القامشلي – نورث برس
يرى متابعون أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، بشأن قوات سوريا الديمقراطية، قسد، تمثل تحولاً لافتاً في اللهجة الرسمية لدمشق، وسط مؤشرات على انفتاح سياسي متدرّج نحو شمال وشرق سوريا.
وكان الشيباني قال، السبت الماضي، في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية، إن غياب قسد، عن مؤسسات الدولة “يؤدي إلى تعميق الشرخ والانقسام”، داعياً إلى “شراكة عاجلة معها لضمان وحدة البلاد”.
وجاءت هذه التصريحات عقب جولة تفاوضية جديدة في دمشق أجراها وفد عسكري وأمني من الإدارة الذاتية وقسد، التقى خلالها بمسؤولين في الحكومة الانتقالية.
وقال سيبان حمو، عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية وعضو اللجنة العسكرية للتفاوض مع حكومة دمشق، في وقت سابق لنورث برس، إن الاجتماع الأخير اتسم بأجواء إيجابية بمشاركة وزارة الدفاع ومسؤولين أميركيين، لكنه لم يفضِ إلى أي اتفاقات مكتوبة.
توجه دبلوماسي جديد
يقول عبد الحميد توفيق، وهو محلل سياسي سوري ورئيس مركز “النهضة” للأبحاث والدراسات في دمشق، إن تصريحات الشيباني الأخيرة “تحمل رسائل واضحة ومباشرة إلى قوات سوريا الديمقراطية وقياداتها”، مشيراً إلى أنها تعكس توجهاً دبلوماسياً جديداً من قبل دمشق تجاه قسد.
وأضاف الشيباني في مقابلته أن “المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية لشمال وشرق سوريا لأن تكون جزءاً فاعلاً في مسار الحل السياسي”، في إشارة نادرة من مسؤول حكومي رفيع إلى أهمية إشراك الإدارة الذاتية في مستقبل البلاد.
ويقول توفيق لنورث برس إن موقف وزير الخارجية السوري يعبر عن رغبة حقيقية في فتح صفحة جديدة، موضحاً أن الشيباني تجنّب استخدام مصطلح “المكوّن الكردي”، واختار الحديث مباشرة عن قسد، ما يعكس اعترافاً رسمياً بوجود هذه الكتلة بما تمثله من تركيبة سياسية وعسكرية واجتماعية فاعلة.
ويضيف أن “هذا الاعتراف ليس جديداً تماماً، إلا أن تكراره في هذا التوقيت السياسي الدقيق يؤشر إلى جدية متزايدة في التعامل مع الملف، خاصة في ظل تبدلات إقليمية ودولية تتعلق بالموقفين التركي والأميركي من الملف السوري”.
وفي تصريحاته، شدد الشيباني على أن “التوصل إلى اتفاق مع قسد يمثل أولوية للحد من معاناة المدنيين وتسهيل عودة المهجرين إلى مناطقهم”، وهو ما اعتبره توفيق تلميحاً إلى استعداد دمشق للقبول باندماج سياسي مشروط لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
دمج مؤجل وتحالف مشروط
ويربط توفيق تحقيق نتائج ملموسة في ملف التفاوض والدمج بين دمشق وقسد بتقاطع المصالح بين الطرفين، إلى جانب تأثير اللاعبين الإقليميين والدوليين الفاعلين في الملف السوري، وفي مقدمتهم تركيا والولايات المتحدة.
ويقول المحلل السوري إن دمشق سبق أن أكدت في أكثر من مناسبة أن نهاية العام الجاري تمثل محطة مفصلية قد تشهد تفاهمات أو خطوات تنفيذية مرتبطة باتفاق العاشر من آذار، الذي تعتبره القيادة الانتقالية في دمشق أرضية قانونية وسياسية للحل الداخلي.
ويتطرق توفيق إلى الموقف التركي “المتذبذب بين الليونة والتشدد” في التعامل مع قسد، قائلاً إن “استمرار الضغط التركي من جهة، ومحاولات واشنطن الحفاظ على نفوذها في شرق الفرات من جهة أخرى، يجعلان أي تقدم في التفاوض رهناً بتفاهمات معقدة متعددة المستويات”.
التحول والمناورة
ويرى مراقبون أن تحول لهجة دمشق تجاه قسد يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية القوى الموجودة على الأرض، لكنه قد يشكل أيضاً مناورة سياسية تهدف إلى كسب الوقت وإعادة ضبط الموازين في ظل التطورات الإقليمية.
لكنّ ما يبدو مؤكداً، وفق المحلل عبد الحميد توفيق، هو أن دمشق تسعى اليوم إلى إعادة صياغة علاقاتها الداخلية والإقليمية عبر إشارات سياسية محسوبة، بينما تبقى قسد لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة تخص مستقبل سوريا.
