشعب الكردي. ورغم تدخل أميركا وفرنسا لإظهار أن الأمر غير ذلك، إلا أن الواقع يفرض نفسه ولا يمكن طمس الحقيقة. مع التأكيد أن غالبية الشعب الكردي في سوريا مستقلون ولا ينتمون لأي إطار حزبي.
دير الزور والرقة: جزء كبير منهما يتمثل ضمن قوات سوريا الديمقراطية، لكن يغيب عنهما التمثيل السياسي بسبب الخلافات حول أحقية التمثيل.
من دون وجود انتخابات نزيهة بإشراف دولي في كل منطقة لتحديد ممثليها، ستبقى هذه المناطق مشتتة داخليًا، ما سيؤثر على إيجاد توافق عام لكل سوريا.
مجمل هذه الأحداث مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة، الذي يسابق الزمن ليجعل نهاية عام 2025 نصرًا لقوته وقراراته. غير أن قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب متسرعة نوعًا ما ولا يمكن الاعتماد عليها في المستقبل. فرضه القوة لإبرام اتفاقيات لن يكون ناجحًا إلا مؤقتًا. حرب إيران وإسرائيل، وغزة وحماس، واليمن ولبنان، وتوجهه نحو باكستان، كلها اتفاقيات من خلال قبضة ترامب الذي يحاول أن يثبت أنه مالك الكرة الأرضية لهذا العام. لكنها اتفاقيات في أعماقها فجوات عميقة غير مبنية على أسس سليمة تمنحها الاستمرارية، وبالتالي فإن انهيارها وتعقيدها وتحولها إلى كارثة أمر وارد في أي لحظة. ولا يمكن ربط مصير شعب أو دولة بسياسة يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها.
الشرق الأوسط يعيش فوضى عارمة، ولا يمكن لأي قوة أن تستمر في فرض هيمنتها وأجنداتها. إن تحقيق السلام لا يأتي إلا من خلال طاولة الحوار والعقل والحكمة ونهضة المجتمعات، لتكون الأساس المتين للنهضة والعلم والمعرفة وتحقيق الاستقرار والأمان.
المصدر العرب اللندنية