تشكّل الصور النمطية عنصراً مهماً في تكامل الجماعات والدوافع والأفعال الاجتماعية والدعاية والانحيازات والطابع الاجتماعي للأفراد. وتعدّ تمثيلات عامة أو شبه عامة للظواهر الاجتماعية، بغضّ النظر عن مدى صحّتها وصلاحيتها. ومن ثمّ هي تشكّل أداةً ممتازةً لممارسة عمليات التنافر المعرفي والحفاظ على حالة من الوعي “المغلق” الذي يعزّز حالة من التنافر العاطفي بين المجموعات المجتمعية، تؤثّر في إيجاد وظيفتَين متناقضتَين لدى تلك المجموعات، دفاعيةً وهجوميةً. هذا ما يشكّل شرارةً يمكن قدحها باستمرار في المجتمعات المنهارة، خصوصاً عندما تستخدم في أدوار ترسمها الأيديولوجيا السياسية، فالصور النمطية الاجتماعية تؤدّي أيضاً وظيفةً أيديولوجيةً تتفاقم وتزداد قوة تأثيرها في واقع النزاعات، إذ تلعب التفسيرات الخاصة، أحادية الجانب والمشوّهة، التي يزخر بها المخيال الجمعي، دوراً كبيراً. وكلّما كان الآخر “غريباً” وغير مفهوم، زاد تشويه الصورة النمطية التي تتشكّل على حسابه.
وفي حالة كالحالة السورية، بعد 14 عاماً من العنف الممنهج المعزّز بنوازع أيديولوجية، وانهيار بنى الدولة والمجتمع، والطريقة التي سقط بها النظام البائد، والأسئلة التي فجّرها سقوطه الرخيص كالبركان خلفه، وحالة الفوضى والانفلات الأمني في ظروف عيش لغالبية المجتمع تنحدر به إلى مستويات الفقر الشديد، واستهداف مجموعات ذات طابع طائفي بأقصى درجات العنف، مع وجود منصّات إعلامية (رسمية واجتماعية) لا حصر لها وفّرتها الثورة الرقمية… فإن الإفراط في الوساطة الإعلامية، مكّنت كل مجموعة بشرية من الوجود أمام غيرها بوتيرة مقلقة، فهي تنقل الصور (حتى الافتراضية أو المفبركة بتقنيات دقيقة) منها، ما دفع إلى انتعاش الصور النمطية والأحكام المسبقة وصور الآخر، التي كوّنها ونقلها التاريخ عبر مئات السنين.
من المجدي الاعتراف بأن المجتمع السوري منقسم معرفياً وعاطفياً بين أكثرية وأقليات. فالأقليات، في غالبيتها تضمر “خوفاً” من الآخر “الأكثري” الذي ينتمي إلى مجموعة أخرى وليس “منّا”، والأكثرية في غالبيتها تضمر شعوراً بالأحقّية في السيادة على الفضاء العام وبناء الدولة وفق منظومتها، متجاهلةً الآخر الذي ليس “منّا” أيضاً. وتأتي هاتان الحالتان العاطفيتان من عمق التاريخ. كذلك، وصلت هذه الحالة من الانقسام وشدّ العصب الطائفي أو القومي مستوياتٍ لم تترك صورة انحطاط إلّا ورسمتها بعضها من بعض، صور تقلّل من إنسانية أفراد المجموعة المختلفة، فيكون مظهرهم وأخلاقهم كما لو أنهم تجسيدٌ للشرّ والقبح. بل استُخدمتْ الصورة التي ترمز إلى هُويَّة ثقافية للآخر، في شدّ العصب الطائفي لدى المجموع، فباتت اللغة واللهجة والزي وملامح الوجه، كاللحية أو الشوارب، أدواتٍ للسخرية والحطّ من شأن الآخر.
وإذا انطلقنا من رأيّ يقول إنه يمكن اعتبار الأيديولوجية “مُكوَّنة من نظام (شبكة) من التمثيلات المترابطة” فإنها من هذا المنظور هيكل اجتماعي معرفي يقوم على أساس مجموعة من التمثيلات متفاوتة المستويات، بناء يهدف إلى السيطرة (سواء كانت واضحة أو مستترة)، يقدّم رؤيةً معيّنةً للأمور، وقادر على إضفاء الشرعية على الخطابات، وبالتالي على الممارسات الفردية والأفعال الجماعية في مجال السيطرة، أو الحفاظ على السلطة (سياسية، ثقافية، روحية… إلخ)، أو على الأقلّ على تأثير قسري أو إجباري داخل المجتمع المعني أو تجاه مجتمع أو مجتمعات أخرى.
ومن هذا المنظور أيضاً، يفترض عند إخضاع مجموعة عرقية أو دينية أو طائفية لأخرى أن مصالح المجموعة الحاكمة هي المطلوب منها رسم صورة تطغى على النمطية المتداولة بين المجموعات، وتوحي بضبط الحالة العاطفية، ثمّ الاشتغال لاحقاً على الحالة المعرفية إذا كانت تملك الرغبة والإرادة في إذكاء الثقة بين مكوّنات الشعب، وبين الشعب وبينها، وأن تبتعد عن (أو تحاكم) استخدام صور عن الخاضعين لتبرير إخضاعهم. بل أن تستنبط العناصر الاجتماعية المعرفية المشتركة أو شبه المشتركة، التي تلهم سلوكيات (وممارسات) أفراد المجتمع السوري أو إحدى مجموعاته.
المجتمع السوري اليوم في أكثر مراحله هشاشةً وأشدّها انحداراً في مستويات العيش والقدرة على مواكبة العالم في مسيرته إلى الأمام. كذلك الدولة السورية الراغبة في إعادة بناء نفسها على أسس متينة، إلّا أن التحدّيات أكبر من احتمال شعب معافى، فكيف بشعبٍ مستباحٍ يشلّه الضعف والتدخّل في شؤونه وانتهاك سيادته! لذلك، فإن العمل على تقديم ما يبني الثقة بين مكوّنات الشعب، وبينه وبين الحكومة التي ما زالت هي الأخرى تكتسي صورةً نمطيةً تُقرأ بطرائق متباينة، بين أكثرية وأقلية، يعدّ أمراً ملحاً لا يتحمّل التأجيل. هذا لا يبدأ داخلياً بتعزيز الأمن (على ضرورته) فحسب، بل لا بدّ من تطوير أدوات إعلامية وثقافية ترقى إلى مستوى المسؤولية في “لمّ شمل” المجتمع السوري المتنافر في غالبيته والبعيد بعضه من بعض، واعتماد أجهزة إعلامية وثقافية متطوّرة وأكاديمية تعمل وفق برامج هادفة تجعل من التنوير أولى مهمّاتها، التنوير الذي لا يجوز التأخّر فيه ما دامت الصور النمطية المُشوَّهة (والمُشوِّهة) تتناسل مثل الفطر، فتصيب المجتمع، وتمتدّ عمقاً أكثر ممّا هي عليه الآن. سيؤدي هذا مستقبلاً (فيما لو استمرّ بهذه الطريقة من التسخيف والتصغير والكراهية ومحاولات المسخ) إلى تجذير المشكلات وجعلها معضلات صلدة أمام الأجيال المقبلة.
لا يتحقّق تفتيت الصور النمطية المتجذّرة في عمق “وعي” و”لا وعي” الجماعات من دون إشراك الجميع في المسؤولية العامة، وفسح الطريق أمام الأفراد والكفاءات من أجل المساهمة في البناء. هذا يساعد كثيراً في تحطيم الصورة النمطية التي هي بالفعل شكل من أشكال التمثيل فرضه التعصّب والجهل بالآخر والتكرار والبساطة أمراً بديهياً على مجتمع كامل (أو على مجموعة داخل المجتمع)، فصار بنيةً معرفيةً اجتماعيةً جامدةً، تجد أهميتها العملية في الخطاب في عملها الاختزالي الأحادي واستقرار محتواها الذي يريح الأفراد ضمن المجموعة. لا بدّ من الاعتراف بأننا “نطوّرها ونؤكّدها حالةً حالة، ونغذّيها بالأمثلة، ونعترف لها بالاستثناءات إذا لزم الأمر، ونكيّفها حسب الظروف مع التلاعب بدرجة ما بتضخيم سماتها، وقد يكون من الممكن حتى تحسينها من خلال كثرة استخدامها”، وهنا يتعاظم دور الدولة ومسؤوليتها في كسر هذه الحلقات المتداخلة، وضبط الخطاب الرسمي والأداء الإعلامي، إضافة إلى تشجيع كل ما يسهم في تفتيت وطمس هذه الصور بإشهار صور بديلة، قد يكون الفنّ والأدب والموسيقى أكثر الأدوات فاعلية في هذا المضمار المهم. فهذه الصور هي في رؤوسنا، وهذه التمثيلات والتجمعات الجماعية المجمّدة ومسبقة الوجود، ترتبط إلى حدّ بعيد بالإشارات اللغوية (الألفاظ أو التراكيب اللفظية)، وبإشارات مادّية أخرى (اللباس أو الزي، الطعام، العادات الاجتماعية)، التي غالباً ما تستدعي الإشارة إليها أو نطقها التعبير عن حكم أو شعور أو صورة، أو ببساطة عن مروحة من الارتباطات/ الدلالات الضبابية، إنما القادرة على التأثير العاطفي والمعرفي. وإلا سيبقى التشرذم المجتمعي قائماً إلى أمد بعيد. بل سيتجذّر ويزداد أكثر ربّما حول أبسط القضايا المشتركة، فكيف بسياسة دولة واستراتيجياتها المستقبلية وعلاقاتها الخارجية؟
المصدر العربي الجديد