تعتزم الحكومة السورية تغيير النشيد الوطني الحالي للبلاد لارتباطه بمرحلة النظام المخلوع ولتمجيده الجيش الذي فتك بالسوريين طيلة سنوات الثورة، في خطوة أخرى ضمن سلسلة إجراءات بدأت بها هذه الإدارة للقطيعة مع حقبة يراها كثيرون من السوريين من أحلك الفترات في تاريخ بلادهم.
واجتمع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، مع وزير الثقافة في حكومته وعددٍ من الشعراء السوريين لـ”مناقشة الترتيبات الخاصة بالنشيد الوطني الجديد للجمهورية العربية السورية”.
وظلت قصيدة “حماةَ الديار عليكم سلام” للشاعر خليل مردم بك، والتي لحّنها الأخوان فليفل، النشيدَ الوطني لسورية منذ عام 1938 حتى سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. ومنذ إسقاط النظام، جرى استبعاد هذا النشيد من المناسبات الوطنية والمدارس، واعتماد قصيدة عمر أبو ريشة “في سبيل المجدِ والأوطانِ نحيا ونبيد”، التي لحّنها الأخوان فليفل، نشيداً مؤقتاً في المناسبات الوطنية والرياضية.
وبيّن القانوني أحمد القربي، وهو أحد واضعي الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنّ الإعلان في مادته الخامسة نصّ على أنّ “شعار الدولة ونشيدها يُحددان بقانون”. وتابع قائلاً إنّ لهذا القانون مسارين: “الأول باقتراح من مجلس الشعب، والثاني باقتراح من رئيس الجمهورية، على أن يتطلّب الأمر صدور القانون من السلطة التشريعية وتصديق رئيس الجمهورية، أي أنّ تغيير النشيد الوطني يستلزم موافقة البرلمان والرئيس معاً”.
وينظر كثير من السوريين إلى النشيد السابق نظرةَ استهجانٍ لارتباطه بمرحلة حكم الأسدين، الأب والابن، وهي المرحلة التي تُعدّ الأكثر قتامةً في تاريخ سورية المعاصر، لذلك طالبوا منذ الأيام الأولى لسقوط النظام بتغييره. ويأمل الشارع السوري بأن تكون كلمات النشيد الجديد موحّدة للسوريين ومعبّرة عن هوية بلادهم.
ومنذ تسلّمها مقاليد الأمور في البلاد، اعتمدت الإدارة السورية الجديدة راية الثورة السورية علماً رسمياً للدولة، كما غيّرت الهوية البصرية القديمة في خطوةٍ واسعة باتجاه القطيعة الكاملة مع الماضي، بهدف القضاء على الإرث الأمني والاستبدادي وتأسيس عقدٍ اجتماعيّ جديد يعبّر عن “سورية الجديدة”.
وكانت الإدارة قد حلّت، في يناير/كانون الثاني الفائت، كلّ مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية والعسكرية والحزبية ومجلس الشعب، وألغت العمل بدستور عام 2012، كما حلّت حزب البعث وجميع الأحزاب التابعة له.
غير أنّ تفاصيل خطوة تغيير النشيد الوطني لم تتضح بعد، إذ لم تُعلن وزارة الثقافة عن مسابقةٍ لشعراء سوريين لتقديم نصوصٍ شعرية، ولا عن تشكيل لجنة من الأدباء والشعراء للإشراف على هذه المهمة الوطنية، التي يُتوقّع أن تثير جدلاً واسعاً في الشارع السوري بين مؤيّدٍ ومعارضٍ لها.
ورأى الصحافي السوري مجد أمين، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنّ “النشيد الوطني القديم لا مشكلة في كلماته أو لحنه، فهو جميل وكان نشيداً وطنياً قبل وصول آل الأسد إلى السلطة بأكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً”، مضيفاً أنّ “النشيد وُلد في مرحلة التحرّر من الاستعمار، حين كانت الروح القومية في أوجها”.
وتابع أنّ “النشيد الوطني من الثوابت التي لا تتغيّر بسهولة في أيّ دولةٍ من دول العالم، شأنه شأن الراية الرسمية والدستور، لذلك فإنّ خطوةً كهذه تحتاج إلى جهةٍ تمثّل السوريين لتأخذ موافقتهم”. وبرأيه، فإنّ الأهم في هذه الخطوة هو “تحديد آليات التغيير وشرعيتها، وألا تكون مقتصرةً على قرارٍ فردي من الرئيس الحالي للحكومة الانتقالية”، موضحاً أنّ “الأمر يتطلّب وضوحاً في الجوانب القانونية والدستورية، إلى جانب تحديد الآليات التقنية لاختيار من سيكتب النشيد وطريقة اختياره، سواء عبر التعيين أو من خلال مسابقةٍ مفتوحةٍ على مستوى البلاد، أو بوسائل أخرى”.
وفي السياق، أيّد زيدون الزعبي، وهو خبيرٌ في مجالات الحوكمة، خطوةَ تغيير النشيد الوطني في سورية، “لأسبابٍ تتعلّق بضرورة إعادة بناء الهوية الوطنية السورية، لا بسبب ارتباط النشيد السابق بالنظام البائد، إذ إنّ عمره يقارب التسعين عاماً”.
وأوضح الزعبي في حديثه مع “العربي الجديد” أنّ “الأمر يحتاج إلى قانونٍ يصدر عن جهةٍ أكثر تمثيلاً وشمولاً”، مضيفاً أنّ “تغيير النشيد يمكن أن يتمّ من خلال المجلس التشريعي القادم، بعد عمليةٍ تشاوريةٍ مع مختلف المجتمعات السورية”.
المصدر العربي الجديد