تكشف زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في هذا التوقيت، عن مفارقة عميقة بين ما يبحث عنه الزعيم السوري الجديد في الخارج وبين ما يحتاجه السوريون في الداخل. فروسيا التي كانت قبل عقد من الزمن حاضرة بقوة في معادلات الشرق الأوسط، وقدمت نفسها كقوة عائدة إلى المسرح الدولي عبر تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، لم تعد اليوم سوى قوة منهكة تستنزفها حرب أوكرانيا، وتطوّقها عزلة سياسية وضغوط اقتصادية غير مسبوقة. ما تبقى من نفوذها لا يتجاوز رمزية متآكلة أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على صناعة القرار أو التأثير. في مثل هذه اللحظة يمدّ الشرع يده إلى موسكو، لكنه يغفل في الوقت نفسه عن أن المسار الوحيد الذي يمكن أن يؤسس لمستقبل مختلف هو مسار العدالة الانتقالية.
لقد تحولت روسيا من رمز عودة القوة إلى نموذج للتراجع. حين دخلت الحرب السورية عام 2015، بدت وكأنها تعيد رسم خرائط المنطقة وتكسر احتكار واشنطن للهيمنة، لكن حرب أوكرانيا استنزفت قدراتها العسكرية والاقتصادية، وحولتها إلى قوة غارقة في معركة طويلة الأمد، عاجزة عن لعب دور موازٍ في الشرق الأوسط أو حتى في جوارها المباشر. العقوبات الغربية عزلتها عن النظام المالي العالمي وقيّدت قدرتها على دعم الحلفاء، والمبادرات الدبلوماسية التي أرادتها منصة لإظهار الحضور انهارت واحدة تلو الأخرى، وعلى رأسها القمة الروسية–العربية التي روّج لها الكرملين وألغيت بسبب عزوف القادة العرب، فيما اجتمع العالم في شرم الشيخ برعاية أميركية لمناقشة مستقبل غزة، تاركاً روسيا على الهامش بلا أي دور ملموس. في القوقاز أيضاً، أبرمت أرمينيا وأذربيجان اتفاقاً برعاية واشنطن، في إشارة واضحة إلى تراجع موسكو في منطقة طالما اعتُبرت فضاءً حصرياً لنفوذها. حتى دول آسيا الوسطى التي ارتبطت تاريخياً بروسيا بدأت تميل أكثر إلى الصين وتركيا، تجنباً لعبء الانخراط في حروبها.
في سوريا نفسها، ورغم استمرار وجود القواعد الروسية في طرطوس وحميميم، لم تعد موسكو قادرة على حماية شركائها. الأسد سقط، وإيران التي كانت حليف روسيا الأساسي تلقت ضربات إسرائيلية متكررة دون رد حقيقي. أما العلاقة مع إسرائيل فتراجعت بعد انحيازها لطهران، إلى حد أن تل أبيب ذهبت إلى تسليح أوكرانيا بأنظمة دفاعية في رسالة واضحة إلى الكرملين. روسيا اليوم تبدو قوة عسكرية محاصرة، تبحث عن رمزية حضور أكثر من امتلاكها القدرة على فرض الوقائع.
في المقابل، سوريا التي يحكمها الشرع لا تحتاج إلى صور بروتوكولية في الكرملين، بل إلى ما يعيد التوازن والطمأنينة لمجتمع أنهكته الحرب والفساد. لأن استعادة الأموال المنهوبة ليست ترفاً بل ضرورة اقتصادية لإنقاذ بلد محطّم. ومحاسبة كبار المتورطين ليست تصفية حساب بل تأسيس لمسار دولة القانون. والدخول في مسار العدالة الانتقالية، حتى لو استغرق سنوات، هو البوصلة التي تمنح الداخل شعوراً بوجود قواعد جديدة، وتمنح الخارج – ولا سيما المستثمرين – إشارة ثقة بأن البلاد تتجه نحو مؤسسات عادلة لا تساوم على الحقوق. العدالة هنا ليست أخلاقية فقط، بل اقتصادية أيضاً، لأن المستثمرين لا يأتون إلى بلد لا يعرف أهله إن كان النظام سيسرقهم غداً أو يبرم تسويات على حسابهم. إن إشارة العدالة هي إشارة الثقة، وهي وحدها القادرة على إعادة شعور القدرة بعد زمن طويل من العجز والخيبة.
أما الذهاب إلى روسيا في لحظة ضعفها فقد يمنح حكومة الشرع بعض المتنفس من الضغوط في ملفات آنية مثل التفاوض مع “قسد” أو معالجة التوتر في السويداء، لكنه لا يقدم لسوريا كدولة أي إضافة استراتيجية. الأخطر أن التفريط في مسار العدالة، بعد كل ما دفعه السوريون من ثمن، سيحول السلطة الجديدة إلى نسخة أخرى من الماضي: سلطة تساوم على الحقوق، وتُبقي كبار المجرمين آمنين في موسكو أو غيرها، وتقتل حلم التغيير قبل أن يكتمل.
هنا تتضح المفارقة، الشرع وهو يذهب إلى موسكو، يتجاهل ما هو جوهري: العدالة الانتقالية التي تمثل الطريق الوحيد لإعادة تأسيس الدولة. بينما في روسيا نفسها، تبدو العدالة مستحيلة. غيابها هو ما قاد إلى الحرب في أوكرانيا، وهو ما جعل السلطة الروسية تعيد إنتاج نفسها عبر القمع بدل المساءلة. العدالة المؤجلة في سوريا قد تفتح باب الأمل إن بدأت ولو متأخرة، أما العدالة المستحيلة في روسيا فهي التي تحكم على نظامها بالانغلاق والعزلة، وتدفعها إلى مغامرات خارجية تنتهي باستنزافها. المفارقة أن الشرع يطلب السند من دولة ينهشها غياب العدالة، في حين أن شعبه لن ينهض إلا إذا بدأ مسار العدالة المؤجلة.
زيارة موسكو قد توفر للشرع صورة آنية أو بعض المخارج التكتيكية، لكنها لن تعيد بناء الدولة السورية. ما يعيدها هو الشروع في مسار العدالة الانتقالية: استعادة الأموال المنهوبة، محاسبة كبار الفاسدين، الاعتراف بالجرائم. هذا وحده كفيل بفتح باب الثقة أمام الداخل والمستثمرين، وتحويل العجز والخيبة إلى أفق جديد. ففي زمن التراجع الروسي، لم يعد الخارج مفتاح الإنقاذ. المفتاح في الداخل، والعدالة أولاً.
المصدر المدن