حضور الحزبين الرئيسيين لإقليم كردستان العراق في مؤسسات السلطة الاتحادية العراقية مسألة بالغة الحيوية حتى أن الحزبين يقدمانها حاليا على إعادة ترتيب شؤون السلطة في الإقليم وتشكيل حكومة جديدة له، ويُؤْثران على ذلك التفرغ لخوض انتخابات مجلس النواب العراقي.
أربيل (كردستان العرق) – انزوى موضوع تشكيل حكومة جديدة لإقليم كردستان العراق إلى آخر اهتمامات قيادتي الحزبين الرئيسيين في الإقليم، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتّحاد الوطني الكردستاني، وتوارى في زحمة وضجيج الحملات الانتخابية استعدادا للانتخابات البرلمانية المقررة في العراق للحادي عشر من شهر نوفمبر القادم.
وتعد تلك الانتخابات محطّة مفصلية في إعادة تشكيل مؤسسات السلطة الاتحادية لاسيما البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية حيث يسعى الحزبان المذكوران بقوّة لتأمين مواقع لهما فيها نظرا إلى أهمية ذلك في الحفاظ على نفوذهما والمصالح السياسية والمادية الكبيرة لكلّ منهما.
ومضى عام كامل على تنظيم انتخابات برلمانية في إقليم كردستان الذي يتمتّع بحكم ذاتي ضمن الدولة الاتحادية العراقية دون أن يتمّ التوصّل إلى تشكيل حكومة جديدة للإقليم وذلك بسبب الخلافات الشديدة بين الحزبين على تقاسم الحقائب الوزارية والمناصب القيادية في السلطة.
وبدا خلال الفترة القريبة الماضية ظاهريا أنّ الحزب الديمقراطي الذي يقوده السياسي الكردي العراقي المخضرم مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الذي يقوده بافل طالباني ابن الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، بصدد تسريع جهودهما لتشكيل حكومة جديدة بأسرع وقت.
اللقاءان الأخيران بين مسعود بارزاني وبافل طالباني لم يكونا لتشكيل الحكومة بل للتوافق على إرجائه
وتم في إطار ذلك عقد لقاءين متتاليين بين بارزاني وطالباني آخر شهر سبتمبر الماضي ورأى فيهما مراقبون قفزة كبيرة نحو تذليل مصاعب تشكيل الحكومة، لكنّ مصادر عراقية مطلعة قالت إنّ اللقاءين على العكس تماما من التوقّعات، شهدا توافقا على تأجيل التشكيل إلى ما بعد انتخابات البرلمان الاتّحادي العراقي وكذلك على التهدئة إلى أقصى قدر ممكن بين الحزبين بهدف التفرّغ للحملة الانتخابية وكذلك لتأمين الحملة من التوتّرات التي يمكن أن تصاحبها بسبب حرارتها المرتبطة بأهميتها الشديدة لكلا الحزبين.
ويعني تأمين أكبر عدد ممكن من المقاعد في البرلمان العراقي لحزبي بارزاني وطالباني تأمين مكانة في السلطة الاتحادية ورفع قدرة كل حزب على التفاوض وعقد الصفقات الحزبية للحصول على مناصب وزارية، وصولا إلى المشاركة عبر الدخول في تحالفات مع قوى سياسية رئيسية من أحزاب شيعية وسنية وفصائل مسلّحة ممثلة في السلطة في تحديد من يتولّى قيادة الحكومة.
وكمثال على ذلك شارك الحزبان في مساعدة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني على تولي المنصب الأهم في الدولة إثر انتخابات سنة 2021 من خلال مشاركتهما في الائتلاف الحزبي الموسّع المعروف باسم تحالف إدارة الدولة، والذي مثل إلى جانب الإطار التنسيقي الشيعي مظلّة ووعاء سياسيا للحكومة.
واستجدّت خلال السنوات الأخيرة تطورات جزئية في المشهد السياسي في إقليم كردستان العراق تمثلت في بوادر ظهور قوّة سياسية منافسة للحزبين الرئيسيين في الإقليم وهي حراك الجيل الجديد بقيادة ساشوار عبدالواحد الذي تمكّن حراكه خلال الانتخابات العراقية الماضية من الحصول على تسعة مقاعد فيما حصل الحزب الديمقراطي على اثنين وثلاثين مقعدا والاتحاد الوطني على سبعة عشر مقعدا.
وإلى جانب هذه النتيجة الإيجابية التي تشكّل خصما من رصيد الديمقراطي والاتحاد مازال الحراك يُظهر علامات تطوّر تجلّت بوضوح خلال انتخابات برلمان الإقليم في أكتوبر من العام الماضي والتي حصل خلالها على خمسة عشر مقعدا من مقاعد المجلس البالغة مئة مقعد.
ومثّل مختلف هذه العوامل أرضية لتوافق مصلحي بين الحزبين القائدين لإقليم كردستان العراق على التفرّغ للانتخابات البرلمانية العراقية للحفاظ على المكانة في السلطة الاتحادية والتأجيل الظرفي للتنافس على السلطة المحلية والذي يمثّل تشكيل حكومة الإقليم قمّته ونموذجه الأبرز.
طالباني لم يتردّد في تسويق تعطيل تشكيل حكومة جديدة للإقليم كإنجاز جنبا إلى جنب تمكّن حزبه على قيادة الحكومة المحلية لمحافظة كركوك
ومع إرجاء تشكيل الحكومة انغمس الحزبان في حملة انتخابية صاخبة انصب اهتمام كل منهما على تسويق نفسه كممثل لمواطني إقليم كردستان في بغداد وضامن لمصالحهم في الدولة الاتحادية.
وقال مسرور بارزاني نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني رئيس الحكومة الحالية للإقليم خلال تجمّع انتخابي كبير في أربيل معقل الحزب “سنذهب إلى بغداد لنحارب من أجل حقوق شعب كردستان،” مضيفا “نحن نخدم مرشحينا لمدة شهر، لكي يخدموا شعب كردستان لمدة أربع سنوات. وإن نجاح قائمة الحزب يعني أن حلم شعبنا سيصبح حقيقة”.
واعتبر في كلمته أنّ “بغداد صارت مكانا لجميع الأطراف التي لا تطيق رؤية نجاح كردستان، أو تلك الأطراف التي لم تتمكن من منافسة الحزب في كردستان، وقد اختارت بغداد كي تعادي إقليم كردستان هناك، وتعرقل مشاريع إقليم كردستان، لذلك يجب أن نذهب إلى بغداد، كي نزيل العوائق والعقبات هناك، ونعيد كل شيء إلى مساره الصحيح مرة أخرى، وتكون علاقاتنا مع الأطراف أقوى، ويُطبَّق الدستور كما هو، وتُضمن جميع حقوق شعب كردستان”.
وعلى الطرف المقابل لم يكن القيادي في الاتحاد الوطني قوباد طالباني الذي يشغل منصب نائب رئيس حكومة الإقليم بعيدا عن روح هذا الخطاب الحماسي التعبوي حين قال في تجمّع انتخابي للاتحاد إنّ الأخير يعمل على حل المشكلات من العاصمة بغداد ولن يسمح مرة أخرى باتخاذ قرارات خاطئة.
وأكّد في كلمته أنّ “الاتحاد الوطني بات الآن أقوى من أي وقت آخر، ويعمل بقيادة الرئيس بافل جلال طالباني على حل المشكلات من بغداد، ولن يسمح مرة أخرى بتعريض مستقبل الإقليم وحياة ومعيشة المواطنين للخطر، من خلال اتخاذ قرارات وسياسات خاطئة”.
وأضاف “ضعف حضور الاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد وتراجع مكانته في إقليم كردستان، بعد الوعكة الصحية التي ألمّت بالرئيس مام جلال (إشارة إلى جلال طالباني قبل وفاته) حقيقة مرة لا يمكن التغافل عنها،” مبينا أن ذلك “تزامن مع تدهور الوضع الاقتصادي لإقليم كردستان والمستوى المعيشي لمواطنيه، فضلا عن تعرض كيان الإقليم للخطر، إثر اتخاذ قرارات إستراتيجية خاطئة”.
ولم يتردّد طالباني في تسويق تعطيل تشكيل حكومة جديدة للإقليم كإنجاز جنبا إلى جنب تمكّن حزبه على قيادة الحكومة المحلية لمحافظة كركوك إثر الانتخابات المحلية الأخيرة في العراق، قائلا “ليعلم الجميع أن الاتحاد الوطني حزب ملتزم بكلمته فهو مثلما نظّم توازن القوى ونفّذ وعوده في كركوك ومنع تشكيل حكومة الإقليم دون رضاه، لا شك أنه سينفّذ ما يقوله مجددا وسيحل مشكلات الإقليم من العاصمة بغداد”. المصدر العرب