-
تمام صيموعة. كاتب
-
-
هذا المقال جزء من ملف المسير تحت سماء مشتعلة: أصوات من السويداء، الذي يُقدِّم شهادات ورؤىً عن المحافظة في محنتها.
****
بعد أكثر من تسعين يوماً على الحصار المفروض على السويداء، وما سبقه من مجازر، لم يعد الشرخ بين المحافظة الجنوبية والسلطة في دمشق سياسياً فحسب، بل تسلّل إلى عمق النسيج الاجتماعي. فما بدأ في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام أشبهَ بنقاشٍ مفاهيمي حول الشراكة والكرامة صارَ مع الوقت معادلةً متشابكة تتداخل فيها مصالح محلية بحسابات إقليمية، وتُختبَر فيها قدرة الدولة على البقاء كإطار جامع، لا كطرفٍ في صدام مع جماعة أهلية. ما صار في تموز (يوليو) لم يكن في كانون الأول (ديسمبر) الذي سبقه، وبين اللحظتين تلاحقت مراحل عديدة ومليئة بالتفاصيل.
تتتبَّعُ هذه المقالة المسار المتعرّج للعلاقة بين السلطة المركزية في دمشق والقوى الأهلية والعسكرية في السويداء منذ البدايات بعد أيام قليلة من سقوط النظام الأسدي، مروراً بمحاولات بناء الثقة المشروطة، وصولاً إلى مجازر تموز التي أعادت تعريف حدود العلاقة بين الطرفين.
التعارُف
بعد أسبوع فقط من فرار بشار الأسد، باشرت السويداء بفتح قناة اتصال مباشرة مع دمشق، ففي الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2024، اجتمع وفد من قادة الفصائل والجهات المحلية الفاعلة مع ممثلين عن الحكومة الانتقالية في مبنى مجلس الوزراء في كفرسوسة بدمشق. تولى الشيخ سليمان عبد الباقي، قائد فصيل «أحرار جبل العرب»، التحضير للقاء، بمشاركة ممثلين عن لواء الجبل ورجال الكرامة، الفصيل الأكثر حضوراً في المحافظة، كما حضر مبعوثون عن مشيخة العقل، من بينهم سلمان، نجل الشيخ حكمت الهجري؛ إلى جانب القاضي مهند أبو فاعور، رئيس اللجنة القانونية التي تُدير الأمور في السويداء حالياً. وبحسب مشاركين تحدثوا إلى الجمهورية نت، سيطرت على الجلسة عبارات المجاملة والتفاؤل، حيث تواترت الإشارات إلى «فتح صفحة جديدة» و«التنسيق». وبدا اللقاء أقرب إلى اختبار متبادل للنوايا منه إلى اتفاق سياسي.
في تلك الفترة، بقي الطريق بين دمشق والسويداء مفتوحاً بشكل كامل، دون حواجز عسكرية أو إجراءات استثنائية، في مشهد نادر بالقياس إلى ما كان عليه الحال في السنوات السابقة. فساعة وربع فقط تكفي للانتقال من ساحة الأمويين في دمشق إلى مبنى المحافظة في قلب السويداء، كأن القرب الجغرافي صار جزءاً من الرسائل السياسية والإعلامية المتبادلة.
في 25 كانون الأول (ديسمبر)، تقدّمت فعاليات محلية، وبموافقة الشيخ حكمت الهجري، باقتراح تعيين محسنة المحيثاوي، وهي ناشطة مدنية تُعدُّ من أبرز وجوه حراك ساحة الكرامة، في منصب محافظ السويداء. غير أن السلطات في دمشق تجاهلت المقترح، وبعد مضي خمسة أيام فقط، أعلنت تعيين مصطفى بكور مبعوثاً رسمياً إلى المحافظة.
باشر بكور عمله مطلع كانون الثاني 2025، متنقلاً يومياً بين دمشق والسويداء، إذ كان يغادر المدينة في الثالثة عصراً ليقضي ليلته في العاصمة. التقى الرجل فعاليات محلية من مختلف الأطياف، بما فيهم مشيخة العقل، وبعض الناشطين الذين امتنعوا عن الحضور إلى مبنى المحافظة احتجاجاً على طريقة تعيينه. ركّز بكور على ملفات خدمية ملحّة مثل تحسين جودة الخبز وتوزيع المياه، وعمل مع فريق محلي معظم أعضائه من أبناء المحافظة. ووفق شهادات محلية، ترك انطباعاً بأنه يسعى إلى بناء قنوات تواصل جديّة، ولو ضمن حدود الإطار الخدمي.
في منتصف كانون الثاني، أصدرت كل من حركة رجال الكرامة ولواء الجبل بياناً مشتركاً أعلنتا فيه استعدادهما للانضمام إلى الجيش السوري. وطُرحت المبادرة بوصفها إطاراً وطنياً لضبط الأمن وحماية السلاح المحلي، من دون التطلع إلى أدوار سياسية أو إدارية. وقد مثّل هذا الموقف حينها ذروة الانفتاح في العلاقة بين دمشق والسويداء، قبل أن تبدأ التصدعات بالظهور لاحقاً.
وفي أسابيع مطلع العام غدت المحافظة محطة في جولات مؤثري السلطة. ففي الثالث والعشرين من كانون الثاني (يناير)، وصل إليها جميل الحسن وهادي العبدالله، وهما من أبرز الأسماء التي ساهمت في تشكيل رواية السلطة إعلامياً بعد سقوط الأسد.
التنسيق الأمني
كانت أول محاولة لفرض السيطرة الأمنية على محافظة السويداء بعد سقوط نظام الأسد قد سُجِّلت في توقيت أثار توجساً واسعاً لتزامنه مع مناسبة اجتماعية هي ليلة رأس السنة. ففي 31 كانون الأول 2024 حاول رتل أمني تابع للسلطات الجديدة في دمشق الدخول إلى المحافظة من دون أي تنسيق مسبق، في تَحرّكٍ وُصِفَ محلياً بـ«المباغت». وصل الرتل إلى بلدة حزم، ثاني قرى المدخل الشمالي للمحافظة، قبل أن توقفه الفصائل المحلية وتطالبه بالعودة مصرّةً على أن الدخول إلى السويداء لا يمكن أن يتم بهذه الصورة، بل يجب أن يسبقه تفاهم صريح وتنسيق علني مع الفاعلين المحليين.
كما شهدت نهاية الشهر الأول من العام الحالي أول قطعٍ للطريق الواصل بين العاصمة دمشق والمحافظة الجنوبية في منطقة نبع عرى غربي قرية رساس جنوبي مدينة السويداء، حين اندلع خلاف إثر قيام مجموعة من أبناء البدو بقطع الأشجار والتحطيب في أرض زراعية، سرعان ما تطور إلى إطلاق نار أصاب أحد الفلاحين بجروح خطيرة. وردّ أهالي البلدة باحتجاز عشرة شبان من البدو للضغط على مطلق النار لتسليم نفسه. اتسعت دائرة التوتر ممتدةً إلى الطريق الحيوي الذي يربط دمشق بالسويداء، فقد قامت مجموعات من البدو بالاعتداء على حافلة نقل وقطع الطريق مؤقتاً قبل أن تتدخل وساطات محلية وتنجح في إعادة فتحه وإطلاق سراح المحتجزين. قُدِّمت هذه الحادثة المبكرة كإشارة إلى الحساسية البالغة التي يكتسبها هذا الطريق، بوصفه شرياناً رمزياً وجغرافياً يربط السويداء بالعاصمة.
عُقِد الاجتماع الثاني بين وفود من السويداء ومسؤولين من السلطة، بقيادة أحمد الشرع هذه المرة، في دمشق بتاريخ 24 شباط (فبراير)، وذلك بعد نحو شهرين من اللقاء التعارفي الأول الذي جرى في كفرسوسة. وقد شكّل الغياب اللافت لممثل الشيخ حكمت الهجري، المرجعية الدينية الأبرز في المحافظة، مؤشراً مبكراً على ميل جزء من النخب المحلية إلى تفادي مسارات السلطة الجديدة، ما أفسح المجال لنشوء ديناميات أخرى على الأرض. وبرز في الاجتماع حضور ليث البلعوس، قائد فصيل «مضافة الكرامة» في قرية المزرعة غرب السويداء، الذي كان قد شرع في فترة سابقة على ذلك الاجتماع في نسج مسار موازٍ للتنسيق مع دمشق خارج الأطر والاجتماعات الرسمية، وذلك عبر قنوات أمنية مباشرة، بما فيها إعداد لوائح منتسبين من السويداء للأمن العام، إلى جانب خطط لإقامة مراكز أمنية في المحافظة، ما بنى دوراً متصاعداً في ذلك الوقت لفصيله في رسم ملامح العلاقة بين السلطة والفاعلين المحليين بعد سقوط النظام. وقد شارك البلعوس في الاجتماع بوفد يضم ثلاثة ممثلين عن فصيله.
خلال الاجتماع، رفض أحمد الشرع، الذي تولّى إدارة اللقاء، مقترحاً تقدّم به ممثلو «رجال الكرامة» بفتح معبر تجاري مع الأردن، بينما ركّز على توسيع نطاق التعاون العسكري والأمني من خلال تنظيم لوائح مشتركة وتفصيل آليات التنسيق المباشر بين وزارة الدفاع ومجموعة ليث البلعوس. وبحسب المصادر، اتسم الاجتماع بمحاولات واضحة لترسيخ مسار التنسيق الأمني، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالنظام العام وبتنظيم قنوات التواصل مع مؤسسات الدولة في العاصمة.
بداية التوتر
لم تكد السويداء تستقر في أجواء الانفتاح الحذر حتى بدأت أخبار مجازر الساحل في آذار (مارس) تتوالى محمّلة بخطاب طائفي. وفي السابع من آذار (مارس) أصدر الشيخ حكمت الهجري بياناً دعا فيه لوقف إطلاق النار في الساحل، مطالباً بفتح تحقيق في الأحداث الدامية. وقد عكس البيان قلقاً متزايداً من تداعيات التصعيد، فيما بدأت حالة الطمأنينة التي سادت في المدينة تتلاشى، وبدأت أسئلة العلاقة مع «الإدارة الجديدة» تتخذ منحى أكثر قلقاً.
بعد ثلاثة أيام، في العاشر من الشهر ذاته، أدلى الشيخ الهجري بتصريحات لإذاعة NPR الأميركية، نفى فيها وجود أي اتفاق أو توافق مع الحكومة في دمشق، التي نعتها بالـ«إرهابية»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن التواصل معها لم ينقطع، وموضحاً أن المحادثات مستمرة رغم ما يكتنفها من الصعوبات.
في 12 آذار، ظهرت وثيقة، وقّعها ممثلون عن الهجري مع الإدارة الجديدة تضمنت وعوداً بتنفيذ مشاريع خدمية في السويداء. بدت الوثيقة وكأنها محاولة لملء الفراغ السياسي، وصناعة صورة اتفاق من دون أساس صلب. لم يصدر عن الشيخ أي إعلان يُؤكد أو ينفي، فيما اكتفت الرئاسة الروحية ببيان مقتضب أوضحت فيه أن الاجتماع لا يُرتّب عليها أي التزام.
في اليوم نفسه ظهر ليث البلعوس على شاشة قناة الجزيرة، مقدماً نفسه كقيادي في حركة رجال الكرامة، ومعلناً عن «اتفاق تم التوصل إليه» يقضي بدمج فصائل السويداء ضمن مؤسسات السلطة الأمنية والعسكرية. غير أن هذا الإعلان قُوبل بنفي صريح من قبل الناطق باسم الحركة، باسم أبو فخر، الذي أوضح بألّا وجود لاتفاق جديد، وإنما هو استمرار للتفاهمات الأولية السابقة، وأن ما طُرح في الإعلام لم يكن محل نقاش داخل صفوف الحركة بل فوجئت به.عكس هذا التضارب في التصريحات نمطاً متكرّراً في سلوك السلطة يتمثل في الدفع نحو إعلان اتفاقات شكليّة من دون وجود مفاوضات فعليّة على الأرض، مستفيدة من ظهور شخصيات محلية على الشاشات لتكريس خطاب سياسي لا يُمثل بالضرورة واقع القوى في الجبل. ومع تكرار مثل هذه الوقائع، توسّع الإحساس بأن «حكومة دمشق» لا تسعى إلى شراكة حقيقية مع السويداء، بل تريد انتزاع اعتراف علني بشرعية مؤسساتها من دون أن تُقدم في المقابل أي التزام سياسي أو أمني يُراعي خصوصية المحافظة أو يتجاوب مع مطالبها. نتيجة لذلك، ظلّت العلاقة معلّقة، تُحرّكها حسابات الإعلام أكثر مما تُحركها مفاوضات على مضامين ملموسة.
وفي هذا السياق الهش، جاءت أحداث أواخر نيسان (أبريل) كمحطة مفصليّة تكشف عمق التوتر السياسي السائد، إذ شهدت البلاد موجة غير مسبوقة من الاحتقان الطائفي، امتدت من السكن الجامعي في دمشق وحمص، مروراً ببلدات جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا، ووصلت تداعياتها حتى قرى وبلدات السويداء. ففي 29 نيسان، انفجرت الأمور على خلفية تسجيل صوتي تضمّن شتائم بحق النبي محمد نُسب إلى مروان كيوان، أحد مشايخ الدروز، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن التسجيل مُفبرك.
لم يبدأ الصدام من السويداء، بل تدحرج نحوها. ففي البدء حاصرت مجموعات مسلحة مدعومة من السلطة مدينة جرمانا، جنوب دمشق، بذريعة «التسجيل الصوتي»، واندلعت مواجهات مع مجموعات محلية انتهت باتفاق رعته سلطات دمشق، وفرضت بموجبه شروطها بتسليم السلاح الثقيل وإنشاء جهاز «أمن عام» مشترك، يتبع فعلياً للأجهزة الأمنية. وفي اليوم التالي تمددت المواجهات نحو صحنايا وأشرفيتها في الغوطة الغربية، حيث تكرّر السيناريو نفسه تقريباً عبر محاصرة البلدة واقتحامها. أسفر الهجوم عن مقتل أربعين شخصاً، إضافة إلى أسر 120آخرين، ظلَّ أربعة منهم مجهولي المصير حتى لحظة كتابة هذه المادة، حسب مصادر محلية في أشرفية صحنايا.
بدأت في 30 نيسان اتصالات بين السويداء ودمشق، أدارها من جانب السويداء ليث البلعوس، ومن جانب دمشق أحمد الدالاتي الذي كان محافظ القنيطرة آنذاك، رغم أن أشرفية صحنايا (المكان الذي شهد التصعيد) تتبع إدارياً لمحافظة ريف دمشق. وبناءً على هذه الاتصالات شُكِّل وفدٌ ضم ممثلَين عن مشيخة العقل، هما الشيخ يوسف جربوع والشيخ حمود الحناوي، إلى جانب ممثلين عن فصيلي رجال الكرامة ولواء الجبل، مقابل رفض الشيخ حكمت الهجري الانضمام إلى هذا المسار، ما أضفى على الوفد طابعاً جزئي التمثيل في نظر شريحة من أبناء المحافظة. وقد قُدِّم الهدف المعلن لهذا الوفد على أنه «البحث عن حلول للأحداث الجارية» واحتواء حالة التوتر المتصاعد، وسط وعود أولية من السلطات بالسعي إلى اتفاق يُوقف المعارك.
جاءت أجواء اجتماع وفد السويداء مع ممثلي السلطة في داريا دون مستوى التوقعات، إذ استُقبل الوفد بكاميرات الإعلام، وبحضور ليث البلعوس وأحمد الدالاتي ومحافظ ريف دمشق عامر الشيخ، في مشهد بدا أقرب إلى عرضٍ سياسيٍ منه إلى حوار تفاوضي. ووفقاً لشهادات من داخل القاعة، ساد الاجتماع مناخ من التوتر والاحتقان، وغلبت فيه لغة الإملاءات على أي محاولة لتقديم مقترحات حقيقية للحل. تمثّلت أولى الإملاءات في تسليم السلاح الثقيل والخفيف في أشرفية صحنايا، والسماح لقوات الأمن بمداهمة وتفتيش المنازل قبل أي حديث عن فك الحصار المفروض على البلدة أو إعادة تشغيل مرافقها الحيوية. وبذلك، بدا أن ما جرى الترويج له بوصفه خطوة نحو التهدئة قد تحوّل عملياً إلى محاولة فرض شروط أمنية مسبقة، ما زاد ارتياب الشارع في السويداء إزاء ترتيبات السلطة لعلاقتها مع محافظة السويداء، التي بقيت حتى ذلك الوقت خارج نطاق سيطرتها الأمنية.
وفي الثلاثين من نيسان نفسه، قبيل عودة وفد السويداء من داريا، كانت المحافظة قد دخلت فعلياً في طور جديد من المواجهة، إذ شنّت مجموعات من البدو هجوماً واسعاً على قرية الصورة الكبيرة شمال محافظة السويداء. ووفق مصادر طبية في مشفى السويداء الوطني، أسفر الهجوم عن مقتل 66 شخصاً. اقتحمت «فزعات» البدو القرية، وأضرمت النار في عدد من منازلها وكنيستها، إضافة إلى مقام ديني للطائفة الدرزية. بدورها، رفعت فصائل السويداء السواتر الترابية عند قرية حزم وقطعت طريق دمشق. وإلى حين تمرّكزت قوات الأمن العام داخل الصورة الكبيرة كانت البلدة قد خلت بالكامل من سكانها.ومنذ تلك اللحظة، وفي مشهد عكس انهياراً تاماً لخطوط التواصل، دخلت العلاقة بين السويداء ودمشق منعطفاً حاداً، وصار الحديث عن «التنسيق» أو «الحوار» يُقابل بشكوك عميقة في ظل قناعة محلية بأن الانفجار الأخير لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مسار تصادمي كانت ملامحه تتشكّل منذ أسابيع.
في صباح اليوم التالي لاجتياح الصورة الكبيرة أصدرت الرئاسة الروحية بلسان الشيخ حكمت الهجري بياناً غير مسبوق في حدّته، أعلن فيه انعدام الثقة مع دمشق، محمّلاً السلطات مسؤولية مباشرة عن الدماء التي سالت، ومطالباً المجتمع الدولي بالتدخل لحماية السويداء. وقد مثّل هذا الخطاب قطيعة سياسية وأمنية صريحة مع السلطة، وفتح الباب أمام المواجهة. لكن، ووفقاً لمصادر مقرّبة من الهجري، لم تمضِ ساعات حتى بدأت ضغوط دولية وإقليمية، أبرزها من الجانب الأميركي، تدفع باتجاه تهدئة الموقف وإبرام اتفاق مع دمشق، وعلى إثر ذلك دُعي مشايخ العقل الثلاثة لاجتماع عاجل في دار الطائفة بمدينة السويداء في الأول من أيار، الساعة السادسة مساءً، بحضور وجهاء وزعامات تقليدية، في محاولة لصياغة مخرج سياسي للأزمة. في ذلك الاجتماع، الذي التُقطت له صورة جماعية قبل التوقيع، وُلد ما عُرف لاحقاً باسم «اتفاق واحد أيار»، وهو اتفاق جرت صياغته تحت سقف التفاهم مع دمشق.
نصّ «اتفاق واحد أيار» على تفعيل دور وزارة الداخلية والضابطة العدلية في السويداء، على أن يتولى أبناء المحافظة هذه المهمة حصراً، واعتبار أن تأمين طريق دمشق–السويداء مسؤولية مباشرة للدولة. كما شدّد المجتمعون على أن ما يُشاع عن دخول قوات الأمن العام إلى المحافظة «عارٍ عن الصحة»، وأن أي دور أمني يجب أن يتم بالتنسيق بين مشايخ العقل الثلاثة ومحافظ السويداء ووزارة الداخلية، مؤكدين أن قضية تسليم السلاح لم تُطرح أصلاً على طاولة النقاش.
في اليوم التالي، الثاني من أيار (مايو)، أعلن ليث البلعوس عن تأسيس مركز للأمن العام في بلدته المزرعة، غير أن الخطوة واجهت اعتراضاً من قبل الأهالي تطور إلى عراك. وقد علل الرافضون موقفهم بأن إنشاء المراكز الأمنية يجب أن يبدأ في المدن لا في الأرياف، لكن الصدام عكَس بشكلٍ أساسي اتساع الفجوة بين البلعوس وقطاع من المجتمع المحلي صار يرى فيه امتداداً لسياسات دمشق في المحافظة، لا جسراً للتفاوض معها.بعد أيام من توقيع اتفاق «واحد أيار» فُتحت الطريق مجدداً بين دمشق والسويداء، وأزيلت السواتر الترابية التي كانت تعزل المحافظة عن محيطها. وعند المداخل، انتشر عناصر من شرطة المحافظة بزيهم الرسمي،
وعاد المحافظ مصطفى بكور إلى مكتبه، مواصلاً تنقله اليومي بين السويداء والعاصمة.وفي 10 أيار، أعلنت السلطات الرسمية عن نشر حواجز تابعة للأمن العام على الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، توزّعت في نقاط العادلية والمطلة وصولاً إلى المسمية، وجميعها تقع ضمن حدود محافظة ريف دمشق. أمّا بعد عبور الطريق إلى قرية الصورة الكبيرة، أولى قرى السويداء على الطريق، فكانت الحواجز بيد عناصر من أبناء المحافظة. بدا المشهد وكأنه تطبيقٌ لاتفاق الأول من أيار، غير أن مشاعر الريبة ظلّت حاضرة خلف أرومة «التنسيق». ومع عودة شحنات الوقود وانتعاش حركة الأسواق، بدا أن مظاهر الحياة الطبيعية بدأت تستعيد إيقاعها، غير أن المزاج العام كان قد تحوّل بشكل عميق، فالثقة التي كانت تُمنح بسهولة باتت تُوزن بميزان الحذر بعد أن تركت الهجمات التي طالت السويداء والمناطق الدرزية في محيط دمشق جرحاً غائراً لا يداويه طريق مفتوحة ولا صهاريج وقود. فُتحت طرق السفر، نعم، لكن طريق العلاقة مع دمشق ظلّ عاجّاً بالمطبات.
وما لبثت مؤشرات التوتر أن عادت إلى الواجهة، فقد شهد الثلث الأخير من أيار تحولاً خطيراً شكّل شرارة ستُفاقم الأزمة السياسية في السويداء. ففي 22 أيار، اقتحم مسلحون غاضبون مكتب محافظ السويداء، مصطفى بكور، بعد تداول شائعات عن تصفية شابين من أبناء المدينة أُوقفا في دمشق بتهمة المتاجرة بالسيارات المسروقة، وهدد المقتحمون المحافظ بالقصاص إن صحّت الأنباء. قرر بكور إثر هذا الاقتحام مغادرة السويداء باتجاه دمشق دون عودة. وقد أثارت حادثة التهجم عليه ردود فعل غاضبة، في أوساط المحافظة إذ أعلنت مشيخة العقل وحركة رجال الكرامة في اليوم التالي إدانة ما حدث، حذرت في بياناتها من الانزلاق إلى الفوضى. وفي يوم الجمعة نفسه، أعلن بكور استقالته من منصبه كمحافظ للسويداء.
لم تنتظر دمشق طويلاً لملء الفراغ. فعيّنت السلطات أحمد الدالاتي قائداً للأمن الداخلي في السويداء، وهو الرجل الذي برز خلال معركة ردع العدوان كقائد عسكري، وارتبط اسمه لاحقاً بهندسة الحملة الأمنية الأقسى على المحافظة.
القطيعة
بعد نحو عشرة أيام من تعيين أحمد الدالاتي بدا أن السلطة إما عاجزة عن ضبط طريق دمشق–السويداء، أو أنها لا ترغب في ذلك. وبحسب من التقاه، حمل الدالاتي معه مشروعَ اتفاق أمني جديد يقضي بنشر 2500 عنصر من العاصمة داخل السويداء، وتطويقها بفصائل موالية تحت ذريعة «الحماية من اعتداءات البدو». غير أن الفصائل المحلية، بما فيها حركة رجال الكرامة ولواء الجبل، إلى جانب مشايخ العقل وفي مقدمتهم الشيخ حكمت الهجري، أجمعوا على رفض المقترح.
وفي 2 تموز(يوليو)، وقع أول حادث أمني على الطريق، في خرق واضح لتعهدات «اتفاق واحد أيار» الذي نصّ على تأمينه. وخلال الأيام العشرة الأولى من تموز، تكررت حوادث الخطف وتشليح السائقين، سواء عبر حواجز نشرتها السلطة أو من خلال مجموعات مسلحة تنشط على الطريق نفسه، ما دفع غرفة تجارة السويداء، على لسان رئيسها، إلى الإعلان عن تواصل مع السلطات الرسمية أثمر عن وعدٍ بمحاسبة من يقومون بأعمال السلب والسعي إلى إعادة أموال التجار التي سُلِبت على الحاجز.
في 12 تموز، في اليوم نفسه الذي جرت فيه جولة محادثات سورية-إسرائيلية في أذربيجان لبحث الترتيبات في الجنوب السوري، شهد طريق دمشق–السويداء توتراً قرب قرية خربة الشياب في ريف دمشق: مجموعة مسلحة أوقفت شاحنة خضار، وأهانت سائقها بألفاظ طائفية قبل أن تستولي على الشاحنة وتتركه على قارعة الطريق. ومع عودة السائق إلى السويداء تصاعد التوتر سريعاً، إذ أقدم أقاربه على خطف عدد من أبناء البدو داخل المحافظة في سعي للضغط لاستعادة المركبة، وانزلقت الأحداث خلال ساعات إلى سلسلة من عمليات الخطف والخطف المضاد.وبحسب مصادر مطّلعة أُبلغ مشايخ العقل الثلاثة، إضافة إلى فاعلين محليين، عند الساعة الرابعة من فجر 14 تموز الماضي، أن السلطات في دمشق تحشد من أجل عملية عسكرية-أمنية ستتولى من خلالها «فرض الأمن بنفسها»، وأن هذا القرار غير قابل للنقاش. وطُلب حينه من الفصائل المحلية في السويداء أن تُرسل وفداً إلى مدينة إزرع في ريف درعا، ليستقبل وفداً أمنياً هناك ويرافقها لاحقاً إلى السويداء تحت إشراف المحافظ، ويتم تصوير الأرتال ومن ثم تصوير أحمد الدالاتي والمحافظ مصطفى بكور داخل مبنى المحافظة مع المشايخ. رفضت الفصائل الخروج إلى درعا، معتبرةً أن المشهد المقترح لا يعدو كونه محاولة لتصوير وفدها إلى جانب ممثلي السلطة لتسويق مشهد شكلي يوحي بوجود اتفاق بين الطرفين، واقترحت بديلاً من ذلك أن يُعقد اللقاء في بلدة المزرعة. بدا رفض مشايخ العقل وقادة الفصائل في السويداء التوجه إلى درعا لاستقبال الوفد الأمني كما لو أنه قرار رفض كامل، وعندها قررت السلطة بدء الهجوم من المحورين الغربي والشمالي في حملة عسكرية واسعة، وكانت قرية تعارة في الريف الغربي أولى النقاط المستهدفة.
وصل أحمد الدالاتي إلى بلدة المزرعة صباحاً بينما كانت الأخبار تتسارع عن مجازر مروّعة ارتكبتها القوات الموالية للسلطة في القرى الغربية. وانتشر حينها فيديو يُوثق المفاوضات الأخيرة في اتصال هاتفي بين الدالاتي وقائد لواء الجبل شكيب عزام، حيث طلب الأول حضور الوجهاء الفاعلين من السويداء إلى المزرعة فيما بدا محاولة أخيرة لتدارك الموقف، غير أن الدماء التي سالت قلبت المشهد. ومع توالي أنباء المجازر ومقاطع الفيديو والصور وانتشارها في السويداء، تمزّقت العلاقات الحذرة ودخلت المحافظة في مرحلة القطيعة الراهنة.* * * * *
منذ لقاءات ما بعد سقوط نظام الأسد وحتى افتراق أواسط تموز، مرت علاقة السلطة الجديدة في دمشق بالسويداء بمراحل متعرّجة وتحوّلات كثيرة. لم يكن ما حصل أخيراً بادياً في الأفق في الأسابيع الشتوية التي تلت فرار الأسد، كما لم يكن ما جرى في الصيف حتميّ الحصول. واليوم، تبدو العلاقة بين السلطات والسويداء محكومة بمزيج من الانفصال والتداخل: مركز يحاول تثبيت نفوذه بأي ثمن، ومحافظة تبحث عن ضمانات للبقاء في محيط متقلب. ولا يوحي هذا الواقع بتسوية قريبة، بل يُشير – في أحسن احتمالاته – إلى مراحل جديدة من التفاوض القلق داخل بلدٍ لم يخرج بعد من مرحلةٍ قاسية من إعادة تعريف ذاته.
-