نجاة عبد الصمد – روائية سورية
يبقى ملف الانتهاكات بحقّ النساء هو الأكثر ألماً وإيلاماً. أبسط قواعد الحروب أن تُحيّد النساء والأطفال عن ساحات النزاع، وعدم استخدامهم كأداة ضغطٍ للرضوخ أو التفاوض. لكنّ السلطة المؤقتة لم تضبط هذه الحالات، ولم تحاسب عليها، بل استخدمت النساء في السويداء كأداة للتبادل وعقد الصفقات.
مقاربة موضوع المجازر في سوريا (المحرَّرة)، أشبه بكابوسٍ ينتهك ليلَ كلّ سوريّ، إلى حد طرحنا أسئلةً مرعبة وفرضياتٍ لا يمكن تجاهلها كـ”نقاط التشابه والفروق ما بين مجازر الساحل ومجازر السويداء!”، فرضية كهذه تحرك الرعب، بدايةً كونها قائمة على مقارنة مجزرةٍ بمجزرة؛ فهل هذه صغيرةٌ وتلك أكبر؟ هل هذه فظيعةٌ وتلك أفظع؟ هل جراح هذه أعمق أو أوجع من جراح تلك؟!
في الواقع، كل مجزرةٍ هي مجزرةٌ فحسب، واقعةٌ همجية، وأدٌ جماعيٌّ لحياة أبرياء وطعنٌ جماعيٌّ لوجدان مَن نجوا، لكن من جهة نظر سياسيّة، “المجزرة” أداة للحكم، لنشر الرعب وترسيخ السلطة، في الوقت ذاته أداة لتحريك الجموع المسلحة، رسمية كانت أو غير رسمية، عبر بنية عقائديّة أساسها التلقين، ومبنيّة على فتاوى وصورة عن الآخر، ترسخ كيقينيّاتٍ غير قابلةٍ لأيّ اختراق؛ يقينيات، ما قبل الدولة، وما قبل “سوريا” نفسها، يختزلها السؤال الذي أصبح ذا بعدٍ مأساوي الآن :” إيش يعني سوري؟”.
تحت مسمّى مسلحين تابعين للفلول قتلوا أفراداً من الأمن العام، اقتحم عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع و”عصاباتٌ منفلتة” منطقة الساحل في 6 آذار/ مارس، هجمة امتدّتْ ليومين، لخصت هوية الآخر فيها بسؤال “أنت علوي أم سنّيّ”؟، تلاه إما القتل أو أمر مفاده :”عوّي ولاك، يا خنزير يا نصيري…”، والنتيجة نحو 1400 قتيل مدنيّ في حصيلة ما زالت غير نهائيّة.
في السويداء، وتحت مسمّى مختلف (فضّ الاشتباك بين البدو والدروز)، امتدّت المجازر لأسبوعٍ ابتداءً من يوم 13 تموز/ يوليو. ابتدأتْ بقطع أوتوستراد دمشق السويداء كشريانٍ وحيدٍ للمحافظة، وحصارها، واقتحم المهاجمون من الأمن العام ووزارة الدفاع وفزعات العشائر، قرى الريف الغربيّ والشماليّ في السويداء، بالدبابات والأسلحة الثقيلة والسيوف والمقصات، وتوجّهوا نحو المدنيين في الأحياء النائية، اقتحموا مضافاتهم وبيوتهم بسؤالٍ أول: “أنت درزي، أنتو دروز؟”، والنتيجة أيضاً أكثر من ألف قتيل مدنيّ وفق إحصاءاتٍ متعددة بعضها يرجح أن الرقم أكثر من ذلك بكثير.
تتشابه مجازر الساحل والسويداء في الإهانات والقتل والحرق، وتباهي القتلة بتصوير أنفسهم وهم يوغلون فيها، والمستهدف دوماً هو “الآخر” السوريّ، الذي تنزع عنه سوريّته، ما يجعله يستحق القتل!
هذا القتل، لم يتوقف لحظة المجزرة، بل امتد بعدها إلى الآن، من الترهيب، والخطف، والتخويف والفشل في الحد من الاحتقان الطائفيّ، لتتحول المجزرة إلى فعل مستمر في الزمن، لا مجرد لحظة، فعل مستمر يفتت الانتماء “السوريّ” ويهدد إن لم يقضِ على العقد الاجتماعي، لتتحول المجزرة إلى أداة لـ”الحكم” وضبط الأجساد خوفاً وقتلاً.
تمارين على “الحكم” عبر المجزرة: الحصار
الهجوم على الساحل كان بداية رد على كمينٍ نصبته “الفلول” سُمّي محاولة انقلاب، وفعلاً قتل عناصر من الأمن العام يومها، لتتحول بعدها عملية ضبط الأمن إلى سياسة إذلال تستمرّ وتتصاعد ببطء، يوماً بيوم، انتقاماً من العلويين بصفتهم علويين، قبل كونهم حاضنةً لبشار الأسد.
استمرار العنف ضد العلويين في الساحل لم يحصل في السويداء، التي حضرت فيها “نية الإبادة” في الهتافات المطلقة وخصوصاً الإبادة الثقافيّة عبر تدمير الرموز الثقافية والإهانات، خصوصاً أن السويداء، بعكس الساحل، تمتلك تمثيلاً داخلياً سياسياً يشتبك مع العقائدي، يتمثل بالشيخ الهجريّ، الذي لم يخضع لسلطة الحكومة المؤقتة ولم يقبل بتسليم السلاح، وهذا ما يفسر محاولة سلطة دمشق تقديم قياداتٍ “جديدة” تتمثل بليث البلعوس
اللافت أيضاً هو قدرة سلطة دمشق على تسيير الجموع المسلحة، سواء في الهجوم على الساحل أو السويداء، فإلى جانب القوات الرسميّة، حضرت قوات عشائرية وفزعات و”عناصر مسلحة غير منضبطة”، وفي كلتي الحالتين، نحن أمام فائض قوّة، جموّع مسلحة تحركها السلطة وغير قادرة على ضبطها، وهذا بالضبط ما يكشف عن أسلوب التأديب وخلق الطاعة الذي توظفه سلطة دمشق، من لا ينصاع، سيخضع للتأديب والقتل من “عناصر” شعبية، لا تنتمي إلى أجهزة السلطة، عناصر عشائرية وجّه لها أحمد الشرع شكراً على “مواقفها البطولية”.
نلاحظ أيضاً أن الساحل تحول إلى منطقة منكوبة، من دون الإعلان الرسمي عن ذلك، بل يمكن رصد حملات “المساعدات” و”التبرعات” لجبر الضرر، لكن لمَ التعامل مع الساحل كمنطقةٍ محاصرة، إن كان أرضاً سورياً خاضعةً لسيادة دمشق؟ الحصار غير المباشر للساحل بعد المجزرة، كان شكله أوضح في السويداء، التي خضعت لحصار، وتدمير البنى التحتية في أكثر من 30 قرية في ريفي السويداء الشمالي والغربي، ومعركة تكسير عظم حول من يحق له إدخال المساعدات إلى السويداء، التي رفضت على رغم الحصار، دخول أية شاحنة تنتمي إلى مؤسسة رسمية، وكانت الموافقة فقط على شاحنات المنظمات الإغاثية، عبر الأوتوستراد الذي يصل دمشق- بالسويداء الذي تصرح السلطات أنه “مفتوح” بصورة دائمة!.
في دلالاتهما، كلا الحصارين هما حصارا تجويع وإذلال، فالجرائم والانتهاكات الفردية لا تزال مستمرةً في الساحل حتى اليوم، إلى جانب حصارٍ غير معلن، حين لا أمان ولا وظائف ولا سبل عيش لسكّانه.
تمارين على “الحكم” عبر المجزرة: الإذلال
وُثقت جرائم الخطف والعنف الجنسيّ بحقّ النساء والأطفال في الساحل، بعد المجزرة. استباحة العلويين، وغياب المحاسبة على “التصرفات الفردية”، يهددان البنية الاجتماعية لعلويي الساحل، عبر استهداف النساء بالذات خطفاً، ثم إنكار هذه الحالات علناً بصورة رسمية على رغم التقارير التي توثق عمليات الخطف.
في السويداء، سجّل المسلحون المهاجمون دمغة إذلالهم عبر خطف النساء والطفلات بالتوازي مع عمليات القتل والحرق والتخريب. وحتى تاريخ 26 آب/ أغسطس، وثّق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان 293 مختطفة من السويداء، استُرجعتْ منهن 42 امرأة بتبادل الأسرى، وتُحتجَز امرأتان في سجن عدرا، وقُتلتْ 14 منهن بعد الاختطاف. أُعيدت دفعاتٌ من النساء بعدها، ظهرن على منصات الإعلام مجبراتٍ على ارتداء الحجاب، وأعيد بعضهن بصمتٍ وتعتيم.
يبقى ملف الانتهاكات بحقّ النساء هو الأكثر ألماً وإيلاماً. أبسط قواعد الحروب أن تُحيّد النساء والأطفال عن ساحات النزاع، وعدم استخدامهم كأداة ضغطٍ للرضوخ أو التفاوض. لكنّ السلطة المؤقتة لم تضبط هذه الحالات، ولم تحاسب عليها، بل استخدمت النساء في السويداء كأداة للتبادل وعقد الصفقات.
مواجهة الوقائع وحقائقها تحتاج إلى انتهاج السلطة عقلية الدولة لا عقلية العصابات، وإلى وعي جمهورها وصحوة ضميره، وإلى شجاعةٍ في مواجهة الذات، أقلّه بخطابٍ وسلوكٍ وطنيّين يرتقيان إلى احترام مأساة هؤلاء النساء، والأقليات التي تتعرض للحصار والقتل، والأهم احترام سوريا التي تتحوّل اليوم، على امتدادها، إلى ساحةٍ لاختبار تقنيات المجازر والحصار. المصدر درج